ماجد الارياني في مدينة إب، حيث تتدلّى الغيوم كأنها أوشحة بيضاء على أكتاف الجبال، كان المطر لا يأتي زائرًا... بل عاشقًا قديمًا يعود كل عام. تهطل السماء بسخاء لا تعرفه المدن الصحراوية، وتفيض المدرجات الزراعية بالخضرة، وتغسل الطرقات كأنها تبدأ حياة جديدة. لكن شيئًا واحدًا فقط لم يكن يتجدد: ذاكرة الناس. الماء ينزل... ثم يرحل. ينحدر من قمم الجبال المحيطة بالمدينة، يركض عبر الأودية كطفل هارب، ثم يختفي بعيدًا، دون سدٍّ يحتضنه، دون يدٍ تقول له: ابقَ هنا... نحن بحاجة إليك. المشهد الأول: المقهى والمطر جلس "سالم" قرب نافذة مقهى قديم يراقب المطر وهو يضرب الإسفلت. قال لصديقه "ماجد": — أتدري؟ هذا المطر يشبهنا. ابتسم ماجد مستغربًا: — كيف يشبهنا؟ أشار سالم إلى السيل المنحدر في الشارع: — ينزل مليئًا بالحياة... ثم يضيع بلا معنى. صمت قليلًا، ثم أضاف: — مدينة كاملة تغرق بالماء اليوم... وبعد أشهر تبحث عن قطرة. المشهد الثاني: حوار الجبل في المساء، صعدا نحو أطراف المدينة، حيث تنحدر السيول من الجبال كأنهار مؤقتة. قال ماجد: — تخيّل لو وُجد سد هنا... فقط سد واحد. رد سالم وهو ينظر للوادي: — ليس الماء وحده الذي يحتاج سدًّا... حياتنا كلها تحتاج سدودًا تمنع الهدر. — أي هدر؟ — هدر الوقت... هدر العقول... هدر الفرص... وهدر الإنسان نفسه. ثم أردف بصوت منخفض: — نحن لا نخسر فجأة... نحن نهدر ببطء. المشهد الثالث: حكاية السد القديم جلس بجوارهما شيخ مسن كان يستمع بصمت. قال: — هل تعرفان لماذا يخيفني صوت المطر؟ نظر الاثنان إليه. قال الشيخ: — لأنه يذكرني ب سد مأرب. تبادل الصديقان النظرات. تابع الشيخ: — لم يسقط السد في يوم واحد... بل بدأ بثقب صغير... بثقب لم يهتم به أحد. ثم ابتسم بحزن: — يقولون إن فأرًا كان السبب... لكن الحقيقة أن الفأر لم يكن إلا رمزًا. — رمز ماذا؟ سأل ماجد. — رمز الإهمال... حين يصبح الصغير أكبر من وعي الناس. المشهد الرابع: الفأر في خيال سالم، رأى فأرًا صغيرًا يقف فوق صخرة، يقضم جدارًا غير مرئي. لم يكن فأرًا عاديًا. كان يرتدي وجوهًا كثيرة: وجه موظف يؤجل القرار، وجه مسؤول يوقّع دون أن يرى، وجه مواطن يقول: "ليس شأني". قال سالم: — الفأر ما زال بيننا. ضحك ماجد: — أين؟ أجاب: — في كل مرة نرى الهدر ونسكت. المشهد الخامس: المطر يتكلم اشتد المطر فجأة، وكأن السماء تشارك الحديث. قال سالم: — تخيّل لو أن هذه المياه حُجزت... كم مزرعة ستعيش؟ كم بيتًا لن يعطش؟ كم شابًا سيبقى بدل أن يهاجر؟ أجابه ماجد: — المشكلة ليست في قلة المطر... بل في قلة الرؤية. ثم أضاف: — الشعوب التي تقدمت لم تكن أغنى منا طبيعة... لكنها كانت أقل هدرًا. المشهد السادس: المدينة العطشى مرّت أشهر. جفّت الأرض، وبدأت صهاريج الماء تجوب الأحياء. وقف سالم أمام خزان فارغ وقال: — قبل أشهر كنا نهرب من الماء... واليوم نطارده. رد ماجد: — هكذا حياتنا دائمًا... نضيّع النعمة حين تأتي، ثم نبكيها حين ترحل. الخاتمة: السؤال المفتوح في ليلة هادئة، عاد المطر خفيفًا. نظر سالم إلى السماء وقال: — هل سيأتي يوم نبني فيه سدًّا؟ أجابه الشيخ الذي ظهر فجأة خلفهما: — السد الحقيقي لا يُبنى بالحجارة أولًا... بل بالوعي. ثم قال: — حين يتوقف الإنسان عن هدر نفسه... سيتوقف عن هدر مائه. وسالت قطرة مطر على الأرض، كأنها دمعة مدينة كاملة. الرسالة الرمزية للقصة المطر = الفرص والموارد التي يهبها الله للمجتمع. السد = التخطيط والوعي الجماعي. الفأر = الفساد الصغير المتكرر الذي يتحول إلى كارثة. انهيار سد مأرب = نتيجة تراكم الإهمال لا حدث مفاجئ. الهدر المائي = انعكاس للهدر الاجتماعي والإنساني والثقافي.