الخنبشي يعيد رجل المهمات الوسخة الى منصبه في أمن المكلا    الجفري يتحدّى... الاعتقال لم يكن يومًا نهاية بل بداية لانفجار أكبر    خرائط الإمبراطوريات.. أكاذيب وأوهام تُباع للشعوب    تعزيزات عسكرية سعودية تتجه إلى عدن    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    وصول 200 مهاجر غير شرعي إلى سواحل شبوة    وقفة وقافلة مالية للهيئة النسائية في سنحان تضامنًا ونصرة لمحور المقاومة    حرس الثورة : الموجة ال 93 ضربت أهدافا في شمال وقلب الأراضي المحتلة    تحطم مقاتلة أمريكية ثالثه قرب هرمز ونجاة قائدها    بيراميدز يكتسح إنبي برباعية ويتأهل لنهائي كأس مصر    وفاة ثلاث شقيقات غرقاً أثناء محاولة إنقاذ في حجة    تتويج الفائزين بجائزة ميخالكوف الأدبية الدولية في موسكو    صاروخ إيراني يدمر مصنعا إسرائيليا للطائرات المسيرة    من يملك باب المندب، لا يحتاج إلى قنبلة نووية لأنه يملك القدرة على التأثير في العالم    أبين.. إصابة قيادي في الانتقالي برصاص مسلح مجهول    رشاد العليمي.. الرئيس اللعنة الذي أنهك الجنوب وأغرقه في الفشل.. سجل قبيح من الحرب والعداء والخبث    عاجل | مقتل ركن استخبارات اللواء الخامس وإصابة آخرين في اشتباكات مسلحة بسوق الحبيلين في ردفان    تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران: هجمات على بنى تحتية مدنية وتهديدات متبادلة    البرلماني حاشد يتجه لمقاضاة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا    بمناسبة افتتاح مركز طب وجراحة العيون.. مستشفى "اليمن السعيد" يطلق أسبوعاً خيرياً لعلاج وجراحة العيون    الأرصاد: أمطار رعدية على أجزاء من 10 محافظات ومتفرقة على أجزاء من أربع أخرى    برلماني إيراني: العدوان يستهدف المراكز الصحية واستشهاد 462 مدنياً معظمهم أطفال ونساء    فيفا يدرس زيادة عدد منتخبات المونديال    الرئيس يعزي نائب رئيس مجلس النواب في وفاة أخيه    توضيح مهم من وزارة الداخلية    بعد نكسة البوسنة.. رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم يقدم استقالته من منصبه    فارق القيم قبل السياسة.. حين يرفض الاستعمار البريطاني إفساد التعليم ويستبيحه إخوان اليمن    انعقاد الاجتماع الأول للمجلس العلمي للهيئة العامة للآثار    شيطنة الخصم حتى يستحق القتل    ترامب يبدد آمال إنهاء الحرب وأسعار النفط تقفز والأسهم تنخفض وذو الفقاري يتوعد    في زنجبار كيف أثر ابن سميط في إنجرامس قبل وصوله لحضرموت    وزير الكهرباء ورئيس مصلحة الجمارك يبحثان تطوير التسهيلات الجمركية لقطاع الطاقة    عوامل تزيد خطر الوفاة بعد سن الخمسين    الوكيل الجمالي يطلع على سير العمل في المشتل المركزي الزراعي في البيضاء    استنفار لهيئة المواصفات بذمار لإنقاذ الأطفال من الحليب غير الآمن    مراثي القيامة    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    شبوة… أطباء وممرضون يهددون بتعليق العمل في حال عدم الاستجابة لمطالبهم    فيصل سعيد فارع.. من أولئك الذين يبقون    فيصل سعيد فارع.. من أولئك الذين يبقون    انتعاش جماعي للمعادن النفيسة.. الذهب والبلاتين يرتفعان والدولار يتراجع    نجاح أول عملية قسطرة طرفية في مستشفى الثورة بالحديدة    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    عصابات بن حبريش تختطف وقود كهرباء المهرة وتدفع المواطنين نحو العتمة    تقرير أممي: تحسن الأمن الغذائي في اليمن بشكل طفيف    مرض السرطان ( 5 )    "سنعود".. مسرحية لنازحين ببيروت تجسد المقاومة الثقافية ضد اسرائيل    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اتحاد كرة القدم ينفي تأجيل انطلاق الدوري اليمني    اتحاد كرة القدم ينظم دورة تنشيطية للحكام استعدادا للدوري اليمني    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشاعر العراقي سعد الياسري: الحبُّ خيمةٌ أخيرةٌ في معسكرٍ يحترقُ !
نشر في عدن الغد يوم 04 - 02 - 2014

في شعره رفضٌ للسائد، وتوق للانعتاق من قيود الأفكار الجاهزة والجمل الرتيبة كالتوابيت الّتي تحتضن كلّ دعيّ ومغفل. ‘أنا' الشاعر في حرب مع هذا العالم، حربٍ لا يمكن تجاهلها، ينتصر فيها للحبّ والجمال، وترفع هويّة الشعر في وجه كلّ قبيح، معلنة انشقاقها عنه.سعد الياسري، شاعر عراقي، عضو اتحاد الكتاب في السويد، صدر له: مِنسأتي (قصائد، بيروت، 2005)،ليس ينجيك المسير (شعر، بيروت، 2007)، أعادت ترسيم المعنى بخلخال (نصوص، بيروت، 2008)، غفوة في نمش الكتفين (شعر، بيروت، 2011)، ‘كشاعر سعيد… كطاغية يبتسم' (نصوص، رأس الخيمة 2012) ، ‘الكرمة' (نصوص، المنامة، 2013).

سعد الياسري في حوار يحدثنا فيه عن تجربته، وديوانه الأخير، والعراق، ورؤاه للواقع العربي الراهن:
*سعادة الشاعر مثل ابتسامة الطاغية… مثيرة للريبة. هل قدر الشاعر أن يكون حزيناً؟
*لمَّا كان الحزن عندي عملية وعي وغذاء دسم، فإن قدر الشاعر هو أن يكون حقيقيّاً، ومتعالياً فوق تهافتٍ من قبيل ‘أعذبُ الشعر أكذبه'. قَدر الشاعر هو قدر الإنسان إجمالاً، ولكن في مستطاع الشاعر أن يصنع منه خراباً جميلاً أو موتاً نفيساً، أو دماً بليغاً.
بالنسبة إليَّ، فليس ثمَّة ما يغذي طغياني سوى الوهم. أمَّا ابتسامتي فتغذيها اللحظة المشرقة. اللحظة التي أنتصر فيها بكتابة حقيقيَّة منزوعة ‘الزيف'. كتابة ترفع مرآةً في وجه الشؤم، وتحمل شمعة في مستودع القش، وتسترق النظر إلى مستحمَّةٍ غافلة…ولك أن تتخيَّلَ فرصتي في صُنع النقيض هنا؟
*تولد القصيدة من الإيقاع أم من اللغة؟
*منهما؛ أعني من اللغة والإيقاع. كلاهما ضروريان لبناء نصك متماسك، فلا أجد جَمالا في نصٍّ بلا إيقاع، وهنا يمكنني أن أغامر بالسؤال: هل نصادفُ نصّاً شِعريّاً بلا إيقاع مطلقاً؟! ولن أغامر بالإجابة عنه. وسأكتفي بالقول إن القصيدة الجيدة [النص] التي لا تمتلك جرسها [الإيقاع] الخاص بها، ومهما كانت دقة انضباطه، هو نص يقترب من خسران دعامة شِعرية هامَّة. بينما النص الذي لا يمتلك لغةً على قدر من الجدية والاحتراف، هو نص غير شِعري. ولا يمكن لي أن أستمتع به وسأعامله كمقال صحافي متكلِّف!

*في ديوان (غفوة في نمش الكتفين) تقول: ‘أنا والعراقُ خطيئتانْ'. وفي ديوان (كشاعر سعيد… كطاغية يبتسمُ) تذكر: ‘أيُّها المُطوَّقُ بالحِرابِ والرَّاياتِ السُّودِ؛ انزعْ من روحيَ خنجرَ فراتِكَ المسمومَ بالحنينِ'. هل يكونُ الوطنُ خطيئةً تمهرنا بلعنته؟ ماذا عنكَ وأنتَ تجول من قلق العراق إلى ثلج السويد إلى هجير الكويت؟

*الخطيئةُ الكبرى هي البقاء في وطن متعافٍ يشحُّ على أبنائه بالعافية. والغربةُ الأشدُّ هي أن تكون وحيداً في الحشد… غريباً في الموكب. واللعنةُ الكاملة هي أن تمارس حنينك الأعمى – بعد كلِّ هذا – لكلِّ هذا، كما نفعل للأسف! أوطاننا جاحدة، ونحن مسلوبو الإرادة، ومدمنو الحنين إلى الخراب… الخراب الذي شهدنا عليه وشماً بعد آخرَ فوق على جلود أرواحنا. نعم، في حالتي كعراقي كانت غربتي خلاصاً وطوقَ نجاة وتميمة طُمأنينة. عبْرها جرَتْ مياه كثيرة تحت وفوق وخلال جسور وعيي، وشكَّل تأثيرها المباشر إلهاماً حاسماً لكل اختياراتي لاحقاً. أنا فخور لأنني خضت هذا العبور ‘المكلف | الماتع′، ولم أخسر قدر ما ربحت.

لا أملك من حطام هذه الرحلة سوى عائلتي وقصيدتي وبضعة أصدقاء… هم جمهوريتي المستقلة، وبوسعي أن أعيش بهم في أي مكان على ظهر الكوكب أو خارجه. أمَّا العراق فقصيدتي جارحةً وعاشقةً، والسويد جهتي الآمنة، والكويت مُستقرِّي حتى حين!
*إذن، ‘الحبُّ موطننا البديلُ'، ما رأيك؟
*في الواقع، الحبُّ موطنيَ ‘الوحيدُ'. بعد أن غادرتُ العراق في شتاء عام 1998، حفرتُ طويلاً في تُربة مصطلح ‘وطن'، تلك التربة المالحة، وصادفتُ الكثيرَ من الأوطان كما أسلفنا، زالت جميعُها، وبقيَ ‘الحبُّ' كخيمةٍ أخيرةٍ في معسكر يحترق!

*بوصفك من شعراء ‘الخارج' وفق التصنيف الشائع في المشهد العراقي، كيف تنظر إلى عراق ‘الداخل'؟

*هذه الثنائية مثيرةٌ للنفور، وتحتوي على إيحاءٍ ما بتفويضٍ ما لأحدٍ ما؛ استخدمه ليجترحَ لنا اصطلاحاً مشبوهاً: (الداخل | الخارج). الداخل مرتبط عندي بانتماء النص إلى (العراق) كحالة وخِطاب، لا بعنوان منزل كاتبه وانتمائه الجغرافي. الكثيرُ من الشعراء العراقيين في (الداخل) يكتبون أشياء لا تنتمي للداخل العراقي… ولا حتى لجزر القمر. أمَّا كيف أنظر إلى العراق، فأحاول أن أنظر إليه بكثير من الحِياد، أغتصبهُ أحياناً بدعوى ‘الحِياد'، وأفشل!

*كأنك تسير على خُطى الأوائل، حيث تكون المرأة في قصائدك هي الحبيبة فقط. كل تجلياتها الأخرى عند الشعراء مجرَّد ‘جذام فكري' على حد قولك في حوار سابق، ما السبب وراء ذلك؟

*لا ضيرَ في افتقاء أثر الأوائل، ولكنَّ انطباعك غيرُ دقيق، واقتباسك سيورطني مع جمهوري من النساء، وهو ما لن أسمح به! لقد قلتُ في الحوار الذي تشير إليه: ‘لا أطيق المصابينَ بالجذام الفكري الذين يجيبون عن سؤال المرأة بكلمات أقرب إلى الرعاف أو نزيف البلاهة من قبيل: أمي وأختي وحبيبتي ونصف المجتمع وروح القصيدة وداينمو المقالة ورفقاً بالقوارير.. إلخ'.
نعم، لا أطيق الحديث عن المرأة في هكذا منحى، لأنَّ المرأةَ بعضي صريحاً ومجازاً. رغم ذلك، كتبتُ نصوصاً لها كنوستالجيا انتمائية، ‘بغداد'. وكآصرة روحية، ‘الأم'. وكمظهر عاطفي رمزاً وحسّاً وناراً وماءً، ‘الحبيبة'. إنني أنظر إلى المرأة بعين رحيمة، مترفعاً عن تصنيف منزلتها غالباً، لأنها أكبر من التصنيف؛ رغم كل محاولاتنا – نحن الطواويس – لسجنها!

*كونك ذكرتَ ‘الطاووس′، فهذا يحيلنا إلى تضخم ‘الأنا' في شِعركَ بمواجهة العالَم، ونصُّ ‘المسرد' نموذجاً. إلى أية درجة يمكن للشعر أن يكون ساحة حرب تحتمل هكذا مواجهة؟

*قال معلِّمي (نيتشه) مرَّةً: ‘الشعراء يقتبسون من البحر غرورَه، وهو أشد الطواويس غروراً'. وأقولُ :'أنْ تكونَ شاعراً؛ يعني أنْ تخلقَ… فهل رأيتَ خالقاً متواضعاً؟'. لا أجد تناقضاً بين الشاعر وفرط طاووسيته داخل النص، وأشدِّدُ، ما دام داخل النص ولا يتسرب إلى خارجه فهو في سياق المعقول. فالتواضع على المستوى الاجتماعي سمة فارقة وكريمة، ولكن لا يمكن لعملية الخلق الإبداعي أو لخالق الإبداع أن يكونا متواضعين.
أما إشارتك لنصِّ ‘المسرد' فقد قلتُ عن ‘الأنا' إنها: ‘تلكَ التي نقدِّسُها، ونخجلُ منها إذا لزمَ الأمرُ'. والأهم من كلِّ هذا أن نشهدَ جَمالاً وإبداعاً فارقاً؛ وإلا سيكون هذا ‘الطاووس′ كباقي النكرات ممَّن تضخموا بعد أول انتصار ‘حقير' أحرزوه، فيما الحقيقيون يلهجون بالدعاء على طريقة (نيتشه) أيضاً: ‘يا إرادتي، لتحرسيني من كل انتصار حقير!'.

*ما الذي يشكله ‘الزمن' كبعد وجودي وشِعري في قصيدة الياسري؟
*الزمن محل عنايتنا كأفراد، بعيداً عن الشعر والأدب. كل ما نمر به خاضعٌ لزمن آني ومتعلق بزمن ماضٍ وممهِّدٌ لزمن قادم. والشعر ليس استثناءً في هذا الأمر، وأنتَ تدركُ بأننا – كشعراء – ومنذ ‘قِفا نبكِ' وحتى ما بعد بعد الحداثة قد ارتبطنا عضوياً وذهنياً بالزمن. ولستُ أحيد عن هذا الإجماع، فكل ‘كانَ، كانوا، كنَّا، كنَّ، كنتُ، كنتِ، كنتم، كوني، كنْ… إلخ' في نصوصي هي مظهر لزمن مضى وحاضر يمضي سريعاً.

*قصيدة النثر العربية تختلف عن الفرنسية اختلافا حاسما. هل على الشاعر العربي أن يكون أمينا في نقل التجربة وتقليدها. خاصة وأنك من الناقمين على كثير من الشعراء العرب الذين يكتبون قصيدة النثر والهايكو؟!

*لستُ ناقماً على أحدٍ، أنا مشمئز من ممارسات إنشائية وخربشات بثلاث فقرات يُراد لنا أن نعتبرها قصيدة نثر أو نص هايكو. أنا منزعج لأن البعض يكتب هايكو دون إلمام بأبسط قواعده السائدة والمتعلقة بزمن الفعل على سبيل المثال. أنا أنفر من كتابةٍ تحرَّرتْ من الوزن والقافية – فقط – ويعتقد صاحبها بأنها قصيدة نثر. تلك هي المسألة باختصار. أما حول اختلاف التجربة الفرنسية والعربية وأزمة الشاعر العربي، فهو أمر يخضع لمعايير نقدية أكثر منها جَمالية، ولستُ أخوض فيها، الآنَ، كوني تحدثتُ عنها مراراً.

*يرى الياسري أن اللغة العربية صالحةٌ بقديمها وجديدها للاستعمال الشعري؛ إذا ما تم توظيفها بذكاء. هل لهذا التوظيف علاقة بالشعر أم بالشاعر؟ وما الغاية من الزج بمفردات معجمية في نص حديث؟

*الأمر ليس فرضاً، ولا إجباراً. هذه أمور يقررها الشاعر، رغم مشقَّة الفصل بين الشعر والشاعر في مقام كهذا. من الممكن الفصل بينهما بعد إنجاز النص، ولكن، والحال هذه، فهما واحد. اللغة مادة الشاعر، وعنصر هام من جماليات الشعر، ومكوِّن أصيل للمعنى؛ من حيث أنَّ اللغة وسيلة المعنى الوحيدة لينفلتَ من أسْر الكلام العادي.
وحين نقول بأن اللغة العربية صالحةٌ بقديمها وجديدها، فهذا يعني الاستخدام الذكي وغير المجحف للمفردة؛ إذ لا يجوز أن نأتي بفرادت صاحبنا ‘الملك الضليل' من قبيل ‘كلكل ومتعثكل وكنهبل'. كما لا ينبغي لنا الإفراط بالكلام النمطي الأقرب إلى ‘الدردشة' والزج به في سياق نص شِعري يتوخى كأحد أهم شروطه شروطه لغةً فارقة!
*هناك من يرى توظيف اللغة التراثية والدينية يتجاوز لغة النص ليكسبها غموضاً مفتعلاً كما في ديوانك الأول ‘مِنسأتي'؟

*الحديث عن ديوان ‘مِنسأتي' يشدُّني إلى الحديث عن مسألة شائعة في الأدب عموماً، مسألة ‘التجربة الأولى' لكل شاعر. وهو حديث شيِّق، ولا أدري لماذا يهابه الكثير من الشعراء. عموماً، أنا أميل إلى محاكمة كل نصٍّ على أساس ميقات كتابته، وإمكانات الشاعر وقتذاك. وحين أصدرتُ ‘مِنسأتي' وهو أرشيف نصوصي الأولى لغاية عام 2005 أكثر من كونه ديواني الأول كنتُ أحفظ مرحلةً طويتُها في مشروعي الشعري، مرحلةً هامة ومؤسِّسة لما سأكون عليه. لا أتنصَّل منها ولا أقول ‘لا تمثِّلني'، بل أنها تمثلني جدّاً، وكانت أقصى ما لدي في ذلك الوقت. ‘مِنسأتي' أقرب أعمالي إلى براءتي.

أيضاً، لم تكن لغة ‘مِنسأتي' غامضة. كانت صعبة، معجمية، قاسية، حادة… ولربما هنا مكمن غموضها. ناهيك عن أني لم أتقصد توظيف شيء فيها لا أرضي ولا ‘سماوي'، وعليك أن تصدق ذلك!

*في حوار سابق، قلتَ: ‘نحن ننتمي إلى شعوب لا تقرأ، وإن قرأت فإنها تلجأ إلى الكتاب المثير للضجَّة الإعلامية، وهو كتاب تافه عادةً'. كيف تقيِّم علاقتك بالقارئ العربي؟ ومن المسؤول عن تلك الفجوة الهائلة بين القارئ والنخبة؟

*أعتقد بأن علاقة القارئ بنصِّي الشِّعري أهم من علاقتي به. وإجمالاً، أستطيع أن أقول بأنني شاعر مقروء إلى حدٍّ ما، وفق معايير غير تجارية بالطبع. ومن هنا يمكنني تصنيف العلاقة بيننا بالمعقولة، وهو تقييم عالٍ لا أمنحه بسهولة. ولكنه في النهاية قارئ نوعي، قارئ استطاع أن يفرز ما يود قراءته، فاختار الشعر، ثم اختار جيلاً، ثم اختار مدرسة، ثم اختار طيفاً، ثم وصل إليَّ. الوصول إلى قراءة شاعر غير مكرَّس أو مشهور إعلاميّاً كما في حالتي والمداومة عليه؛ ليس بالأمر اليسير. لذا أنا أحترم كل قرائي الذين يواظبون على مطالعة جديدي المنشور ورقيّاً أو إلكترونيّاً.

أما الفجوة ‘الهائلة' بين القارئ والنخبة، فهي أمر طبيعي مع كل هذا الترميز الذي نعيشه بإصرار. الفعل الإبداعي ومتلقوه يخضعون إلى معادلات واقعنا المبنية على معطياته متدنِّية القيمة. والفعل الإبداعي يحتاج إلى مساحة خصبة كي يتألق؛ فيما واقعنا ليس خصباً بما يكفي. واقعنا – اليوم تحديداً – حجر أسود في حفرة معتمة. نحن والقارئ والنخب ومثقفي الأغلفة ومنظري المقاهي وملاكمي الأخلاق ومصارعي الحلال والحرام… كلنا صنعنا هذا المصير المخجل.

*في ديوانك الأخير ‘الكرمة أحد عشر نخباً لتبجيل الطين وأحواله'، ثمَّة سجود في حضرة الجسد، وخروج من بؤرة الوطن وحروبه. هل هو انحياز لمبدأ ‘الفن للفن'؟ وهل ثمَّة رسالة من وراء هذه المزاوجة مع التشكيل عبر لوحات للفنان البحريني، محسن المبارك، في الديوان؟

*دعني أخبركَ بحقيقة ناصعة، لا لا؛ بل هي حقيقة نافرة كناب الفيل: الشاعر ‘الحقيقي' هو شاعر عاشق بالضرورة. ومن لا، أو لمْ، يعشق؛ فلن يكتبَ ‘شِعراً' حتى لو صفق لهرائهِ حَمقى العالم بأسرهِ. أما الذي لا يجيد كتابة قصيدة حب ناضجة، فمكان نصوصه المناسب هو سجل الأناشيد المدرسية، وهتاف الحاصلين على الحزام الأسود في الحماسة الوطنية، وحَمَلَة برونزية الحس الإنساني المزيف والقابل للصدأ عند أول منعطف.

‘الكرمة' عمل عاشق، وأنا شاعر لا يتوقف عن الحب، والغزل من مظاهر الحب الأشد أناقة. لا سبب عندي لكي أحب، كما لا مبرر لدي لفضح هذا الحب على رؤوس الأشهاد. إنه أمر مُذاب في دمي على ما يبدو!
أما بخصوص المزاوجة، فقد اخترتُ من أعمال الصديق الفنان (محسن المبارك) بعناية فائقة. وشعرت بأن كل لوحة قادرة على تجسيد وجه من أوجه النص المرفق معها. إنها مزاوجة ‘ناجحة' في رأيي، ورسالتها الوحيدة: إن الشِّعرَ شقيقُ كلِّ جميل!

في زمن الرقابة والزندقة والتكفير والخطوط الحمر وفتاوى التحريم، هل ثمة متسع للقصيدة؟
القصيدةُ أعلى من كل هؤلاء الذين ذكرتهم، وأقدر منهم على الصمود طويلاً؛ بلا معطف مطري ولا صحن حساء لأمسية شتائية طويلة؛ ستصمد القصيدة. ستعلو فوق فضيلتهم ‘المتورمة'، وستردد مع صديقنا (لوتريامون) أنْ: ‘لن يراني الناس في ساعتي الأخيرة محاطاً بالكهنة'.

لا أعتقد بأنَّ أحداً ما في هذا الكوكب مهما كان سلطانه يستطيع أن يجبر شاعراً ما على كتابة ما لا يريده حقّاً. بوسعه أن يضيِّق عليه، وفي هذا اختبار هائل لمعدن الشاعر وذكائه ونضج موهبته. يبقى أن أؤكِّدَ أن القصيدة بصمودها أو باندحارها أمام ‘البرابرة الجُدد' لن تغير شيئاً. الواقع على درجة من الفساد لا يحتاج معها إلى حنان القصيدة. إنه يتوق لخصم أشد…ولنصل أمضى.
*يخسر الشِّعر ‘نبوءته' في فوضى ما يحدث إذن! ثمة ربيع عربي لإسقاط ‘طغاة' سرعان ما يتحول إلى خريف ‘إخواني سلفي' على حد قولك في حوار سابق. ألم يعد من مجال لاجتراح ‘نبوءة' ما في ظل هذا ‘الجحيم' العربي؟

*أتذكَّر (ألبير كامو)، قال مرةً: ‘بعد الثورة الفرنسية، أنتجت مبادئ العقل والعدالة تسلطاً ورعباً غيرَ معقولينِ'. نعم، ثمَّة بشاعة في مجتمعاتنا، والطغاة لعبوا دوراً محوريّاً في تأصيلها وتربيتها، ولكن هذا لا يعني بأن معارضي الطغاة أفضل حالاً أو أعزُّ شأناً.
القادم يحمل معه جينات الرعب، وما لم تره عين ولم يخطر على قلب شعبٍ بعدُ. والشعوب (لا أعني بهم الجموع العمياء، بل أعني أمثالنا من الفئة الثالثة التي ستقتلها الفئة الباغية) هي الخاسر الأكبر خلال مسلسل التناحر الكريه هذا.
لا أثق بالأنظمة، ولا بمن يتصدرون مشهد المعارضة. وأعلم بأنها إجابة اعتزالية محايدة لا تشفي قلوب المعارضين، ولا ترضي أطماع الموالين، لكنها إجابة حقيقية على أقل تقدير، لا تتوسل الحماس، ولا تنفرط رادحة على جثامين الراحلين وذكرى أشلائهم.

بقلم : المغيرة الهويدي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.