إن التهيئة لشهر رمضان المبارك تعني الاستعداد الروحي والنفسي والجسدي لاستقبال شهر الصوم، وتبدأ هذه التهيئة بعقد النية الصادقة للتوبة، والاقبال على الطاعات وتلاوة القرآن والإكثار من الدعاء والصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لضمان استغلال هذا الشهر بالذكر والعبادة والابتعاد عن العادات السيئة والقيل والقال، فرمضان شهر عظيم تفتح فيه أبواب الجنان وتغلَق أبواب النيران وتتنزل فيه الرحمات.. وما أعظم أن نستقبله بقلوب خاشعة ونفوس متأهبة وعزائمَ متقدة، وهذه من الأمور الأساسية التي تساعد على تعزيز الإيمان وتجديد الروح. ومن الواجب علينا أن نقتدي برسولنا الكريم ونستعد لاستقبال رمضان مثلما كان يستقبله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يأتيكم شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه الشياطين، في بداية شهره رحمة، في منتصفه مغفرة، وفي آخره عتق من النار"، ومن أفضل الأعمال لاستقبال شهر رمضان أن ندعى الله عز وجل أن يبلغنا رمضان ونحن في صحة وعافية، حتى نقدر على عبادته وأن نشكر الله على بلوغه، لذلك لابد أن نحرص على استغلال شهر رمضان منذ قدومه إلى انتهائه لأنه أفضل أوقات السنة وأجرها عظيمًا عند الله، ويُستحب ايضًا تكثيف الدعاء وطلب المغفرة والاستعانة بالله لتحقيق الأهداف المراد تحقيقها خلال هذا الشهر العظيم، وتحضير قلوبنا لتوزيع الصدقات ومساعدة المحتاجين، فيعتبر شهر رمضان وقتاً مناسباً لتعزيز قيم العطاء والمشاركة بأعمال الاحسان. كمايجب علينا البدء بالتخلص من العادات السلبية والمعاصي سواءً كانت سلوكيات ضارة أو عادات سيئة، ومن المهم أن يُصبح الشخص أكثر وعياً بأفعاله وتوجهاته، بالإضافة إلى أن رمضان كنز عظيم لا يدرك فضله إلا من استعد له جيدًا، فكلما كان الاستعداد مبكرًا ومدروسًا زادت البركة في الوقت والعمل، فليس كل عبد يكتب له إدراك رمضان، فكم من شخص كان معنا في العام الماضي ولم يبلغه هذا العام، لذا فلنجعل أول استعداداتنا حمد الله وشكره على هذه النعمة العظيمة، فقد كان النبي صلوات الله عليه وآله وسلم عند رؤية هلال رمضان يقول: "اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى"، ففي محراب هذا الشهر الكريم تتجلى عظمةُ الصوم بصفته جهادًا للنفس، وميدانًا للتربية على استشعار معاناة المحتاجين والفقراء؛ وفيه يذوقُ الغني طعم الجوع ليذكرَ بطونا خاويةً، فتفيضُ كفهُ بالصدقاتِ التي تتضاعف أجورها، وتغدو أعمالُ البر فيه قرابين تزلفًا للخالق، وعلينا أن نحسن ونتراحم ونتواصى فيما بيننا وأن نكثر من الأعمال الصالحة وأن نبتعد عما يبطل صومنا من تصرفات وكلام غيبة ونميمة وعن الحسد والحقد، وهذه من أعظم درجات الجهاد للنفس. ولا يكتملُ بهاءُ رمضانَ إلا بذكره شهرًا للجهاد والفتوحات؛ ففيه سُطرت أعظم الملاحم في تاريخ الإسلام، حَيثُ كانت غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم دروسًا في الثبات واليقين، تؤكّد أن الصيام يمدُّ المؤمن بقوة الروح وقوة البدن لا الوهن والضعف، فلا نترك أيام رمضان تمضي بلا هدف، بل نحدّد كم يمكننا ختم القرآن في هذا الشهر، ونجعل لنا وردًا ثابتًا من الذكر والدعاء، حيث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ"، كما يجب علينا أن نقلِّل من التعلق بالقنوات الفضائية لمتابعة المسلسلات والابتعاد أيضًا عن وسائل التواصل الاجتماعي لأنها مضيعة للوقت بدون فائدة، وأن نجعل لنا وقتًا محددًا لكل شيء، حتى لا نفاجأ بأن الشهر قد مضى دون إنجاز حقيقي، قال أحد السلف: "إذا لم تُشغل نفسك بالحق، شغلتك بالباطل". باختصار رمضان ليس مجرد شهر يمر كل عام، بل فرصة ربانية عظيمة يجب أن نستعد لها كما يستعد التاجر لموسم الربح، وكما يُهيّئ العابد قلبه للقاء مولاه، وهو فرصةٌ لتجديد العهد مع الله، فلنستقبله بتوبةٍ صادقة، وردّ المظالم إلى أهلها، ونصافِح مَن خاصمناه، ونجعل قلوبنا ممتلئة بالفرح لقدوم هذا الشهر المبارك، فالله سبحانه وتعالى اختصه بمضاعفة الأجور، وفتح أبواب الجنة، وإغلاق أبواب النار، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ"، فيا سعدَ من اغتنمه، ويا خسارةَ مَن فرّط فيه. رمضان كريم، وشهر مبارك، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير.