لست مع الحتميات والثنائيات التي تتوالد من ألسنة السياسيين والمثقفين و"الحواريين" وغير الحواريين. لكنني أدرك أن مؤتمر الحوار الوطني, وفق الموازين داخله وخارجه, والضوابط والمحددات والآليات المقررة سلفا, لا يوفر فرصا ملموسة لخروج اليمن من أزماتها الطاعنة! ما يدفع مهندسيه إلى اعتماد خطاب تبشيري تضليلي بشأن مخرجاته بالتوازي مع التسامح حيال حدية كلمات الأطراف المهمشة في الجلسات العامة لتفريج توترها. الثابت أن قوام المؤتمر يضم العشرات, وربما أكثر, من اليمنيين واليمنيات الرائعين والرائعات, من عديد المكونات والتيارات والفئات العمرية. هؤلاء هم الأقلية (الافتراضية) داخل القاعة, وهم معنفون أكثر من غيرهم خارجها باعتبارهم "خارجيين" أو مدعوين على مأدبة اللئام! هؤلاء "الخارجيين" أو "الخوارج", وهم من مختلف محافظات اليمن, جنوبيين وشماليين, ليسوا عديمي حيلة إذا قرروا اختبار وزنهم في القاعة بالتكتل على قاعدة "التهيئة للحوار". لديهم النقاط ال20, وتصريحات جمال بن عمر عقب اجتماعه بممثلين من الحراك الجنوبي على هامش المؤتمر قبل يومين بشأن برنامج متفق عليه (بين الرئيس هادي وهؤلاء الذين يمثلون أحد مكونات الحراك وجمال بن عمر) لمعالجة المظالم والقضايا في الجنوب. سبق أن صدرت وعود كهذه خلال الأشهر الماضية, وليس هنالك ما يضمن الوفاء بهذا الاتفاق الغامض المجهل. لديهم, أيضا, من واقع تجربة الشهور ال6 الماضية في التحضير للحوار, ما يؤكد انعدام جدية وتآكل مصداقية الرئيس هادي وحكومة الوفاق في ما يخص التزاماتهما في المرحلة الانتقالية, علاوة على الصلف والعناد في ما يخص الأوضاع في الجنوب. ومعلوم أن الرئيس ومعاونيه وأطراف أخرى داخل النظام السياسي الانتقالي الذي أطرته المبادرة الخليجية, دأبوا على اطلاق بالونات "حلول" حول شكل الدولة لحرف الانظار عن مسؤولياتهم هم, ومن ذلك تصريحات هادي في عدن بخصوص إعادة تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم رغم أنه مطالب أولا بإنهاء انقسام الجيش الذي يتوزع على جانبي منزله في العاصمة صنعاء. لا أرى فرصا حقيقية لاصطفاف حقيقي لدى المهمشين (الحراك وشباب الثورة وممثلو المجتمع المدني والمرأة وعديدون من أعضاء الأحزاب والمستقلين) داخل المؤتمر إلا على قاعدة الحقوق ومطالب الحراك وتطلعات الثورة الشعبية, وهذه تتجسد إلى حد ما في النقاط ال20 التي أقرها ممثلو أحزاب المبادرة الخليجية (مشترك ومؤتمر) في اللجنة الفنية ثم انقلبوا عليها لاحقا. رفض خبراء انتاج الأزمات والحروب اليمنية في سلطة النفاق والشقاق "التهيئة قبل الحوار" قبل انعقاد المؤتمر, وعلى المتضررين من خبرتهم اختبارهم داخل المؤتمر ذاته بالتشديد على أن "لا حوار قبل التهيئة". ساعتها لن يلومهم أو يعنفهم أحد!