اليهود في كل زمان ومكان هم اليهود أهل مكر وخداع وتضليل. فاليهود والمنافقون من أهل مكة منعوا المسلمين من دخول المسجد الحرام، كما منعوا المسلمين أن يسوقوا معهم الهدي إلى مكة. (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) أي لولا كراهة أن يصيبوا بالأذى رجالًا ونساءً من المؤمنين والمؤمنات، كاتمين إيمانهم، لأذن الله لهم بدخول مكة وقتال أهلها، ولكن الله لم يأذن لهم خوفًا أن تصيبهم من جراء قتلهم إثم ومشقة بقتل من هو على دينكم وأنتم لا تعلمون. وهكذا يكشف الله بلاءه عن قوم بسبب وجود فئة صالحة تعيش بينهم، مصداقًا لقوله عز وجل: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفًا أن يبلغ محله، ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا) سورة الفتح – (25). ثم يصف القرآن تكبر وخداع اليهود والكفار بنكثهم للعهود ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، حيث أنكروا البعث ونبوة محمد، كما وصفهم القرآن في قوله تعالى: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب، أإذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد) ق – (2-3). لقد تعجب اليهود والكفار أن يأتيهم رسول من عند الله يخوفهم عذاب ربهم إن استمروا على الكفر والعصيان، وموطن العجب عندهم هو أن النبي محمدًا صلى الله عليه وآله هو بشر مثلهم، وكان الأجدر في زعمهم أن يكون معه ملك من الملائكة يصاحبه في دعوته كما جاء في القرآن الكريم: (لولا أُنزل إليه ملك فيكون نذيرًا) الفرقان – (7). كما كان اعتراض اليهود والكفار لموضوع البعث: كيف سنرجع أحياء بعد موتنا وقد تحللت أجسادنا وصارت عظامًا نخرة وترابًا؟ وهو في نظرهم مستحيل لا تستسيغه العقول ولا تقره الأفهام حسب اعتقادهم القاصر. وأمام هذا الواقع المنكر للبعث ويوم القيامة ينتقل القرآن الكريم إلى لفت الأنظار إلى قدرة الله في خلق السماوات والأرض وما فيهما من آيات ناطقة دالة على قدرته وإبداعه؛ أليس الله قادرًا على إعادة الإنسان حيًّا؟ يقول عز وجل: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) ق – (6). (وما لها من فروج) توحي بأن ليس في السماء تصدع أو شقوق ولا خلل، دليل على دقة الصانع والتوازن الذي يقوم عليه ملكوت السماء. ثم يوجه القرآن الأنظار إلى الأرض وما فيها من روعة وإبداع وجمال تشهد بصنع الخالق وربوبيته. ثم يتابع القرآن عرض مظاهر قدرة الله وإبداعه في إنزال المطر وإحياء الأرض بشتى أنواع النبات كما جاء في قوله عز وجل: (ونزلنا من السماء ماءً مباركًا فأنبتنا به جناتٍ وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد، رزقًا للعباد وأحيينا به بلدة ميتًا كذلك الخروج) ق – (9-11). فكذلك قدرة الله قادرة على أن تخرجهم من قبورهم أحياء بعد أن يصيروا ترابًا وعظامًا نخرة. صفوة القول: فالإسلام دين يسر وتسامح وصفح، لا جفاء ولا غلو فيه. فهو بعيد عن الغلو والتطرف، والشطح والتجاوز لحدود الله، كما جاء في قوله تعالى: (لا تغلوا في دينكم غير الحق) النساء – (171). وقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: "إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه...". ولا نجاة ولا منقذ اليوم لأمة الإسلام مما هي فيه من ضعف وتفكك وهوان وتفرق واختلاف إلا بالعودة الصادقة إلى جوهر الإسلام ومبادئه الحقة النابعة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون) الأنفال – (24). فالإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء – كما جاء في الحديث النبوي الشريف. نافذة شعرية: مدنٌ بلا فجر تنام.. ناديتُ في شوارعها.. فجاوبني الظلام.. سألتُ عنها الريح.. فجاوبني الأنين.. مدنٌ بلا فجر يغطيها الأسى.. هجرت مساجدها عصافير الربيع.. فلمن تُغنِّي..؟! والمساجد أوصدت أبوابها.. ولمن تُصلِّي..؟! أيها القلبُ الصديع.. الليل مات.. والسنون ماتت.. ونحن من منفى إلى منفى.. نذوي كما تذوي الزنابق في التراب.. فقراء بلا مأوى.. بلا مدينة.. بلا قناع..