تعليق خاص لمحرر شبوة برس لم يعد مستغربًا أن يخرج علينا بعض المتهافتين بخطاب بائس يزعم أن صور المليونيات الجنوبية في عدن وسائر محافظات الجنوب "مصنوعة بالذكاء الاصطناعي". هذا الادعاء لا يحتاج إلى تفنيد تقني بقدر ما يحتاج إلى تشريح أخلاقي وإنساني، لأنه ببساطة يعكس مستوى غير مسبوق من الانحطاط الإعلامي والاستخفاف بعقول الناس وبتضحياتهم.
من يدّعي أن الساحات الممتلئة عن آخرها، والطرقات التي ضاقت بجماهير الجنوب، والوجوه التي يعرفها القاصي والداني، هي مجرد "خدعة رقمية"، لا يسيء للجنوب وحده، بل يعلن إفلاسه الكامل. هو خطاب عاجز عن مواجهة الواقع، فيلجأ إلى الهروب منه عبر كذبة ركيكة لا تصمد أمام صورة واحدة التقطها هاتف مواطن بسيط، أو بث مباشر شاهده العالم.
الأخطر في هذا الزعم أنه لا يستهين بالمشهد السياسي فقط، بل يحتقر دماء الشهداء الذين مهدوا لهذه اللحظة، ويسخر من دموع الأرامل والثكالى، ويتجاهل معاناة الأيتام الذين دفعوا ثمنًا حقيقيًا لا يمكن لأي خوارزمية أن تصنعه أو تزيفه. تحويل تضحيات شعب كامل إلى "منتج ذكاء اصطناعي" هو سقوط أخلاقي وإنساني قبل أن يكون كذبًا إعلاميًا.
السخرية هنا ليست من الذكاء الاصطناعي، بل من عقول من يروجون لهذه الأكذوبة. فمن يعجز عن رؤية الناس على الأرض، ويصر على إنكارهم، إنما يعترف ضمنيًا بعجزه عن التأثير فيهم أو مواجهتهم. هو اعتراف بالهزيمة، لكنه اعتراف مغلف بالاستخفاف والإنكار.
المليونيات الجنوبية لم تولد من شاشة، بل خرجت من بيوت حقيقية، ومن مدن دفعت أثمانًا باهظة، ومن شعب يعرف ما يريد. وكل من يحاول تصغير هذا المشهد أو تحقيره، إنما يصغر في نظر نفسه قبل أن يصغر في نظر الآخرين، ويهبط إلى أدنى درجات السقوط الإعلامي والإنساني.
في النهاية، يمكن تزوير الصور، لكن لا يمكن تزوير الإرادة. ويمكن الكذب على الشاشات، لكن لا يمكن الكذب على التاريخ.