أعلنت الإمارات انسحابها من منظمتَي "أوبك" و"أوبك+". وقال سهيل المزروعي، وزير الطاقة الإماراتي، إنّ القرار لن يؤثّر بشكل كبير على السوق، "نظراً إلى إغلاق مضيق هرمز وتقييده، ما يقيّد الجميع بما في ذلك نحن، لكنّ اتخاذه الآن يساعد شركاءنا المنتجين على عدم الشعور بضغط الأسعار". ووصفه بأنه قرار سياسي، اتُخذ بعد دراسة متأنيّة للسياسات الحالية والمستقبلية المتعلّقة بمستوى الإنتاج، ويعكس تطويراً للسياسات للتماشي مع أسس السوق ذات المدى الطويل. يحيط بالقرار سياق وحقائق مثل مطالبات الإمارات المتكرّرة ل"أوبك" و"أوبك+" برفع إنتاجها، بما يتجاوز السقف الذي تحدّده المنظّمتان، وحجم إنتاجها، إذ تعدّ ثالث أكبر منتج للنفط في المنطقة وفي "أوبك"، وتنتج نحو 4% من النفط عالمياً، وتمتلك 7% من الاحتياطي العالمي. ومبيعات "أوبك" التي بلغت العام الماضي 455 مليار دولار، ساهمت الإمارات ب 77 مليار دولار منها، أي نحو 17%. وعجز في المعروض من النفط حالياً، يقدّره خبراء في "غولدمان ساكس" ب 9.6 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026، بسبب نقص الإنتاج في "الشرق الأوسط"، مع استمرار نسبي للطلب، رغم انكماشه نتيجة ارتفاع الأسعار وتعطّل سلاسل الإمداد في آسيا و"الشرق الأوسط". وردّ وزير الطاقة الإماراتي على سؤال وكالة "رويترز"، إن كانت الإمارات راجعت القرار مع السعودية، أكبر الدول الأعضاء في المنظّمة، قائلاً إنّ بلاده لم تشاور أيّ طرف مسبقاً، وإنّ القرار اتُخذ بعد فحص دقيق "لاستراتيجيات الطاقة في المنطقة". وأشار بيانه إلى أنّ "الاتجاهات الأساسية تُشير إلى نمو مُستدام في الطلب العالمي على الطاقة على المدى المتوسط إلى الطويل". وكانت شركة بترول أبو ظبي الوطنية "أدنوك"، وهي شركة حكومية، أعلنت هدفها بالوصول إلى إنتاج 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، لتجاوز إنتاجها الحالي، نحو 3.4 ملايين برميل. والخلاصة أنّ الإمارات ترى فرصة جيدة لرفع الإنتاج. لكن ليس مؤكّداً ارتفاع الطلب على المدى الطويل، إذ شهد العالم فائضاً في العرض قبل الحرب على إيران، حتى مع سقف الإنتاج الذي فرضته "أوبك". ويتوقّع خبراء أنّ منتجاً مثل الولاياتالمتحدة سيضطر إلى خفض إنتاجه لاحقاً، إذا عاد الطلب إلى المستوى المنخفض السابق، وأنه ليس لقرار الإمارات تأثير فوري، إذ انخفض الطلب بشكل حادّ في الأسابيع الأخيرة مع ارتفاع الأسعار، ووصلت سعة التخزين إلى الحد الأقصى، بسبب إغلاق مضيق هرمز. ويأتي القرار، الذي وصفه موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بالزلزال الاستراتيجي في الخليج، وبأنه "تحدٍّ مباشر للقيادة السعودية"، بموازاة قمة خليجية استثنائية تستضيفها السعودية، برئاسة ولي العهد محمد بن سلمان، لبحث الوضع الأمني والمستجدات الإقليمية، وبعد ساعات من انتقادات وجّهها أنور قرقاش، مستشار رئيس الإمارات، لمجلس التعاون الخليجي، واستجابته للهجمات الإيرانية على المستوى السياسي والعسكري، قائلاً إنها لم تكن متوقّعة، على عكس استجابة جامعة الدول العربية الضعيفة عادةً، وفق قوله. وانتقادات وجّهتها الإمارات للدول العربية لعدم المساعدة في حمايتها من الهجمات الإيرانية. ومن ناحية أخرى يمثّل القرار دعماً ضمنياً لموقف دونالد ترامب من "أوبك"، والأسعار التي تحدّدها. في ظل إنتاج دولها مجتمعةً 36% من النفط العالمي، وامتلاكها نحو 80% من إجمالي الاحتياطيات المؤكّدة عالمياً. وقال ديفيد أوكسلي، الخبير في مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" للتحليلات الاقتصادية، إنّ القرار يمكّن الإمارات من ضخّ مليون برميل إضافي، بمجرّد انسحابها من "أوبك"، ما يغطي 1% من الطلب العالمي اليومي، ما قد يدفع دولاً أخرى للانسحاب، ما لم تجرِ "أوبك" تغييرات جوهرية تمنع ذلك. ونقلت شبكة "سي أن أن" عن خبير، أنّ انسحاب الإمارات من "أوبك+" يشجّع أعضاء آخرين على التخلّص من قيود المنظّمة. وصرّح روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة قمر للطاقة (شركة استشارية مقرها دبي) للشبكة قائلاً: "إذا كان هناك وقت مناسب للانسحاب فهو الآن، وقد نشهد انسحاب كازاخستان وهي منتج آخر يريد زيادة إنتاجه"، وأوضح أنّ الحصة التي حدّدتها المنظّمة لإنتاج الإمارات نحو 3.2 ملايين برميل يومياً، ويمكن مضاعفة الإنتاج تقريباً حال إلغاء هذه القيود. لا يمكن فصل القرار عن التصدّعات التي تشهدها "أوبك" مؤخّراً، حيث تجاوزت عدة دول أعضاء، مثل العراق وكازاخستان والإمارات، حصصها الإنتاجية، وقد انسحبت قطر منها عام 2019. وكذلك عن التناقضات بين أعضائها، إذ يُفيد تثبيت الأسعار بالحدّ من العرض، بشكل أساسي، المنتجين الأكثر اعتماداً على عائدات النفط، ما ينطبق على السعودية أكثر من الإمارات مثلاً، إذ يمثّل الاقتصاد غير النفطي حالياً نحو 75% من ناتجها المحلي الإجمالي. لكن تواجه مؤخراً أزمة مختلفة، مع تداعيات الردّ الإيراني الاقتصادية على القطاع غير النفطي، تجعلها أكثر احتياجاً إلى عائدات أكبر من قطاع النفط. ومع إجماع المراقبين على تواضع التداعيات على المدى القريب، كان ردّ فعل السوق الأوليّ حاداً، وتجاوز سعر خام برنت (على المعيار الأوروبي) 100 دولار للبرميل، للمرة الأولى منذ 8 نيسان/أبريل، ليصل إلى 111 دولاراً. ويشير إجماعهم إلى أهمية القرار من حيث تداعياته على المدى الأبعد، من زاوية إضعاف قدرة "أوبك" على التسعير والتحكّم في السوق، والتوجّه المحتمل للمزيد من المنتجين الرئيسيين الكبار إلى تجنّب القيود على الإنتاج.