سقوط الأقنعة لا يحتاج إلى حلقات    البرلماني معزب يخاطب إخوان اليمن: مستحيل أن تصفونا سياسياً وعسكرياً وعليكم القبول بالآخر    صمت مخزٍ وسلطة غائبة.. مأساة طفلان صيادين من شبوة تكشف عجزًا إنسانيًا فاضحًا    تضارب الأنباء حول فاعلية "الحصار" في هرمز.. وترامب يلوح بتفاوض مرتقب    فشل جهود البحث عن صيادين فقدا في سواحل شبوة وخفر السواحل تؤمل على الدعم الجوي    ربع نهائي الأبطال| باريس يطيح بليفربول.. وأتلتيكو يقصي برشلونة    شرطة أمانة العاصمة توضح حول حادثة قتل في حي مسيك بمديرية آزال    إيطاليا تعلن تعليق اتفاقية التعاون العسكري مع الكيان الإسرائيلي    حملة قمع حوثية واسعة ضد أئمة وخطباء المساجد في محافظة ريمة    نص احاطة المبعوث الاممي الى اليمن امام مجلس الامن الدولي الثلاثاء 14 أبريل 2026    استشهاد 5 فلسطنيين بقصف صهيوني على مخيم الشاطئ في غزة    من الوظيفة إلى الأعمال الشاقة.. كيف دمرت مليشيا الحوثي سوق العمل؟    أمريكا تهرّب الحاملة "بوش" بأمر يمني والسعودية تستجدي ..    القائم بأعمال وزير الاقتصاد يطّلع على أضرار حريق مصنع المزنعي للإسفنج    مسؤول إيراني: الهجمات طالت 160 موقعا تاريخيا وننتظر تقييم "اليونسكو" للأضرار    استقروا في مأرب.. الهجرة الدولية توثق نزوح 138 شخصا خلال الأسبوع الماضي    استنكروا اقحام اسمائهم في كشوفات اللجنة السعودية .. شخصيات قيادية في حبيل جبر تنفي ذلك وتؤكد موقفها الثابت خلف الرئيس عيدروس الزبيدي    الحالمي يلتقي اعضاء من الهيئة المساعدة للوادي، ويشيد بثبات وصمود أبناء حضرموت    المسحور يتولى تدريب شعب إب ويعلن عن القائمة الأولية استعداداً لكأس الجمهورية    اجتماع يناقش خطة احتياج جامعة صنعاء من الكادر الأكاديمي    النقد الدولي يخفض توقعات نمو الأسواق الناشئة إلى 3.9%    أسبوعان بلا سوشيال ميديا.. صحة أفضل وتركيز أعلى    قضية مارادونا تعود إلى الواجهة.. محاكمة جديدة تهز الأرجنتين    تنبيه للقاطرات والشاحنات للالتزام بالاوزان والحمولات على الطريق الدولي    زواج قسري ونهاية مأساوية.. قصة عروس حجة (فيديو )    غضب جنوبي يتصاعد.. تجديد أمر القبض على الحالمي يشعل الشارع ويحذر من انفجار وشيك    خرج بنفسه لتسلّم الطلبية.. عاملة التوصيل التي التقت ترامب حصلت على 11 ألف دولار! (فيديو)    علامة خفية: هل ينبئ فقر الدم لدى البالغين بالإصابة بالسرطان؟    الذهب يسترد عافيته والنفط يتراجع مع هدوء مخاوف الإمدادات    "فيديو" شجار اطفال يتحول إلى جريمة مروعة في صنعاء    مناقشة أداء فرع شركة النفط في محافظة البيضاء    إنهم يفخخون مستقبلنا    مقتل شخص وإصابة آخر نتيجة مشادة كلامية في ذمار    بعدوان صهيوني..خسارة مئات آلاف الكتب في بيروت    مباريات نارية مرتقبة في جولة الإياب لأبطال اوروبا    لماذا هزيمة أمريكا حتمية؟    شركات العليمي وملف العقلة.. خطر يهدد اقتصاد شبوة ومستقبل عمالها    مصير مجهول لشقيقين من صيادي شبوة فقدا قبل يومين    الهروب إلى العدم    عدن.. شركة طيران أهلية تحصل على تصاريح تشغيل إلى ثلاثة مطارات سعودية    حكاية من قسم العناية المركزة    خسارة مئات آلاف الكتب إثر قصف مباشر على ضاحية بيروت    مصري بنكهة يمنية    عدن.. البنك المركزي يحدد أسعار فوائد الودائع والقروض وصيغ التمويل والاستثمار    تجليات النصر الإلهي    رئيس الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي ل "26 سبتمبر": العدوان والحصار أثر بشكل كبير على البيئة والصحة العامة    اتحاد كرة القدم يقرر إعادة قرعة كأس رئيس الجمهورية بدون توزيع جغرافي    حضرموت والموت فيها يحضر    الأوقاف تعلن بدء إصدار تأشيرات الحج    كلام غير منقول...    استعدادا لنهائيات آسيا.. منتخب الناشئين يكسب اليرموك ويخسر من أهلي صنعاء في معسكره الداخلي    داخلية الاحتلال الأجنبي في المكلا تلاحق 3 من قيادات انتقالي حضرموت (وثيقة)    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تعز ... يوميات الرعب العادي
نشر في يمن برس يوم 01 - 01 - 1970

هل نستطيع أن نمر على يوم ال29 مايو دون أن نبكي.؟ هل نستطيع ونحن متجردين من الانفعال أن نوثق كل ما حدث، وكل ما لم تستطع أجهزة البث والفلاش والكاميرا من عرضه !! هل نستطيع أن نقول فعلاً حدث ما حدث؟ وكنا كغيرنا متورطين بالسذاجة بحيث لم ننتبه لفصول الخيانة التي كانت تصاغ على بعد خطوتين منا؟ هل نستطيع حينما نكتب تاريخ الثورة اليمنية الحالية. أن نمر على هذا اليوم دون أن نتورط قليلاً بالبكاء ودون أن تلاحقنا صدى صرخات الجرحى والمحرقين، والجثث المتفحمة، ورائحة الحرائق والرماد الذي حجب سماء المدينة ؟؟ هل نستطيع بعد ذلك اليوم أن نكون طبيعيين تماما، وننظر لكل مسارات الثورة اليمنية بعين مراقب محايد، لنعتبر أن ما حدث في هذه المدينة كان ضريبة تاريخية لإشعال هذه المدينة شرارة الثورة.
شخصياً لن استطيع ربما لما تبقى من حياتي أن أنسى هول ما جرى، هول الجرائم.. والصمت وهول السكوت عنه، هول ما سمعنا عنه ورأيناه.. وهول ما لم ندونه حتى الآن.
البرابرة أتوا... وفي انتظار البرابرة لم نفعل شيء لندفع الأذى عنا، كنا متسلحين بسلمية مضحكة لا تؤمن بها شرعية الغاب، كنا محتمين بصدورنا العارية، بحناجر باسلة، بكلام كثير كنا نقوله لأنفسنا لندفع الخوف بعيداً، لكن البرابرة حينما أتوا كانوا مدركين أن هذه المدينة، لا تعرف السلاح ولا الرصاص ولا الثأر، وأن أبنائها الطيبين ليس لديهم إله حامي لا الفرقة الخامسة مدرع، ولا بيت الأحمر، وأن القبيلة فيها قلمت أظافرها منذ زمن، وأن القيادات الباسلة فيها ليس لديها كأبنائها سوى الولولة والنواح.
البرابرة أتوا.. زحفوا على أشلاء الجثث ووقع الموت والرصاص والحرائق التي التهمت المخيمات،كان الشباب عزل، بريئين لم يشاهدوا يهوذا وهو يدل عليهم واحداً واحداً، لم يفكروا أن تلك الساحة حيث إمكانات الحياة أكبر مما كنا نعتقد، وحيث إن خلافاتنا الصغيرة على تفاصيل تلك الحياة، وأن الخيانة ستأتي من الظهر، وأن نداء المنصة كان إشارة البدء ليزحف البرابرة. لم ننتبه أننا كنا مخترقين تماما من الداخل، وأن ظهورنا كانت عارية في انتظار النصل ..كنا أغبياء، طيبين، متسامحين مع كل شيء، ولم نقل لهم .. فقط أمهلونا لنلملم الجثث، لنحصي خسائر الحرب، من بقى ومن رحل، لم يتركونا لنلتقط أنفاسنا، حاصروا الجرحى في المستشفيات، وسحلوا الجثث في الساحة.. كانوا أقوياء لأننا مسالمين جدا، لأننا تعزيين جداً، لأن أخلاقنا التي تربينا عليها، لم تجعلنا نؤمن بعقيدة الثأر والقتل والغاب، لأن أبائنا وأمهاتنا ربونا على الحب والتسامح.. لكن كل هذه الأخلاق الحميدة لم تشفع لنا في قاموس همجية النظام وبشاعته، كان يدرك أن هذه المدينة التي اصطفاها الله للرعب الحلقة الأضعف في التسلسل الهرموني لمجد القبيلة والرصاص والثأر.
في ال29 من مايو هرب الجميع ولم يبق سوى أولئك الذين نشاهدهم دائماً في الصفوف الأولى في المظاهرات وفي المسيرات، أولئك الذين هبطوا من كتاب الحياة ليسطروا في تعز أروع ملحمة تاريخية عاشتها هذه المدينة..
كنت وصديقاتي نطل من النافذة على مشهد البربرية اليمنية الجديدة التي دشن مجدها ذلك اليوم لمجموعة من البرابرة من مرتزقة الحرس الجمهوري والأمن المركزي وبلاطجة نواب المحافظة ومدراء العموم، أولئك الذين يعتقدون أن ظل الصنم سيحميهم، وهم لا يؤمن أن لا عاصم لهم اليوم من الثورة، كانت الحرائق تلتهم الشجر والحجر والناس. وكنا نراهم يستبيحون الحياة، يقتلون الأبرياء، ويطاردونهم في الأزقة، ويحاصرونهم في المركز الإعلامي في المدرسة، حبسنا أنفاسنا ونحن نراهم يدورون حول المكان، وكلابهم البشرية تتشمم رائحة الرعب، يتعقبون خط الضوء الفاصل ما بين الليل والفجر.. كان مشهدا مروعا ربما لم يتفق عنها مخيلة هتشكوك ولم نقرأها سوى في معسكرات النازية..
البرابرة لم يتركوا حتى المستشفيات التي تهب الحياة، داهموا مستشفى الصفوة، واعتدوا على الأطباء وملائكة الرحمة، اعتقلوا الجرحى في العناية المركزة ، ثم نهبوا كل محتويات المستشفى وتفيدوا الأجهزة الطبية والأدوية ثم احرقوا المستشفى ، كنا نرى ثقافة الفيد التي تربى عليها أمثال هؤلاء الجند المرتزقة وقد تجلت في أبشع صورها، كانوا ينهبون كل ما عمرناه على مدى أشهر طويلة، كل أشياءنا الجميلة كنا نراها تحمل في سيارات جيب، الثياب، الكمبيوترات، الكاميرات، الفرش، الأغطية، أدوات اللجنة الطبية، أسرة المرضى، المراوح، الثلاجات، التلفزيونات، الهواتف النقالة، والطعام، حتى الجدران الخشبية التي كانت تستخدم كدعائم للخيام رأيناها في معروضات غنام الحرب في بسطات في شوارع المدينة.. يا ألله أي همج هؤلاء البرابرة.. أي عقيدة تربوا عليها.. أي وطن كانوا يعيشون فيه..
حتى الآن لم نستطع حصر عدد الشهداء ،والجثث المتفحمة، والجثث التي لا أهل لها ولا صاحب، والجثث المخفية، والمعتقلين، والناس المخفيين، حتى الآن لم نستطع قياس حجم الدمار الذي تعرضنا له، حجم الخديعة وحجم الموات، حتى الآن يبدو كل شيء مخجلاً كحصيلة أولية للفشل، لم يستطع الإعلاميون والمصورون والمحامون أن يرصدوا ما حدث، حتى الأصداء الإعلامية الداخلية والخارجية للمجزرة، كانت مخجلة، ومحبطة ومثيرة للشفقة، ما حدث في تعز يفوق صدمة جمعة الكرامة التي سببت انهيار النظام، واستقالات أعضاء الحزب الحاكم، لكن تعز الحبيبة، المحاصرة ما بين الجبل والجبل، المدينة التي لا تحدها بحر، ولا قبائل، ولا جيش يحمي، كانت كعادتها مدينة مستباحة، منهكة من الحروب، مدينة خجولة حتى في عرض جراحها، مدينة سلمية حتى في حزنها، حتى وهي تلملم أشلاء أبنائها، وتدفنهم على استحياء في ليل البرابرة..
في تقرير هيومن رايتش عن المجزرة ، بدأت الأرقام محبطة لي، كان تقريرا مستعجلاً، من خضم التقارير التي ستذهب يوما ما إلى المزبلة، وتبقى فقط ذاكرة الرعب حية .. من شاهدها ومن عاشها، ومن استطاع رصد حجم الخراب..
هل مشكلة تعز في سلميتها وتحضرها ومدنيتها.؟؟ هل السلمية والمدنية أصبحت وصمة عار تلحق بأبناء هذه المدينة؟. هل عنفوانها وثقافة أبناءها جريرة في هذا الزمن الحامض، كنت أتساءل مع بعض الزملاء الثوريين الفيس بوكيين الذين لم يدشنوا مجدهم إلا في التندر على سلمية هذه المدينة، وأن عليها أن تذوق مرارة السلم والمدنية وأن عليها الآن أن تخلع رداء المدنية وتكون كغيرها من المدن..
شخصياً سأظل أؤمن أن ما يميز هذه المدينة هي قدرتها على ضبط النفس، والصبر، وعلى المدنية، حتى لو تداعى أبناءها لحمل السلاح، فإنها لاتخرج عن حق الدفاع عن النفس والذي هو حق في الحياة أولاً.
في جمعة الوفاء لأبناء تعز، أثبت أبناء هذه المدينة قدرتهم على الصمود، وأن هذه المدينة عنقاء خرجت من الليل رمادها لتولد من جديد، أقوى من الحياة، أبهى من الحياة، فاستطاع أبناءها إيجاد مساحة أخرى للاعتصام، مساحة كبيرة للكرامة ..
كان يوماً للنصر، وعلى الرغم من انشغال الجميع بحادث اغتيال رأس الأفعى، رأس هذا النظام، وما قيل في هذا الحادث، شخصياً لم يكن يعنيني نبأ اغتياله، أو قتله، وإن كنت اعتقد ولأسباب تخص تاريخ الرئيس الذي قام على الاغتيالات فإن نهايته ستكون بذات الطريقة، لكني كنت أتمنى أن يكون له خروجاً أكثر كابوسية،ً أكثر دمويةً، كنت أتمنى أن أراه يحرق كما أحرقت جثث أبناء تعز، وأن يتم جرف جثته بجرافات، كنت أتمنى أن اسمع عويل أبناءه وبناته في ذلك الليل، حتى يدركوا طعم الفجيعة التي ذاقتها أمهات شهداء مجزرة تعز، أتمنى أن يعيشوا قليلاً من رعبنا الذي عشناه، أن يذوقوا قليل من طعم المهانة والذل والرعب، أن يشعروا بما فعله أبيهم بحق شعب بأكمله ، أن يتفهموا حقد الذين قتل أبناءهم واختفى آباءهم ولم يصلوا إليهم، أن يفهموا معنى أن تكون مطارداً ومهاناً في وطنك فقط لأنك تؤمن أن الوطن ليس حكراً على أحد، وأن الوطن لايختزل بشخص.
كان مضحكاً احتفال البرابرة بخروج رأس الأفعى من المستشفى.. الرصاص والألعاب النارية، والبازوكا، ولأول مرة في حياتي أدرك أي قبح يعيشه هذا الوطن، وأي همجية في نفوس هؤلاء المرضى الذين يحتفلون على أشلاء الجثث المحروقة بنصر وهمي، نصر غبي ستلعنهم كل الأجيال القادمة، لماذا هذا الاحتفال المجاني بعدوانية ستدشن اليوم، وأن بذرة الكراهية لكل ما يمت لهذا النظام من صلة ستظل لصيقة بجلودنا، كل من قتلنا، وكل من شردنا، وأحرق خيامنا من عسكر كل من اصدر الأوامر، كل من تآمر من قيادات هذا النظام في هذه المدينة، كل من هدد أبناءنا ولاحقهم، كل من شرد واعتقل خيرة شبابنا، كل من برر مجزرة تعز من عبده الجندي لطارق الشامي لياسر اليماني للردمي، كل من أطلق وسيطلق الرصاص لترويع الآمنين في هذه المدينة.
ربما يوميات الرعب الذي تعيشه المدينة لا يختلف عن ما تعيشه أبين، هذه المدينة التي هجر أهلها، وشبابها، وأنا أشاهد بالفيديو مشاهد النازحين منها إلا عدن، مشهد مرعب ومخيف، ومخجل، لأن الوسائل الإعلامية الدولية والمحلية، والأقلام والصحف، كانت متواطئة هي أيضاً، ولم تتعامل بإنسانية لما حدث في أبين، وتبنت سيناريو الإعلام الرسمي عن ما يحدث في أبين الحبيبة، أبين التي شرد أبناءها، وسلمت بكاملها لمسلحين القاعدة الذين ربتهم هذه السلطة منذ زمن لهذه اللحظة، حتى تشيع فوضى منظمة، وحتى تنهك الوطن بالمجازر والقتل والاقتتال.
رأيت رعب أهل أبين في عيون الأطباء والمثقفين والمحاميين الذين لجئوا إلى عدن، جحافل حزينة ستصل إلى سقف السماء.. لكن عيوننا للأسف لا ترى سوى جراحنا، وآلامنا، عيوننا مغلقة عن أبين الحبيبة.
في تعز لا أحد ينام، في تعز الرعب له نكهة الحزن والخيبة، والانتظار الطويل.
في تعز البرابرة الآن يجيئون ببياداتهم وأعقاب بنادقهم، بلهجتهم الصنعانية الجافة، بعيونهم الحمراء التي لا ترى سوى مشهد الدم والنار، يمشون في شوارع المدينة، تسبقهم الدبابات والمصفحات، والهراوات، وشرعية القتل والخطف والإكراه، شرعية الهمج اللادستورية أراهم الآن من نافذتي وابتهل إليك " إلهي.. لماذا تركتنا ؟؟
تعز : يوميات الرعب العادي بقلم/ بشرى المقطري
هل نستطيع أن نمر على يوم ال29 مايو دون أن نبكي.؟ هل نستطيع ونحن متجردين من الانفعال أن نوثق كل ما حدث، وكل ما لم تستطع أجهزة البث والفلاش والكاميرا من عرضه !! هل نستطيع أن نقول فعلاً حدث ما حدث؟ وكنا كغيرنا متورطين بالسذاجة بحيث لم ننتبه لفصول الخيانة التي كانت تصاغ على بعد خطوتين منا؟ هل نستطيع حينما نكتب تاريخ الثورة اليمنية الحالية. أن نمر على هذا اليوم دون أن نتورط قليلاً بالبكاء ودون أن تلاحقنا صدى صرخات الجرحى والمحرقين، والجثث المتفحمة، ورائحة الحرائق والرماد الذي حجب سماء المدينة ؟؟ هل نستطيع بعد ذلك اليوم أن نكون طبيعيين تماما، وننظر لكل مسارات الثورة اليمنية بعين مراقب محايد، لنعتبر أن ما حدث في هذه المدينة كان ضريبة تاريخية لإشعال هذه المدينة شرارة الثورة.
شخصياً لن استطيع ربما لما تبقى من حياتي أن أنسى هول ما جرى، هول الجرائم.. والصمت وهول السكوت عنه، هول ما سمعنا عنه ورأيناه.. وهول ما لم ندونه حتى الآن.
البرابرة أتوا... وفي انتظار البرابرة لم نفعل شيء لندفع الأذى عنا، كنا متسلحين بسلمية مضحكة لا تؤمن بها شرعية الغاب، كنا محتمين بصدورنا العارية، بحناجر باسلة، بكلام كثير كنا نقوله لأنفسنا لندفع الخوف بعيداً، لكن البرابرة حينما أتوا كانوا مدركين أن هذه المدينة، لا تعرف السلاح ولا الرصاص ولا الثأر، وأن أبنائها الطيبين ليس لديهم إله حامي لا الفرقة الخامسة مدرع، ولا بيت الأحمر، وأن القبيلة فيها قلمت أظافرها منذ زمن، وأن القيادات الباسلة فيها ليس لديها كأبنائها سوى الولولة والنواح.
البرابرة أتوا.. زحفوا على أشلاء الجثث ووقع الموت والرصاص والحرائق التي التهمت المخيمات،كان الشباب عزل، بريئين لم يشاهدوا يهوذا وهو يدل عليهم واحداً واحداً، لم يفكروا أن تلك الساحة حيث إمكانات الحياة أكبر مما كنا نعتقد، وحيث إن خلافاتنا الصغيرة على تفاصيل تلك الحياة، وأن الخيانة ستأتي من الظهر، وأن نداء المنصة كان إشارة البدء ليزحف البرابرة. لم ننتبه أننا كنا مخترقين تماما من الداخل، وأن ظهورنا كانت عارية في انتظار النصل ..كنا أغبياء، طيبين، متسامحين مع كل شيء، ولم نقل لهم .. فقط أمهلونا لنلملم الجثث، لنحصي خسائر الحرب، من بقى ومن رحل، لم يتركونا لنلتقط أنفاسنا، حاصروا الجرحى في المستشفيات، وسحلوا الجثث في الساحة.. كانوا أقوياء لأننا مسالمين جدا، لأننا تعزيين جداً، لأن أخلاقنا التي تربينا عليها، لم تجعلنا نؤمن بعقيدة الثأر والقتل والغاب، لأن أبائنا وأمهاتنا ربونا على الحب والتسامح.. لكن كل هذه الأخلاق الحميدة لم تشفع لنا في قاموس همجية النظام وبشاعته، كان يدرك أن هذه المدينة التي اصطفاها الله للرعب الحلقة الأضعف في التسلسل الهرموني لمجد القبيلة والرصاص والثأر.
في ال29 من مايو هرب الجميع ولم يبق سوى أولئك الذين نشاهدهم دائماً في الصفوف الأولى في المظاهرات وفي المسيرات، أولئك الذين هبطوا من كتاب الحياة ليسطروا في تعز أروع ملحمة تاريخية عاشتها هذه المدينة..
كنت وصديقاتي نطل من النافذة على مشهد البربرية اليمنية الجديدة التي دشن مجدها ذلك اليوم لمجموعة من البرابرة من مرتزقة الحرس الجمهوري والأمن المركزي وبلاطجة نواب المحافظة ومدراء العموم، أولئك الذين يعتقدون أن ظل الصنم سيحميهم، وهم لا يؤمن أن لا عاصم لهم اليوم من الثورة، كانت الحرائق تلتهم الشجر والحجر والناس. وكنا نراهم يستبيحون الحياة، يقتلون الأبرياء، ويطاردونهم في الأزقة، ويحاصرونهم في المركز الإعلامي في المدرسة، حبسنا أنفاسنا ونحن نراهم يدورون حول المكان، وكلابهم البشرية تتشمم رائحة الرعب، يتعقبون خط الضوء الفاصل ما بين الليل والفجر.. كان مشهدا مروعا ربما لم يتفق عنها مخيلة هتشكوك ولم نقرأها سوى في معسكرات النازية..
البرابرة لم يتركوا حتى المستشفيات التي تهب الحياة، داهموا مستشفى الصفوة، واعتدوا على الأطباء وملائكة الرحمة، اعتقلوا الجرحى في العناية المركزة ، ثم نهبوا كل محتويات المستشفى وتفيدوا الأجهزة الطبية والأدوية ثم احرقوا المستشفى ، كنا نرى ثقافة الفيد التي تربى عليها أمثال هؤلاء الجند المرتزقة وقد تجلت في أبشع صورها، كانوا ينهبون كل ما عمرناه على مدى أشهر طويلة، كل أشياءنا الجميلة كنا نراها تحمل في سيارات جيب، الثياب، الكمبيوترات، الكاميرات، الفرش، الأغطية، أدوات اللجنة الطبية، أسرة المرضى، المراوح، الثلاجات، التلفزيونات، الهواتف النقالة، والطعام، حتى الجدران الخشبية التي كانت تستخدم كدعائم للخيام رأيناها في معروضات غنام الحرب في بسطات في شوارع المدينة.. يا ألله أي همج هؤلاء البرابرة.. أي عقيدة تربوا عليها.. أي وطن كانوا يعيشون فيه..
حتى الآن لم نستطع حصر عدد الشهداء ،والجثث المتفحمة، والجثث التي لا أهل لها ولا صاحب، والجثث المخفية، والمعتقلين، والناس المخفيين، حتى الآن لم نستطع قياس حجم الدمار الذي تعرضنا له، حجم الخديعة وحجم الموات، حتى الآن يبدو كل شيء مخجلاً كحصيلة أولية للفشل، لم يستطع الإعلاميون والمصورون والمحامون أن يرصدوا ما حدث، حتى الأصداء الإعلامية الداخلية والخارجية للمجزرة، كانت مخجلة، ومحبطة ومثيرة للشفقة، ما حدث في تعز يفوق صدمة جمعة الكرامة التي سببت انهيار النظام، واستقالات أعضاء الحزب الحاكم، لكن تعز الحبيبة، المحاصرة ما بين الجبل والجبل، المدينة التي لا تحدها بحر، ولا قبائل، ولا جيش يحمي، كانت كعادتها مدينة مستباحة، منهكة من الحروب، مدينة خجولة حتى في عرض جراحها، مدينة سلمية حتى في حزنها، حتى وهي تلملم أشلاء أبنائها، وتدفنهم على استحياء في ليل البرابرة..
في تقرير هيومن رايتش عن المجزرة ، بدأت الأرقام محبطة لي، كان تقريرا مستعجلاً، من خضم التقارير التي ستذهب يوما ما إلى المزبلة، وتبقى فقط ذاكرة الرعب حية .. من شاهدها ومن عاشها، ومن استطاع رصد حجم الخراب..
هل مشكلة تعز في سلميتها وتحضرها ومدنيتها.؟؟ هل السلمية والمدنية أصبحت وصمة عار تلحق بأبناء هذه المدينة؟. هل عنفوانها وثقافة أبناءها جريرة في هذا الزمن الحامض، كنت أتساءل مع بعض الزملاء الثوريين الفيس بوكيين الذين لم يدشنوا مجدهم إلا في التندر على سلمية هذه المدينة، وأن عليها أن تذوق مرارة السلم والمدنية وأن عليها الآن أن تخلع رداء المدنية وتكون كغيرها من المدن..
شخصياً سأظل أؤمن أن ما يميز هذه المدينة هي قدرتها على ضبط النفس، والصبر، وعلى المدنية، حتى لو تداعى أبناءها لحمل السلاح، فإنها لاتخرج عن حق الدفاع عن النفس والذي هو حق في الحياة أولاً.
في جمعة الوفاء لأبناء تعز، أثبت أبناء هذه المدينة قدرتهم على الصمود، وأن هذه المدينة عنقاء خرجت من الليل رمادها لتولد من جديد، أقوى من الحياة، أبهى من الحياة، فاستطاع أبناءها إيجاد مساحة أخرى للاعتصام، مساحة كبيرة للكرامة ..
كان يوماً للنصر، وعلى الرغم من انشغال الجميع بحادث اغتيال رأس الأفعى، رأس هذا النظام، وما قيل في هذا الحادث، شخصياً لم يكن يعنيني نبأ اغتياله، أو قتله، وإن كنت اعتقد ولأسباب تخص تاريخ الرئيس الذي قام على الاغتيالات فإن نهايته ستكون بذات الطريقة، لكني كنت أتمنى أن يكون له خروجاً أكثر كابوسية،ً أكثر دمويةً، كنت أتمنى أن أراه يحرق كما أحرقت جثث أبناء تعز، وأن يتم جرف جثته بجرافات، كنت أتمنى أن اسمع عويل أبناءه وبناته في ذلك الليل، حتى يدركوا طعم الفجيعة التي ذاقتها أمهات شهداء مجزرة تعز، أتمنى أن يعيشوا قليلاً من رعبنا الذي عشناه، أن يذوقوا قليل من طعم المهانة والذل والرعب، أن يشعروا بما فعله أبيهم بحق شعب بأكمله ، أن يتفهموا حقد الذين قتل أبناءهم واختفى آباءهم ولم يصلوا إليهم، أن يفهموا معنى أن تكون مطارداً ومهاناً في وطنك فقط لأنك تؤمن أن الوطن ليس حكراً على أحد، وأن الوطن لايختزل بشخص.
كان مضحكاً احتفال البرابرة بخروج رأس الأفعى من المستشفى.. الرصاص والألعاب النارية، والبازوكا، ولأول مرة في حياتي أدرك أي قبح يعيشه هذا الوطن، وأي همجية في نفوس هؤلاء المرضى الذين يحتفلون على أشلاء الجثث المحروقة بنصر وهمي، نصر غبي ستلعنهم كل الأجيال القادمة، لماذا هذا الاحتفال المجاني بعدوانية ستدشن اليوم، وأن بذرة الكراهية لكل ما يمت لهذا النظام من صلة ستظل لصيقة بجلودنا، كل من قتلنا، وكل من شردنا، وأحرق خيامنا من عسكر كل من اصدر الأوامر، كل من تآمر من قيادات هذا النظام في هذه المدينة، كل من هدد أبناءنا ولاحقهم، كل من شرد واعتقل خيرة شبابنا، كل من برر مجزرة تعز من عبده الجندي لطارق الشامي لياسر اليماني للردمي، كل من أطلق وسيطلق الرصاص لترويع الآمنين في هذه المدينة.
ربما يوميات الرعب الذي تعيشه المدينة لا يختلف عن ما تعيشه أبين، هذه المدينة التي هجر أهلها، وشبابها، وأنا أشاهد بالفيديو مشاهد النازحين منها إلا عدن، مشهد مرعب ومخيف، ومخجل، لأن الوسائل الإعلامية الدولية والمحلية، والأقلام والصحف، كانت متواطئة هي أيضاً، ولم تتعامل بإنسانية لما حدث في أبين، وتبنت سيناريو الإعلام الرسمي عن ما يحدث في أبين الحبيبة، أبين التي شرد أبناءها، وسلمت بكاملها لمسلحين القاعدة الذين ربتهم هذه السلطة منذ زمن لهذه اللحظة، حتى تشيع فوضى منظمة، وحتى تنهك الوطن بالمجازر والقتل والاقتتال.
رأيت رعب أهل أبين في عيون الأطباء والمثقفين والمحاميين الذين لجئوا إلى عدن، جحافل حزينة ستصل إلى سقف السماء.. لكن عيوننا للأسف لا ترى سوى جراحنا، وآلامنا، عيوننا مغلقة عن أبين الحبيبة.
في تعز لا أحد ينام، في تعز الرعب له نكهة الحزن والخيبة، والانتظار الطويل.
في تعز البرابرة الآن يجيئون ببياداتهم وأعقاب بنادقهم، بلهجتهم الصنعانية الجافة، بعيونهم الحمراء التي لا ترى سوى مشهد الدم والنار، يمشون في شوارع المدينة، تسبقهم الدبابات والمصفحات، والهراوات، وشرعية القتل والخطف والإكراه، شرعية الهمج اللادستورية أراهم الآن من نافذتي وابتهل إليك " إلهي.. لماذا تركتنا ؟؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.