مراد راجح شلي . . لطالما كان ينظر للرئيس المشاط انه مثال للرئيس الجاد والحازم . لكن الليلة شاهدنا جانباً مختلف لرئيسنا الإنسان في هذه الرسالة .. لم يظهر الرئيس ظهر الإنسان الذي ظل مختبئاً خلف حتميات القيادة والوقار إنها لحظة نادرة تكشف الجانب الذي لا يُرى من القادة الجانب الذي يشبهنا جميعاً الإنسان الذي يمكن أن يهزم الجيوش لكنه لا يستطيع أن يهزم دموع فقده امه كمية مشاعر إنسانية جعلت من الرسالة لوحة من فقد وصلابة في آن . رسالة كتبها بمشاعر من صدق وحزن فلامست قلوبنا . بكيت وانا اقراها حزناً على فقد والدي وكأنه يذكرنا جميعاً باوجاع غياب من نحب . وبالمقابل يعلمنا صلابة الموقف ويقين القضية لما رأيت رسالته اليوم ادركت عظمة المشروع والقائد والموقف وان هذا قدر القادة العظماء . ففي الحروب لا يُعرف الرجال فقط في ساحات القتال بل في اللحظات التي ينكسر فيها القلب ويظل الموقف واقفاً . هناك رسائل لا تُقرأ بالكلمات بل تُقرأ بما بين السطور بالدمعة التي لم تُكتب وبالصبر الذي يحاول صاحبه أن يخفيه وهو يتكلم بلسان الرضا . هكذا كانت رسالة مهدي المشاط لم تكن مجرد نعي لأم !! بل كانت اعترافاً إنسانياً خالياً من أي زينة اعتراف رجل يحمل دولة فوق كتفيه لكنه في تلك اللحظة كان يحمل وجع طفل فقد أمه . كان واضحاً أن الكلمات لم تُكتب بالحبر بل كُتبت بثقل الغياب حين قال : - إنه لم يتمكن من زيارتها في أيامها الأخيرة لم تكن جملة عابرة . . كانت طعنة صامتة يعرفها كل من اضطره الواجب أن يقف بعيداً عن أحبته . أي قسوة تلك التي تجعل الابن يسمع أنفاس أمه الأخيرة من وراء الحواجز والمقتضيات الأمنية . أي صلابة تلك التي تجعله يختار الموقف ، وهو يعلم أن الثمن هو آخر نظرة لوالدته التي لن تعود . في هذه الرسالة لم يظهر الرئيس ظهر الإنسان . . إنسان يشعر أن الفراق تضاعف لأنه لم يتمكن من الوداع . إنسان يقول إنه لم يبك منذ عرف الحياة كما بكى عليها وهنا تتكشف الحقيقة التي لا تراها السياسة أن أقوى الرجال في الميدان هم أنفسهم أضعفهم أمام حضن أمٍ غاب وكانت أكثر اللحظات إنسانية حين توجه برسالته إلى السيد القائد لم تكن مجرد مخاطبة قائد بل كانت محاولة بحث عن سلوان كأن الرجل يقول دون أن يصرح إنه يحتاج في هذه اللحظة إلى سند معنوي يخفف عنه وطأة اليتم . لقد أراد أن يغطي حزنه بشعور الانتماء أن يستبدل ألم الفقد بيقين الموقف أن يقنع قلبه بأن طريق التضحية الذي اختاره هو ذاته الطريق الذي منعه من أن يكون مجرد ابن يبكي بجوار أمه . وهنا تظهر الصلابة الحقيقية ليست في الخطابات ولا في القرارات بل في القدرة على حمل الحزن بصمت والاستمرار في أداء الواجب بينما القلب مكسور هذه الرسالة لم تكن رسالة نعي كانت شهادة على أن أعظم المعارك أحياناً ليست في الميدان . بل داخل القلب حين يُجبر الإنسان أن يختار بين أن يكون ابناً أو أن يكون وطناَ مشروعاً موقفاً يمشي على قدمين