بقلم: العميد القاضي د. حسن حسين الرصابي/ إن الطفولة هي الثروة الحقيقية والركيزة الأساسية لبناء مستقبل اليمن، وكما قيل قديمًا: "أطفالنا أكبادنا تمشي على الأرض". لكننا اليوم نجد هذه الأكباد عرضة لخطرٍ جمٍّ يتسلل إلى مخادعهم بصمت؛ غزوٌ ناعم يتجاوز الحدود والحواجز ليفتك بالعقول ويدمر القيم الفطرية تحت ستار "الألعاب الإلكترونية". صدمة في عقر الدار: حفيدنا "حسن" نموذجاً لم يعد الخطر مجرد تنظير أكاديمي، بل هو واقع اقتحم خصوصياتنا. لقد صدمت حين اكتشفت أن حفيدي "حسن" —الذي لم يتجاوز الرابعة وأربعة أشهر من عمره— قد أدمن مشاهدة تلك اللعب الرقمية، مستخدماً جهاز أخيه الأكبر. ما رأيته من محتوى يشاهده هذا الصغير كان مهولاً؛ فالخطر لا يكمن فقط في اللعب، بل في "أنماط" التفكير التي تُزرع في هذه السن المبكرة، حيث يُستبدل الخيال الفطري بمشاهد مشوهة لا تناسب براءته ولا بيئتنا الإيمانية. الخطر الداهم: منصة "روبلوكس" (Roblox) لقد تجاوزت هذه المنصة كونها مجرد تسلية، لتتحول إلى بيئة رقمية مفتوحة تفتقر إلى الرقابة الأخلاقية، وأصبحت ثغرةً ينفذ منها المخربون لنشر أفكار تتنافى مع قيمنا. إن ما يواجه أطفالنا هو: * تدمير النفسية: عبر تعريض الأطفال لمشاهد عنف أو تنمر إلكتروني. * الغزو الفكري: تمرير شعارات وسلوكيات تتنافى مع قيم الإسلام والعروبة. * التهديد الاجتماعي: استغلال براءة الأطفال من قبل مجهولين عبر غرف الدردشة المفتوحة. إن مسؤوليتنا تقتضي منا الالتزام بالمنهج القرآني في التبين وحماية الأهل، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا...﴾ (الحجرات: 6). والتبيّن هنا يشمل تمحيص ما يدخل عقول أبنائنا من صور رقمية قد تُفسد فطرتهم. كما يجب علينا اتباع نهج الحكمة، كما فعل لقمان الحكيم مع ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ...﴾ (لقمان: 17). فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبدأ من شاشة الهاتف بصالة المنزل. نداء إلى كل أب وأم أيها الآباء، أيتها الأمهات.. إن مسؤوليتكم أمام الله والوطن عظيمة. إن ترك الأجهزة في أيدي الأطفال دون رقابة واعية هو تفريط في الأمانة. يقول عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". عليكم بمتابعة ما يشاهده أبناؤكم، وتوجيههم نحو البدائل النافعة قبل أن تسرقهم هذه المنصات الملوثة. نداء إلى وزارة الاتصالات والجهات المختصة إننا من منطلق المسؤولية الوطنية والدينية، وبحكم عملنا في لجنة توحيد الخطاب الديني ودائرة التوجيه المعنوي، نرفع النداء إلى وزارة الاتصالات والجهات المختصة بضرورة التدخل العاجل عبر: * مراجعة المحتوى الرقمي لهذه المنصة وفرض قيود تقنية لحماية المستخدمين داخل اليمن. * تكثيف الحملات التوعوية في وسائل الإعلام، المساجد، والمدارس للتحذير من مخاطر الألعاب المفتوحة. ختاماً.. إن بيوتنا تتعرض لغزو لا يُسمع له ضجيج. فلنتكاتف جميعاً لننقذ أطفالنا —أمثال حفيدي حسن— من براثن هذا الخطر، ولنحافظ على جيل الغد نقياً، مؤمناً، ومتمسكاً بهويته اليمانية الإيمانية.