نظر نحو الزجاج الأمامي لسيارته الذي اخترقته الرصاصات الثلاث ثم للمقعد الخالي الذي جواره حدث نفسه متسائلاً: ماذا لوكانت بقربي الآن..؟! وأخذ يقيس بعينيه المتعبتين المسافة الفاصلة بين منفذ الرصاصات الثلاث وبين ماتصوره رأس ابنته.. تخيل كل تلك الاحتمالات المفزعة التي كانت ستحدث وارتجف قلبه بشدة.. كانت محاولة فاشلة سرعان ماتبددت كدخان في ليلة صاعقة. أطبق بيديه العصبيتين على المقود حتى كاد أن يقتلعه من فرط الألم الذي أخذ يسري عبر خاصرتيه.. كان مريضاً منذ البارحة وهو الآن لايحتمل الانتظار طويلاً هكذا من دون مبرر ولا يستطيع أن يبعد المسلحين ويمنعهم من الوصول إليه حدَّث نفسه بأسى: لو لم يصبك التوعك لما مررت من هنا واذن ماحدثت القصة كلها واصطادوك بهذه الطريقة السهلة. لكنه كان متعباً وأراد اختصار المسافة من قرب الفندق ولم يحتمل فكرة الصعود نحو العقبة منحدراً نحو ساحل البحر حيث ينزوي منزله. عندما بدأ القصف كان في طريقه إلى المنزل، مر على ابنته فلم يعثر لها على أثر.. سأل نفسه محتاراً: ترى هل عادت مبكرة بعد أن سمعت الخبر؟!؟ في البداية حينما اصطحبها إلى العمل أحس بضجة مبهمة تحاصر أنفاس المدينة، وشاهد الحواجز الخشبية وجحافل المسلحين المزروعين بين مفاصل الطرق وعند المنعطفات كأشباح الجن، لكنه لم يعط للأمر أهمية، كان منشغلاً بآلامه. فقط صدق حينما طلب منه أحد المسلحين بفضاضة بعد فشل محاولة فراره أن يترك السيارة ويترجل، لكنه لم يحس بأن تلك اللحظة ستكون بداية المأساة التي استمرت نحو أسبوعين. اشتم رائحتهم من بعيد قبل أن يواجههم، ملامحهم الغريبة طفت على سطح ذاكرته لقد رآهم في مكان ما صادف نفس الشاحنات الشرسة نعم هناك، لكن كيف تجرأوا على العودة؟! شاهدهم وهو يقف بمنتصف الشارع منتظماً في طابور السيارات اللانهائي وجدل نفسه أمام اللحظة الحاسمة لم يكن بمقدوره أن يتراجع، كان أصلب من أن يتردد فالطريق البحري نحو مدينة الشيخ سالك، وبأعصاب متماسكة أفلت من الكماشة فاندفع بسيارته منفلتاً من أسر الطابور المتصل بالأفق لكنه ما كاد ينطلق حتى فاجأه الرصاص بزخة كثيفة تناثرت على زجاج سيارته الأمامي. بالكاد تمكن من لجم جماحها، أحس بصعوبة التحكم بكابحها كمن يمنع اندفاع حجر ضخم من حافلة الهاوية.. فاجأه الرصاص بضربة قوية ارتد على إثرها متراجعاً إلى الخلف حيث الطابور سلسلة متصلة بالأفق الرمادي. كان المسلح الذي ينتصب أمامه الآن ينظر إليه بتشف بغيض طالباً منه أن يترجل.. نظر نحو الزجاج الأمامي لسيارته الذي اخترقته الرصاصات الثلاث ثم للمقعد الذي بجواره وتنهد تنهيدة عميقة: ستر ولطف و..