بقلم: العميد القاضي د. حسن حسين الرصابي/ في فلسفة التجارة مع الله، نجد أنفسنا أمام "استثناء" يكسر كل قوانين السوق الأرضية؛ فالعادة جرت أن المشتري يطلب بضاعة يفتقدها، لكن الله سبحانه -وهو المالك لكل شيء- يشتري من العبد ما منحه إياه أصلاً! إنها صفقة ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ﴾؛ حيث لا يطلب الخالق "رقبتك" التي يملكها قهراً، بل يطلب "إرادتك" التي منحك إياها تشريفاً. هو يعلم أن بضاعتنا (أعمارنا وأعمالنا) كقوالب ثلج تذوب تحت شمس الزمن، فمن الذكاء الاستراتيجي أن نبيع هذا "الفاني" لنقبض ثمنه "بقاءً" لا يزول. العجب ليس في فقرنا، بل في كرمه؛ يشتري "العمل الناقص" ب"الجزاء الكامل"، ويقبل "التوبة المتعثرة" بمغفرة مستمرة. إنه لا ينظر إلى "جودة المنتج" بقدر ما ينظر إلى "صدق البائع". وحين يطلب منا "قرضاً حسناً"، فهو لا يستقرض لفقر، بل ليرفع مقامنا من "عالة" على فضله إلى "شركاء" في تجارته؛ ليحفظ للمؤمن كرامته حين يلقاه وقد سبق له عنده "دَيْن" من العمل الصالح، فيوفيه أجره ويزيده من فضله. فيا خيبة من احتفظ بثلجه حتى ذاب، ويا بشرى من باع "خردة" الدنيا، ليشتري "قُصور" الملكوت! المضاربة المقلوبة: حين يبيع "المفلس" فتاته ليشتري "الخلود" (تأملات في أعجب مزاد كوني: المالك يشتري مملوكه.. ويدفع له الثمن مرتين!) في نواميس الأسواق، يبيع "البائع" ما يملك لمن "لا يملك". أما في الصفقة القرآنيّة، فالمنطق يذهل العقول: أنت (البائع) لا تملك من أمرك نقيراً، وهو (المشتري) مالكُك ومالكُ الثمن وواهبُ السلعة! فما الذي يشتريه الله منا وهو الغني عنا؟ إنه لا يشتري "الرقبة" فهي له قهراً بملك الخلق، ولكنه يشتري "حرية الاختيار" التي منحك إياها تشريفاً، يريدك أن تتنازل عن "ملكيتك الوهمية" الفانية، ليعيدها لك "ملكية أبدية" في دار النعيم. 1. تسويق "الثلج" تحت هجير الشمس تخيل تاجراً يقف في الهاجرة يبيع قوالب ثلج؛ كل دقيقة تمر دون بيع هي خسارة وجودية (ذوبان لا يُعوض). عمرك هو ذاك الثلج: خطؤنا الاستراتيجي هو "الاحتفاظ بالأصول" ظناً منا أن البخل بالمال والنفس هو "ادخار". * الحقيقة: نحن نترك الثلج ليتحول إلى ماء يغور في التراب. * العرض الإلهي: ليس لحاجةٍ في "الثلج"، بل رحمةً بك قبل أن ينفضّ السوق وتخرج "صفر اليدين". يقول لك: "هات لحظاتك الفانية، لأصيغها لك مجداً باقياً". 1. شراء "النوايا" لا "المنتجات" في موازين البشر، تُرد البضاعة "المعيبة" أو تُباع بخسارة. أما "الشكور" سبحانه، فيشتري "الخردة" بسعر الذهب! يعلم أن صلاتك شابها السهو، وصدقتك خالطها الشح، وتوبتك يعقبها الوهن.. ومع ذلك يتمم الصفقة! لأنه لا ينظر إلى "جودة البضاعة" فحسب، بل إلى "انكسار البائع". 1. أدب "المؤاكلة" مع الفقير تأمل البيان المعجز: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. هل يستقرض الغني المطلق من الفقير المعدم؟ فعل ذلك لسبب تربوي بديع: "حفظ ماء وجه العبد". لا يريدك أن تشعر بمرارة المتلقي للإحسان، بل يضعك في مقام "المقرض". يعطيك المال ابتداءً، ثم يستلفه منك اختباراً، ثم يرده لك مضاعفاً! 1. كيمياء التحويل الرباني هذه الصفقة ليست "تبادلاً" بل هي "استحالة في الماهية": أنت تقدم مادة طينية (جسد، وقت، دراهم)، وهو يعيدها لك "نورانية" (روح وريحان وجنة نعيم، قصور وأنهار وحوريات حسان عند ملك مقتدر). من ديوان "تراتيل" - حسن حسين الرصابي بِعِ النَّفْسَ لِلرَّحمنِ ترْبَحْ بِبَيْعِها ... فَمَا كُلُّ بَيعٍ في البَرِيَّةِ رابِحُ أتَبخلُ ب"الثَّلجِ" الذي ذابَ جُلُّهُ؟ ... وَفيكَ لِأَسواقِ الجِنانِ مَطامِحُ تُقَدِّمُ تَقصيرًا ويقبَلُ فَضْلُهُ ... فَيا لَكَ عقْدًا، هَاجَمَتْهُ المَنابِحُ أَيَشري الذي أَعطى وَيُجزلُ في العَطَا؟ ... فَذلِكَ جُودٌ، ما لَهُ قَطُّ شَارِحُ فَيا بائِعاً عُمراً سَيَمضي بِظِلِّهِ ... تَنَبَّهْ، فَسُوقُ الرِّبحِ لِلحَقِّ واضِحُ هِيَ الدَّارُ مَيْدانٌ، وَعُمْرُكَ فُرْصَةٌ ... فَإِمَّا غَريقٌ، أَوْ لِعَدْنٍ كَوافِحُ فَطُوبى لِمَنْ أَمضى لِلهِ صَفْقَةً ... وَصَارَ بِجَنَّاتِ الخُلُودِ يُصافِحُ لَهُ المُلْكُ لا يَفْنى، وَقُرَّةُ أَعْيُنٍ ... وَفي حَضْرَةِ القُدُّوسِ، نُورٌ لَوائِحُ