تواجه محافظة حضرموت موجة غير مسبوقة من أعمال السلب والنهب، طالت مقرات سيادية وحكومية حيوية في مدينة المكلا، مستغلة حالة فراغ أمني مفاجئ تشهده المحافظة، في تطور خطير وصفه مراقبون بأنه الأخطر منذ سنوات. ووثقت عدسات المواطنين مشاهد صادمة لنهب ممتلكات عامة من القصر الرئاسي، والمجمع القضائي، ومستودعات عسكرية، وصولًا إلى مرافق المطار، في ظاهرة وُصفت بأنها غريبة تمامًا عن الإرث الأخلاقي والحضاري المعروف عن حضرموت وأبنائها.
وأظهرت المقاطع المتداولة صورًا أثارت موجة واسعة من السخط والاستياء، من بينها قيام أشخاص بجر مولد كهربائي ضخم بطريقة بدائية خلف شاحنة من نوع "دينا"، في مشهد ساخر ومؤلم في آن واحد، وسط تأكيدات مواطنين أن هذه التصرفات العشوائية تؤدي إلى إتلاف الأصول العامة قبل الاستفادة منها.
كما كشفت توثيقات ميدانية من داخل "قصر الضيافة" عن عمليات تفكيك واسعة شملت النوافذ والأبواب وأجهزة التكييف والأثاث المكتبي، ما أثار ذهولًا شعبيًا من وصول التخريب إلى أدق التفاصيل.
وفي منحى أكثر خطورة، امتدت أعمال النهب إلى المجمع القضائي ومستودعات الذخائر، حيث تم الاستيلاء على صناديق ذخيرة ومعدات لوجستية، الأمر الذي يضاعف من المخاوف الأمنية في ظل الانفلات القائم.
وعبّر أهالي حضرموت عن استنكارهم الواسع لهذه الأفعال، مؤكدين أنها سلوكيات "دخيلة" لم تعرفها المحافظة حتى في أحلك مراحل الحروب والكوارث السابقة. وحذر ناشطون من أن تدمير هذه البنية التحتية يمثل طعنة مباشرة للاقتصاد المحلي ولمؤسسات الدولة، مطالبين بتدخل عاجل من الشخصيات الاجتماعية والجهات المعنية لفرض النظام وحماية ما تبقى من مقدرات عامة.
وفي السياق ذاته، أفادت أنباء بسقوط معسكر الخشعة عقب اشتباكات عنيفة، انتهت بسيطرة جماعات قبلية قادمة من محافظتي مأرب والجوف على المعسكر، وسط معلومات عن قيام الطيران السعودي بقصف المعسكر في هذه الأثناء، في محاولة لاحتواء الموقف ومنع توسع دائرة الفوضى. وأشارت مصادر محلية إلى أن هذه الجماعات بررت تحركاتها بما تسميه "الحق في الفيد"، في ظل نشاط واسع لتجار السلاح القادمين من مأرب.
وفي تطور لافت، حذّر الصحفي ياسر اليافعي من مخاطر كارثية تترتب على موجة النهب الواسعة التي طالت المعسكرات العسكرية في حضرموت والمهرة، مؤكدًا أن هذه الفوضى الأمنية سهلت لتنظيم القاعدة في وادي عبيدة بمحافظة مأرب الحصول على كميات هائلة من الأسلحة والمتفجرات والذخائر التابعة للدولة.
وأوضح اليافعي، في تصريح نشره على حسابه، أن ما جرى لا يمكن اعتباره حوادث نهب عابرة، بل يمثل عملية إعادة تسليح شاملة للتنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة وعناصر إخوانية متطرفة في مأرب، بترسانة عسكرية ضخمة تكفيها لخوض عمليات إرهابية لسنوات طويلة قادمة، بعد أن كانت قد تراجعت قدراتها بفعل الضربات التي تلقتها خلال الأعوام الماضية على يد القوات الجنوبية.
وأشار إلى أن هذه التطورات تعني عمليًا استعادة القاعدة لقدرتها العملياتية، وعودة خطرها على المستويين المحلي والإقليمي، في ظل تدفق أسلحة نوعية ومتفجرات عسكرية كانت مخزنة في معسكرات رسمية، محذرًا من موجة عنف غير مسبوقة قد تطال الجنوب والمنطقة برمتها.
وحمل اليافعي المسؤولية الكاملة للجهات التي أقدمت على تفكيك النخبة الحضرمية واستهداف القوات الجنوبية وفتح المجال أمام الفوضى الأمنية، معتبرًا أن ما يحدث اليوم هو نتيجة مباشرة لقرارات سياسية وعسكرية متهورة وفرت غطاءً غير مباشر للإرهاب، ومكنت تنظيم القاعدة من إعادة بناء قوته من مخازن الدولة نفسها.
وتبقى حضرموت، ومعها المهرة، أمام مشهد بالغ الخطورة، في ظل اتساع رقعة النهب، وتداخل الصراعات المسلحة، وتحول المعسكرات المنهوبة إلى مصدر تسليح للتنظيمات المتطرفة، ما ينذر بتداعيات أمنية جسيمة إذا لم يتم التحرك العاجل لاحتواء الوضع وإعادة الاعتبار لهيبة الدولة.