في خضم الأحداث المتسارعة لما بعد حرب ال12 يوماً التي شنها العدو الصهيوني بمشاركة أمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، بدا واضحًا أن كيان الاحتلال يتحرك بأقصى ما يملك من قوة لإعادة رسم خارطة منطقة الشرق الأوسط، مروجة بذلك لفكرة شرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل القوة المهيمنة من خلال القضاء على المقاومة الفلسطينية وحزب الله وإضعاف إيران وتطبيع العلاقات مع الدول العربية، وتستند الرؤية الصهيونية هذه إلى تصفية محور المقاومة وتحويل دول المنطقة إلى كيانات "مطبعة" ضعيفة منشغلة بخلافاتها البينية أو الداخلية وأزماتها الاقتصادية. ورغم أن أمريكا الشيطان الأكبر والداعم والشريك الرئيسي للصهيونية في تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد ( إسرائيل الكبرى) قد سعت إلى استخدم أقنعة كثيرة كغطاء لنزعتها الاستعمارية، إما بالاعتماد على القوة العسكرية المفرطة للهيمنة على موارد دول الشرق الأوسط، أو بالأساليب الناعمة المتمثلة في الشركات متعددة الجنسيات ووكلائها، وتوظيف التكنولوجيا في ظل ثورة الاتصالات، لكن المشهد الأخير من الحرب العبثية ضد إيران لا يبين أن الغلبة ستكون لأولئك الذين يسعون إلى تغيير الشرق الأوسط بما يضمن هيمنة إسرائيل عليه، هذه المسألة التي عبر عنها الصهيوني المجرم (نتنياهو) في خطاب له قبل أيام وصف فيه إسرائيل بأنها صارت "قوة إقليمية" بل "قوة عالمية" رغم أن مسار الحرب، حتى الآن، لا يوضح ذلك.. وبالتوازي مع ذلك فلا يمكن استبعاد أن يكون أحد الأهداف البعيدة للحرب الدائرة اليوم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومعها محور المقاومة، وأمريكا وربيبتها إسرائيل هو تفكيك دول الشرق الأوسط، وإشاعة الفوضى فيها بما يضمن هيمنة إسرائيل التي سيوكل إليها إدارة المنطقة برمتها، لضمان تنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات. قبل شهور طرح البيت الأبيض استراتيجية جديدة عكست رغبة الولاياتالمتحدة في التخفيف من وجودها في الشرق الأوسط وتركه لإسرائيل كي تتفرغ لهيمنة أكثر على نصف الكرة الغربي وإدارة الصراع مع الصين، فإذا كان شمعون بيريز قد طرح هذه الهيمنة الإسرائيلية المبتغاة من خلال أدوات طوعية مستمدة من الاقتصاد والثقافة، فإن نتنياهو، وكما عبر عن هذا صراحة في كتابه "مكان تحت الشمس" يؤمن بأن تلك الهيمنة لن تأتي إلا بالدم والنار، وقد نجح في جر أمريكا خلفه إلى هذا المسلك الذي تعيش اليوم أشد فصوله قسوة، ومع ذلك لم يقرأ أصحاب هذا التصور الدموي التاريخ البعيد جيداً ولم يمعنوا النظر في الديناميات والتفاعلات الاجتماعية والثقافية للشرق الأوسط، والتي طالما وقفت حائط صد على مدى ألف سنة أمام النزعات والموجات الاستعمارية المتلاحقة، فعلى مدى التاريخ لم تقبل منطقة الشرق الأوسط أي تغيير يأتي من الخارج عنوة أو على فوهات المدافع وتحت جنازير الدبابات وقصف الطائرات والبوارج الحربية. كما أن هؤلاء المستعمرون الجديد لم يعتبروا من التاريخ القديم ولا حتى من التاريخ المعاصر نفسه، فقد أصابهم عمى وصمم استراتيجي حال دون فهمهم لما جرى لمغامرات أمريكا في الصومال وأفغانستان والعراق واليمن، وكيف أن قفزهم فوق حقائق التاريخ والجغرافيا بتمكين إسرائيل من الهيمنة على الشرق الأوسط، وكيف لهم ذلك أمام المواجهة والثبات المتصاعد للاحرار وحركات المقاومة التي ستسجل في القريب العاجل فشل الغطرسة الأمريكية والصهيونية ومشاريعهما الاستعمارية التوسعية في المنطقة.