في أوائل عام 1994م كانت النية مبيتة لاغتيال المناضل علي سالم البيض لو عاد إلى صنعاء. الخونج الهضباويون مداليز نسبياً، والخونج السواحليون عُقّال نسبياً. الله يرحم المناضل علي سالم البيض، له تاريخ عريق وحافل في الدولة والثورة في جنوب الوطن، وهو أول وزير للدفاع في أول حكومة بعد الاستقلال الوطني. قبل اندلاع حرب صيف 1994م تفاوض أطراف الأزمة كثيراً، وخرجوا بوثيقة هامة تم تسميتها: «وثيقة العهد والاتفاق»، لكن للأسف لم يعملوا بها. كما توسط الملك حسين بن طلال، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، في حل الأزمة التي اشتدت، ووقعت كل الأطراف السياسية، وضمن الموقعين الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، رئيس حزب الإصلاح، الذي كتب في أسفل التوقيع: بشرط عودة البيض إلى صنعاء. ملاحظة: عبدالله حسين الأحمر، الزعيم القبلي للخونج، كان من بداية الأزمة يشتم الحزب الاشتراكي وما تبناه من وثيقة العهد والاتفاق. سأله أحد الصحفيين عبر الأثير: هل قرأت وثيقة العهد والاتفاق؟ أجاب الأحمر: لم أقرأها ولا أشتي أقرأها. هكذا رد، أي أن لديه أحكاماً جاهزة نحو الاشتراكي، ونفس الشيء لدى عبدالمجيد عزيز الزنداني وعبدالوهاب الديلمي وعبدالله صعتر. لدى جميع المذكورين أعلاه أحكام جاهزة نحو الاشتراكي، بل إن معظم القياديين الخونجيين من الهضبة مداليز نسبياً، ويناصبون الاشتراكي العداء دون أسباب وجيهة. لكن فيه بعض القياديين في حزب الإصلاح عقلانيين، مثلاً في المناطق الوسطى: الأستاذ محمد مثنى الربيه(1)، والأستاذ عبدالله الأسعدي، والأستاذ خالد الأسعدي، والدكتور مسعد النجار، وغيرهم. وفي المناطق الساحلية أمثال: الأستاذ إنصاف مايو(2)، والأستاذ أحمد محمد بامعلم(3)، وعوض باشقيوان، وغيرهم. عودة إلى الموضوع: اشتراط الشيخ عبدالله لم يكن ضرورياً ولا له لزوم، فالعودة إلى عدن أو صنعاء واحدة، العاصمة الأولى أو العاصمة الثانية، ما تفرق. وعلى كل حال، علي البيض لم يعد إلى صنعاء، بل غادر عمّان عاصمة المملكة الأردنية إلى الرياض عاصمة المملكة السعودية، وزار أيضاً بعض دول الخليج العربية، ثم عاد إلى عدن، وكان ينوي العودة إلى صنعاء بعد أن يستكمل تلقي العزاء بابن أخته الذي اغتالوه مجهولون كالعادة، واستكمال تلقي العزاء باستشهاد المقدم ماجد مرشد سيف، عضو اللجنة المركزية للحزب، مستشار وزير الدفاع، الذي قتله في المستشفى أحد ضباط الأمن المركزي. نعم، علي سالم البيض كان ناوياً يغادر من عدن إلى صنعاء، وقبل يوم من سفره زاره ضابط من رفاقنا -احتفظ باسمه- وقال له: لا تعد إلى صنعاء في الوقت الحاضر، بسبب أن فيه مخططاً لاغتيالك. تفاجأ علي البيض مما سمع من ذاك الخبر الصادم، وفزّ من مقعده وتجهم وجهه، ثم قعد وقال لمحدثه: من هم؟ احكي لي بالتفصيل، هات ما عندك يا عقيد. المتحدث هو أحد رفاقنا، عضو الحزب الاشتراكي اليمني، العميد فلان الفلاني، وهو قيادي في جهاز الأمن السياسي -حينذاك-. قال العقيد للبيض: لا تعد إلى صنعاء، الإصلاح والمؤتمر يريدون اغتيالك يا فخامة نائب الرئيس. قد وضعوا خطة الاغتيال: إذا السفر جواً تُنفذ العملية في المطار أو أمام المنزل، وإذا السفر براً تُنفذ العملية أمام بوابة المنزل. وشرح له التفاصيل كاملة، بما في ذلك أسماء المخططين وأسماء الذين كان مزمعاً أن ينفذوا عملية الاغتيال. ملاحظة: السطور أعلاه هي أسرار تُنشر لأول مرة، والأسماء احتفظ بها، بعضهم ماتوا، وبعضهم قُتلوا، والبعض الآخر أحياء، وسأظل أحتفظ بالأسماء في الوقت الراهن، لكنني سأنشرها لاحقاً عندما أستكمل مواد الكتاب الذي سيحمل نفس العنوان إن شاء الله، وإن غداً لناظره قريب. عودة إلى الموضوع: الشارع اليمني في أوائل عام 1994م انتقدوا علي سالم البيض، قالوا: ليش ما يرجع إلى صنعاء وقد شعبيته مرتفعة ومعظم الناس معه؟ ولو رجع إلى صنعاء وقُتل سيقول الشارع والحافة والحارة: ليش رجع إلى صنعاء وهو عارف أن خصومه غدارين؟ هكذا نحن اليمنيين عاطفيين زائد عن اللزوم، وحساسين زائد عن اللزوم، وطوباويين زائد عن اللزوم أيضاً. كلمة تودينا وكلمة تجيبنا، والمبررات المتنوعة جاهزة في كل الخطوط البيضاء والسوداء والرمادية، ولله في خلقه شؤون. الله يرحم الرفيق علي سالم البيض، له تاريخ عريق وحافل مع حركة القوميين العرب، وفي تاريخ ونضال ثورة 14 أكتوبر 1963م، وفي حكومة الاستقلال كأول وزير للدفاع، وفي مراحل لاحقة. صحيح أن منتقديه كثير، لكن محبيه أكثر. الهوامش: (1) محمد مثنى الربيه: كان عضواً سابقاً في الاشتراكي، ثم تم انتخابه عضواً في مجلس النواب، ثم انتسب إلى عضوية حزب الإصلاح -الله يرحمه. (2) إنصاف مايو: عضو سابق في مجلس النواب، وعضو قيادي في حزب الإصلاح. (3) الأستاذ أحمد محمد بامعلم: كان عضواً سابقاً في الحزب الاشتراكي اليمني، وعضواً سابقاً في مجلس النواب، وعضواً قيادياً في حزب الإصلاح.