في توقيتٍ حساس ومشحون بالتوتر، تأتي زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى إثيوبيا، تلبيةً لدعوة من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. وهي أول زيارة له إلى البلاد منذ 11 عاماً، بالتزامن مع الذكرى المئوية لافتتاح السفارة التركية في أديس أبابا، بعد تأجيل زيارته إلى الإمارات. وفي الخلفية نزاعات واضطرابات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، في الصومال وإثيوبيا نفسها، ونزاعات بين الأخيرة وإريتريا ومصر، مع اقتراب تركيا التدريجي من الحرب السودانية، وتطوير علاقاتها بمصر، وحضورها المعتبر في أفريقيا والقرن الأفريقي، الذي يقارب عمره عمر تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم، بوجهٍ اقتصادي واستراتيجي. تُعدّ تركيا ثاني أكبر مستثمر أجنبي في إثيوبيا، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 253 مليون دولار عام 2025، مع استثمارات تمتد إلى قطاعات صناعية متنوّعة. وتشمل الزيارة توقيع اتفاقيات في مجالات الدفاع والبنية التحتية والطاقة والتجارة، ما يرفع مستوى العلاقة إلى الشراكة الاستراتيجية. وقالت وزارة الطاقة التركية إنّ البلدين وقّعا مذكّرة تفاهم في مجال الطاقة خلال الزيارة "ستؤدّي إلى عمليات إنتاج ومشروعات مشتركة"، وتشمل مشروعات في كفاءة الطاقة والطاقة المتجدّدة، وتعاوناً لإنتاج معدّات محطات الطاقة الكهرومائية والتوربينات الكهربائية وتركيبها. وتأتي الزيارة في توقيت حرج استراتيجياً، وسط تدافع إثيوبيا وإريتريا، التي تدعم "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" الانفصالية، واشتباكات بين السلطات المحلية في إقليم تيغراي شمال البلاد والحكومة الفيدرالية، وتوتر يهدّد اتفاق سلام بريتوريا الموقّع عام 2022 بين الدولة والجبهة. كما طالب آبي أحمد مؤخراً بنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر، رابطاً "أمن واستقرار القرن الأفريقي" بذلك، ما أثار تحفّظ مصر استناداً إلى القوانين الدولية التي تمنع الدول غير المشاطئة للبحار من ممارسة أيّ سيادة عليها. إثيوبيا والبحر الأحمر.. وتركيا تعزّز حضورها وتطرح إثيوبيا اعتمادها على ميناء جيبوتي في 95% من حجم تجارتها الخارجية بوصفه مشكلة، بكلفة تبلغ نحو 5 مليارات دولار سنوياً، وتسعى إلى "نفاذ" إلى البحر الأحمر لا يمكن فصله عن اعترافها بجمهورية أرض الصومال (المنفصلة عن الصومال) مطلع عام 2024، وارتكازها في ميناء بربرة هناك. خلال الزيارة، صرّح إردوغان بأنّه لا ينبغي تحويل القرن الأفريقي إلى ساحة صراع للقوى الأجنبية، وأنّ على دول المنطقة نفسها حلّ مشكلاتها، معتبراً أنّ اعتراف "إسرائيل" بأرض الصومال يخالف مصلحة الأخيرة ودول القرن الأفريقي. ويأتي ذلك في تأكيد لالتقاء الموقفين التركي والمصري بشأن المنطقة، إذ اعتبرت مصر الاعتراف اعتداءً على سيادة ووحدة الصومال، فيما تثير العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية المميّزة قلق القاهرة. لكنّ ترتكز تركيا على ما هو أكبر، وهو مركز "توركسوم" العسكري في مقديشو، الذي أُنشئ عام 2017 ويُعدّ أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج البلاد. وقد دُرّب فيه آلاف العناصر الصوماليين، بينهم قوات النخبة "غورغور"، ووحدات بحرية متخصّصة في مكافحة القرصنة والصيد غير القانوني، فضلاً عن تقارير تحدثّت مؤخراً عن نشر مقاتلات "أف-16" تركية في الصومال. وكرّست تركيا موقعها في المنطقة بإتمام "إعلان أنقرة" العام الماضي، ثمرةً للوساطة بين إثيوبيا والصومال بشأن الوصول إلى السواحل واستخدام الموانئ، مع استثمارات كبيرة في تحديث ميناء مقديشو. ويبدو أنها تطوّر حضورها في القرن الأفريقي بسلسلة اتفاقيات استراتيجية في مجالات الطاقة واستخراج الموارد، بدأت في تموز/يوليو 2024 باتفاقيات تعاون مع الصومال في استكشاف واستخراج النفط والغاز في ثلاث مناطق بحرية وقطاعات برية، مع تولّي شركة "TPAO" التركية الاستكشاف. تركيا توسّع نفوذها البحري والعسكري في الصومال وأُرسلت سفينة الحفر في أعماق البحار "تشاجري بي" إلى الصومال الأحد الماضي، فيما وصفه وزير الطاقة التركي ب"أول مهمة استكشاف بحرية لأنقرة خارج منطقتها البحرية". ومع ازدياد تعقيدات الصراعات في المنطقة، يكتسب الدور التركي "الوسيط" أهمية إضافية، بعلاقاته مع أطراف متنافرة بينها تناقضات تاريخية، وبحضوره في أفريقيا عموماً، الذي بدأ اقتصادياً وتوسّع إلى مجالات النقل البحري وإدارة الموانئ والصناعات الدفاعية، بما يمنح أنقرة وزناً سياسياً ونفوذاً استراتيجياً، لا أرباحاً اقتصادية فحسب. ولا يمكن استبعاد البعد العسكري من المشهد، في ظل قوّة المهام والقيادة الجوية التركية في الصومال، وهدفها المعلن "تطوير قدرات الصومال في مكافحة الإرهاب" وفقاً لوزارة الدفاع التركية، إلى جانب الحضور العسكري لقوى دولية وإقليمية في مضيق باب المندب وحول جيبوتي. وتزاحم تركيا هذه القوى بصفتها قوّة وسيطة طموحة، تتمتع بعضوية "الناتو"، وتهدف إلى حماية استثماراتها في أفريقيا وتطوير حضورها الاقتصادي إلى مستوى استراتيجي، وصولاً إلى بناء منشأة لإطلاق واختبار الصواريخ، بما فيها الباليستية، والأقمار الاصطناعية في الصومال، ما يدعم استقلاليتها في قطاعي الفضاء والدفاع ويمنحها أفضلية استراتيجية في القرن الأفريقي.