سنظل نطالب، ولن نكل أبداً، بالحفاظ على اليمن الموحد بحجمه الكبير وأهميته الإستراتيجية والعظيمة كقضية وطنية هامة ومحورية ماثلة أمام كل أبناء الشعب اليمني الأحرار، مهما كانت التباينات فيما بينهم، وتشكل الوحدة البيت الذي يستظل تحت سقفه الجميع، ويحرص كل الشرفاء والمخلصين من أبناء يمن الإيمان والحكمة، من خلال هذا التماسك، على مواجهة كل الاحتمالات التي قد تسبب شرخاً في وحدة الصف الوطني وصولاً إلى تحقيق النصر على الأعداء، والعمل على كبح جماح ثقافة الحقد والكراهية التي أصبحت متفشية بيننا بفعل التدخل الخارجي في الشأن اليمني. وكذلك مواجهة المشاريع التآمرية الهادفة إلى تمزيق الوطن اليمني وتهديد السلم الأهلي، وهو ما يتطلب وعياً وطنياً لدى كل اليمنيين بحيث يعزز ويرسخ التسامح ويتصدى للحاقدين والموتورين، خاصة أولئك الذين كشفوا اللثام عن وجوههم القبيحة ووقفوا إلى جانب العدوان على اليمن وتأييده، إضافة إلى استفادتنا من تجارب الماضي التي تلقي بظلالها في المرحلة الراهنة على حياتنا وتجعل منا أعداء لبعضنا البعض، كونها تستند على ثقافة الغلو والتطرف، ونقول لأولئك الواهمين: عليهم أن يدركوا بأن الشعب اليمني قد خرج إلى الأبد من تحت وصاية الخارج، وأن كل المشاريع الهدامة التي يعدونها لتفتيت اليمن سيكون مصيرها الفشل من اليوم وصاعداً بإذن الله، لأن الشعب اليمني قد شبَّ عن الطوق. صحيح أنه تم تقسيم اليمن ببره وبحره بين الجماعات التي كانت تسيطر على النظام السابق، فأساءت تلك الإدارة وذلك التوجه إلى الوحدة نفسها، وهو ما سبب حساسية لدى الإخوة في جنوب الوطن نحو الوحدة، ونظراً لتشديد القبضة استمرت الأوضاع على هذا النحو حتى جاءت ثورة 21 سبتمبر الشعبية عام 2014م لتزلزل الأرض من تحت أقدام المتحكمين في القرار السياسي طيلة أكثر من ثلاثة عقود مضت، فأحيت الأمل في نفوس اليمنيين لاستعادة دولتهم وبناء اليمن الجديد، وإن كانت التركة الموروثة ثقيلة حيث تحتاج إلى وقت طويل حتى يتم القضاء عليها بحيث لا تظل حائلاً دون تحقيق أهداف الثورة كاملة، ليتم بسط نفوذ الدولة وهيبتها على كل الأرض اليمنية، والذي يحاول تحالف العدوان الشيطاني إجهاض هذا التوجه بهدف العودة إلى بيت الطاعة، وهذا هو المستحيل بعينه، ولن يقبل به أي مواطن حر وشريف. ويقيناً أن الوحدة اليمنية المعاصرة التي يحاول البعض اليوم الانقلاب عليها تشكل حلقة متفردة وذات أكثر من خصوصية في تاريخ اليمن الراهن، لاسيما بعد أن يتم تصحيح مسارها نزولاً عند رغبة وإرادة الشعب وطموح الجماهير قبل أن تكون إرادة سياسية أو قرارات سلطوية يكون الشعب فيها رقماً مفقوداً، ولذا فإن مجرد التفكير في فض هذا الإجماع التاريخي والوطني، كما يحاول البعض اليوم السعي إليه تنفيذاً لتآمر تحالف العدوان على اليمن، والنكوص نحو أشكال التفرق والتشرذم والتشطير، سيكون خيانة وطنية وتاريخية يدفع ثمنها الجميع عاجلاً أم آجلاً، ويكفي أن نشير إلى أن مجرد وجود أزمة سياسية قد ألحقت الضرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالبلاد وكادت أن توصلها إلى مفترق طرق، فما بالنا بما يترتب عليه عودة البلاد إلى عهد التشطير. إن التفكير في غير الوحدة، مهما كان، يعد انتكاسة وكارثة لليمن وشعبه لا سمح الله، ونصراً لأعداء اليمن المتحينين الفرص دائماً، حيث يختارون الوقت المناسب ليضربوا ضربتهم من خلال المندسين بين صفوفنا الذين هانت قيمهم وأخلاقهم وكرامتهم أمام مغريات الصفقات المادية المشبوهة كتجار أزمات ومستغلين أي خلاف يحدث بين أبناء الشعب اليمني الواحد، فيوعزون إلى عملائهم في الداخل، وما أكثر من يتجاوب معهم للأسف الشديد، لتغذية أي خلاف يحدث وتجييره لمصلحة أعداء الشعب اليمني وسيادته ووحدته، غير مدركين أن التآمر على الوحدة اليمنية سيلقى نفس مصير التآمر على يمن اليوم الذي رفع شعار تحرير القرار السياسي اليمني من الوصاية الخارجية، وتحديداً الأمريكية والسعودية، فتحطمت كل معاول هذا التآمر الخبيث على صخرة مقاومة أبناء الشعب اليمني الشرفاء المؤمنين بالحرية والسيادة والاستقلال والوحدة كقدر ومصير لما يقارب 40 مليون مواطن يمني في الداخل والخارج، ومن شذ عن هذه القاعدة فليس منا. وكما أكدنا في مقالات سابقة، فإن المستقرئ للتاريخ اليمني في مختلف الحقب والعصور بنوع من الحصافة والعقلانية يدرك أن انفراط عقد المحاولات المتصلة لتوحيد اليمن أرضاً وإنساناً كان ينسحب دائماً وبالاً وكوارث تطال عامة الشعب حكاماً ومحكومين، وهو ما يجب علينا أن نعتبر به في عصرنا الحاضر ونحن نخوض معركة وطنية كبرى متعددة الاتجاهات لبناء اليمن الجديد ودولته الحرة المستقلة بقرارها، في ظل مقاومة عدوان كوني مضى عليه إحدى عشر عاماً والمجتمع الدولي صامتاً لا يحرك ساكناً، لأن مصالح دوله مع دول تحالف العدوان، وبالذات النفطية منها كالسعودية والإمارات، فرضت عليه هذا الموقف المتخاذل وعدم اهتمامه بما يجري للشعوب المستضعفة والاستقواء عليها. كما تفعل اليوم الإدارة الأمريكية بقيادة المعتوه ترمب الذي لم يسلم من تهديده حتى حلفاؤه الأوروبيون، مستغلاً انشغال الدول المنافسة لأمريكا بمشاكلها الخاصة كالصين الشعبية وروسيا الاتحادية، وعدم وقوفها إلى جانب المستضعفين بشكل جدي يجعل ترمب يتوقف عند حده، فازدادت غطرسته واشتد تجبره على الشعوب التي لم تستجب قياداتها لتهديداته والخضوع للإرادة الأمريكية، ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أن مواقف الأنظمة العربية السلبية، وخاصة الثرية منها، هي التي جعلت ترمب يستأسد على كل من يقول للسياسة الأمريكية لا، ولو وقف الحكام العرب موقفاً مشرفاً دفاعاً عن قضاياهم وفي مقدمتها القضية الفلسطينية لتغير الوضع تماماً، ولن يجرؤ ترمب أو غيره على إذلالهم وتخويفهم ونهب ثرواتهم.