بعد خمسة عشر عاماً على حراك 14 فبراير، تبدو البحرين أقل صخباً، لكنها أكثر انسداداً. الهدوء الذي يطبع المشهد العام اليوم لا يعكس حلاً سياسياً بقدر ما يعكس انتقال الأزمة من طور المواجهة المفتوحة إلى طور الإدارة الصامتة. فغياب الشارع لا يعني انتهاء الصراع، كما أن تراجع الصوت لا يعني بلوغ التسوية. ما نشهده هو استقرار فُرض بالقوة، لا استقرار ناتج عن عقد سياسي جديد. في عام 2011، كانت الأزمة واضحة في طبيعتها ومطالبها. كان الصراع سياسياً ودستورياً، يدور حول الإصلاح، والتمثيل، وحدود السلطة، وشكل الدولة. كانت السياسة حاضرة، والفاعلون معروفين، والخطوط العامة للصراع مرئية. أما اليوم، فقد تغيّرت طبيعة الأزمة نفسها. لم تعد أزمة تفاوض أو توازنات، بل أزمة غياب السياسة. تم تفكيك المعارضة، وتجفيف المجال العام، وتحويل الدولة من طرف سياسي إلى جهاز أمني يدير الأزمة بدل حلّها. وهنا يكمن التحول الأخطر: الانتقال من صراع مفتوح إلى تجميد طويل الأمد للصراع. هذا التحول لم يُنهِ المطالب، بل أعاد إنتاجها بشكل أعمق. فالزمن لم يحمل حلولاً، بل راكم الإحباط. انسداد المسار السياسي، وتآكل الثقة بين المجتمع والدولة، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، كلّها جعلت المطالب أكثر إلحاحاً لا أقل. الجيل البحريني الجديد لا يستحضر 2011 بوصفه مرجعاً وحيداً، بل يقيس واقعه بما يعيشه الآن: فرص محدودة، تمثيل غائب، شعور دائم بالإقصاء، وأفق سياسي مغلق. لذلك لم يعد ممكناً "التكيّف" مع الأزمة أو التطبيع معها، مهما طال أمدها. ضمن هذا السياق، لم يختفِ التمييز السياسي والمؤسساتي، بل أصبح أكثر انتظاماً وأقل صخباً. لم يعد دائماً معلناً، لكنه حاضر في بنية الدولة نفسها: في التمثيل السياسي، والتوظيف، والأجهزة الأمنية، والقضاء. هذا الشكل من الإقصاء لا يصيب فئة بعينها فقط، بل يضرب فكرة المواطنة في الصميم، ويُنتج استقراراً هشاً قائماً على التهميش لا الاندماج. قد يبدو هذا الاستقرار متماسكاً، لكنه في الواقع قابل للاهتزاز عند أي صدمة داخلية أو إقليمية. على المستوى الإقليمي، ظلّ الوعي الشعبي البحريني من الأكثر وضوحاً في رفض التطبيع وربط القضية الوطنية بالقضية الفلسطينية. غير أن هذا الوعي لم يتحول إلى فعل سياسي ضاغط. لا بسبب ضعف الموقف الأخلاقي، بل بسبب البيئة الداخلية المغلقة، والقمع الاستباقي، والإنهاك المجتمعي المتراكم. ومع تغيّر السياق الإقليمي، بات التطبيع محمياً دولياً، في حين جرى تجريم معارضته أمنياً لا مناقشتها سياسياً. لذلك فإن غياب الحراك لا يعني القبول، بل تعطّل القدرة على التعبير. هذا التعطّل لم يكن ليُدار بهذه الكفاءة لولا الغطاء الخارجي. فالولايات المتحدة تنظر إلى البحرين من زاوية الاستقرار الأمني ومصالحها العسكرية، لا من زاوية الإصلاح السياسي، وتغضّ الطرف عن الانتهاكات مقابل ضمان دورها الإقليمي. أما السعودية، فترى في أي انفتاح سياسي تهديداً يتجاوز البحرين نفسها، انطلاقاً من هاجس العدوى السياسية. وهكذا يلتقي الطرفان على تفضيل "الاستقرار الصامت" حتى لو كان مؤجِّلاً للأزمة لا معالجاً لها. في قلب هذا المشهد، يقف ملف السجناء السياسيين بوصفه أحد أكثر تعبيرات الأزمة قسوة. فالسجن لم يعد إجراءً عقابياً بقدر ما أصبح أداة ردع طويلة الأمد، ورسالة موجهة إلى المجتمع بأسره. وعلى الرغم من التحسينات الشكلية المحدودة، ما زالت الأحكام الثقيلة قائمة، والحقوق الأساسية منقوصة. ورغم كثافة التقارير الحقوقية، لم يتحول هذا الملف إلى ورقة ضغط سياسية حقيقية، بل بقي محصوراً في الإطار الإعلامي والحقوقي. في المقابل، لا يمكن إعفاء المعارضة من مسؤولية المراجعة. فضعف التنظيم، وتشتت القيادة، وتركيز الخطاب على الداخل دون الخارج، وغياب رؤية محدثة تخاطب الجيل الجديد، كلها عوامل عمّقت المأزق. المراجعة هنا لا تعني التراجع عن المبادئ، بل إعادة بناء السياسة كفعل طويل النفس، لا كاستعادة رمزية للماضي. في النهاية، ما تعيشه البحرين اليوم ليس نهاية الصراع، بل شكله المؤجَّل. الهدوء القائم لا يحمل أفقاً، والاستقرار المفروض لا يصنع تسوية. الرسالة الأهم، خصوصاً للجيل البحريني الشاب، أن ما يحدث ليس قدراً ولا فشلاً، بل نتيجة صراع لم يُحسم بعد. والتغيير لا يُقاس بسرعة لحظته، بل بقدرته على الاستمرار دون فقدان المعنى.