يحيى الرباط لم يمت أبي فجأة. ما حدث أدقّ وأقسى من كلمة موت. أبي تآكل أمامي، دقيقةً دقيقة، تحت ضوءٍ أبيض بارد، وبين أيدٍ تعرف السعر أكثر مما تعرف النبض. في الليلة الأخيرة، كان أبي حيًّا كعادته. ليس حيًّا بالجسد فقط، بل حيًّا بكل ما يجعل الفقد مستحيل التصديق. يتحرّك، يضحك، يمازح أمي، يخطّط ليومه القادم، ويؤجّل التعب، كعادته. وعند الفجر نمتُ أنا وهو لا يزال صاحيًا بكامل قواه، ولم أكن أعرف أنني أودّعه دون وداع. مع الصباح، جاءتني أمي، ووجهها لا يحمل خبرًا، بل يحمل انهيار عالم. لم تقل شيئًا، فقط أشارت بيدٍ مرتجفة، فعرفت أن الليل ترك لنا كارثته ورحل. من تلك اللحظة، لم أعد ابنًا. صرتُ حالة إسعافية تمشي على قدمين. حملت أبي من مكانٍ إلى مكان، من صحيّ القرية، إلى سيارة الإسعاف، إلى أطباء بلا حدود. كنت أجرّ كل ثانية من الأمل كما يجرّ الغريق آخر نفس، أُمسك بالاسم كأنه ورقة نجاة، قبل أن ينهار كل شيء من حولي، قبل أن يقولوا بكل حقارة: ليست حالتُه من اختصاصنا. لم أفهم الجملة فورًا. ظننتها مصطلحًا طبيًا. ثم أدركت: إنها طريقة مهذبة لتركه يموت. وبادروا قائلين: نحن سنتكفّل بإسعافك بباص المستشفى إلى حيث تريد، لكن الحقيقة: إلى حيث يريدون هم. وهذه عادتهم؛ اتفقوا مع المستشفيات الخاصة على مقابلٍ لكل حالة يبيعونها. يبيعون المرض، ويقايضون الألم، ويتاجرون بالأجساد كما تُتاجر البضائع. قلت لهم إنني فقير ومعدم، انقلوا أبي إلى مستشفى الثورة العام الحكومي. لكن مستشفى الثورة هو الآخر يحتاج إلى ثورة. تحوّل إلى خاصٍّ بلا لافتة، لا يدخله فقير بلا واسطة أو رشوة. أُغلق الباب في وجهي، قالوا: لا يوجد سرير. قالوها دون أن ينظروا إلى أبي، وكأن السرير أهم من الحياة، وكأن الفقر جريمة تُعاقب بالموت. قيلت الجملة بنفس البرود، وكأن الأرواح تُدار بنظام الحجز المسبق. مضطرًا، وجدتني أوقّع على ما لا أملك، وأدخل أبي المكان الذي لا يُعالج فيه المريض، بل يُستنزف. وهنا... لا تبدأ المعالجة. هنا يبدأ العدّاد. العناية المركزة لم تكن عناية، كانت مقصلة بطيئة. كل نفس يُسجَّل، كل دقيقة تُفوّتَر، كل صمت يُحاسَب. أبي لا يتحسّن. وأنا أذوب. تنقّلت بين مكاتب، مسؤولين، أطباء، وسطاء، أسماء كبيرة، وأبواب أكبر من إنسان. شرحت. توسّلت. انتظرت. انكسرت. ثم انكسرت أكثر. بعضهم وعد. بعضهم تعاطف. وكثيرون قرأوا رسائلي وتركوا أبي يموت بلباقة. وبينما أنا أقف على باب مدير مستشفى الثورة، أتوسّل الحارس أن يسمح لي بمقابلته، وهو يرفض، وفي ذروة العجز، رنّ الهاتف. معك مستشفى الأقصى التخصصي. لم يأتِني خبر، جاءني حكم. أوقفنا الخدمات عن أبيك، إما الدفع أو ما سيحدث بعد ذلك لا يخصّنا. في تلك اللحظة، لم أصرخ. الصراخ ترف لا يملكه من يُسحق. أبي كان محتجزًا حيًّا. وأنا كنت محتجزًا بالعجز. وبعد حين، وافق مستشفى الثورة أخيرًا على استقباله. لم يطلبوا تاريخه الطبي أولًا، طلبوا المال. طبيب العناية المركزة أخذ مني مبلغًا مقابل تقرير. وطبيب الأسرّة، نظر إلى التقرير نظرة سريعة، ثم قال بسخرية باردة: هذه حالة منتهية، تريد أن تبلينا بها… ثم رمى الورقة، كما يُرمى الإنسان هنا حين يفقد جدواه. خرجتُ ولا أدري: أأنا ابنٌ ما زال يقاوم؟ أم شاهد زور على موتٍ معلن؟ أم مجرد رقم في طابور الانكسار؟ مات أبي. مات دون أن يُستكمل علاجه. مات وأنا أحصي الديون بدل النبض. لكن الموت لم يكتفِ. بعد الوفاة، لم يُسلَّم الجثمان. ساوموا عليه. تحوّل جسد أبي إلى فاتورة، إلى ورقة ضغط، إلى رهينة. أبي مات... لكنهم لم يسمحوا له أن يُدفن. تجاوز المبلغ مليونًا ومئتي ألف. وكان عليّ أن أشتري حق الحزن. بفضل الله، وبنخوة قلّة قليلة من البشر الذين ما زالوا بشرًا، خرج الجثمان، ودُفن أبي. دفنته، وأنا أعرف أنني لا أدفن رجلًا فقط، بل أدفن صورة وطن، وأدفن وهم العدالة، وأدفن فكرة أن الإنسان يُنقَذ لأنه إنسان. هذه ليست قصة أبي فقط. هذه وثيقة اتهام. شهادة مكتوبة بدمٍ بارد، عن بلدٍ يقدّم المال على الرحمة، ويجعل الابن يشهد موت أبيه واقفًا، حيًّا، عاجزًا. أبي مات وأنا منذ تلك الحظة لم أعد كما كنت.