اكما هو الحال في تنظيم الأسواق والهجرات المتعلمة، ينطبق المنطق ذاته على فئة الأشخاص المحميين، سواء كانوا نساء أو ضعفاء أو علماء، فجوهر إدراجهم ضمن القيم القبلية لا يقوم على المساواة، بل على مبدأ الحماية غير المتكافئة وما يستتبعه ذلك من التزام بشرف القبيلة. أما تفاصيل هذه الحماية فكانت تختلف باختلاف الحالة والسياق الاجتماعي، ويمكن توضيح ذلك من خلال وثيقة سفيانية حديثة تعود إلى عام 1965م، تنص على أن من يسيء إلى الجار المحمي يلتزم بتعويض يتمثل في شاة وكسوة، وإذا اعتدى رجل على امرأة بالضرب فلها حق التشهير إضافة إلى مئة وعشرة ريالات وشاة، أما إذا ضرب الرجل زوجته داخل بيتها فعليه أن يدفع شاة وكسوة لأهلها من جهة أبيها، وإذا وقع الاعتداء في بيت وليها دون أن يشتكي منها فإن العقوبة تتصاعد لتشمل ثوراً طبيعياً ومئة وعشرة ريالات وكسوة. تظهر هذه النصوص أن التعويضات في المخالفات البسيطة التي تقع على النساء تتفاوت بحسب الظرف والمكانة الاجتماعية، بينما لا نجد هذا التفاوت عند الرجال المحميين. أما في المخالفات الجسيمة فإن التعويضات تتضاعف أربع مرات في الحالتين، وهو ما ينطبق كذلك على القضاة المحميين، غير أن مكانة القاضي تختلف جذرياً، إذ ترتبط بوعد اليقين العلمي، بخلاف المرأة أو الشخص الضعيف، فالقاضي يمتلك أرضاً أو سنة، أي قدرة على حماية الآخرين، وهو ما توضحه وثيقة القاضي أحمد المؤرخة عام 1822م، التي تؤكد أن القاضي المهاجر يحظى بالاحترام والحماية من القاضي والقبيلة معاً، وتشمل هذه الحماية شؤونه الخاصة وأهله وماله ورسله وأولاده وكل ما يمس شرفه، بحيث يضاعف التعويض أربع مرات بعد الغفران، ويكرم حضوره في المجالس والجلسات التي يقيم فيها العدل. وكحال رجل القبيلة يمتلك القاضي نطاقاً خاصاً من الأمور الجديرة بالحماية، إلا أن نطاقه يبدو أوسع، فرسوله وفق هذه الاتفاقات يكون في مأمن أينما حل، حتى لو كان طرفاً في نزاعات أخرى، ومع أن القاضي يتمتع بحق الجيرة إذا كان عادلاً، فلا يجوز لأحد أن يحتج بهذا الحق ضده، وهكذا تتجاوز حقوق الحماية التي يمنحها رجال القبائل للقاضي حقوقهم الذاتية أحياناً، حتى إن توجيه الكلام البذيء إليه يعد محظوراً، وقد يبدو هذا مظهراً من مظاهر السلطة، لكنه يظل سلطة محدودة، إذ لا يكشف عن وجود تسلسل هرمي سياسي دائم. في وثيقة الهجرة الشخصية للقاضي أحمد عام 1822م، يحال من يخالف حكمه الشرعي إلى ديوان الإمام ويعتد بما يصدر عنه، ومن المرجح أنه عندما فرض إمام قوي سيطرته على البراءة كما حدث في القرن العشرين، احتكر قضاة الشريعة المعينون أو المصادق عليهم من قبل السلطة المركزية أهم مجالات العدالة، غير أن الوضع قبل ذلك كان أكثر سيولة، إذ نجد المهدي محمد عام 1897م يوقع اتفاقية هجرة بوصفه كاتب عدل لا أكثر، فالسلطة التي قد يراها الإمام نظاماً عادلاً كانت تتغير بتغير الظروف، وعلى مدى تلك المرحلة، وربما لفترة أطول، تتوافر أدلة على نوع من الاستقرار النسبي، حيث يتكامل القانون العرفي أحياناً مع اختصاص الشريعة أو يعوض غيابها أحياناً أخرى، وهو ما تعكسه أنواع متعددة من الوثائق.. وعلى الرغم من الأهمية البالغة لقضاة بيت العنسي، فإنهم لا يظهرون في القواعد الرئيسة لبرات إلا نادراً، وغالباً كشهود أو كتبة، كما لا يذكر المشايخ والنقابات مثل آل جزيلان وآل أبو رع إلا بوصفهم شهوداً أو ضامنين، رغم دورهم المحوري في تجنيد الجيوش ودعم الأئمة أو مناهضتهم وتحصيل الأموال الطائلة والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي في غرب وجنوب اليمن، وقد سمحت الثروة الخارجية لهؤلاء الشيوخ بما يمكن تسميته الإيماءات الكبرى التي حلت أزمات التنافس القبلي الداخلي، وبعض شيوخ البراءة، وليس بالضرورة الأقوى نفوذاً، كانوا بدورهم مهاجرين، فتضاعف التعويضات عن أي إساءة تصدر عنهم أو توجه إليهم أربع مرات، وتعبر مكانتهم عن نفسها عبر كثرة الاتفاقات. في المحصلة، لا تقدم أي وثيقة، ولا حتى مجموعة وثائق، صورة مكتملة عن المجتمع في لحظة تاريخية بعينها، بل تكتفي بإشارات جزئية قد لا تتجاوز كونها لمحات من الواقع، ومع ذلك فإن من دعموا الوضع الخاص للقضاة أو الشيوخ أو الخدم أو المهاجرين أو السوق كانوا في الأساس من أبناء القبائل أنفسهم، الذين أتاح تصورهم للحقيقة والمسؤولية إدماج آراء الآخرين، أما تصنيف هذه الوثائق ضمن طبقات سياقية محددة فيظل في كثير من الأحيان مجرد تخمين، فالعهود المكتوبة نادراً ما يستشهد بها في الأحكام، لكنها تستحضر أحياناً صراحة، وليست علنية كالأوامر السلطانية، ومع ذلك، وكما يشير ميسيك، يصعب المبالغة في تقدير الاحترام الذي يكنه اليمنيون للوثائق القانونية في مجتمع اعتاد توثيق قراراته وضماناته الجماعية والفردية على لفائف من الورق مدعومة بالشهادة أو بالدليل المكتوب.