في عام 1965 صدر كتاب "تدهور اليهودية وانحلالها" ومؤلف هذا الكتاب يهودي من أصل روسي اسمه "موشي منوهن"، انتقل إلى فلسطين مع عائلته وأكمل دراسته الابتدائية في القدس ودراسته الثانوية في تل أبيب حيث جمعته الزمالة مع أحد كبار زعماءالصهيونية وهو موشي شاريت، وأصبح أحد أنصار الصهيونية، ثم انتقل إلى الولاياتالمتحدةالأمريكية لاستكمال التعليم العالي في جامعة نيويورك وتخرج منها عام 1917؛ وكان التحول الخطير في حياته عن الصهيونية بعد صدور وعد بلفور المشؤوم. وحين حلت النكبة بأهل فلسطين وقامت دولة الاحتلال الصهيوني للأرض العربية الفلسطينية وما فعله زعماء الصهاينة، خصوصاً عصابات راكاح و شتيرن، من مجازر دموية ومذابح بأهل فلسطين العرب المسلمين العزل من السلاح، كل ذلك دفعه إلى أن ينتفض من غفلته إلى تيقض نابه وحاسم، ويصب جام غضبه على الصهيونية العنصرية، مما حدا به إلى إصدار هذا الكتاب الذي يقول فيه "إن الصهيونية وصمة عار ولعنة تاريخية بل جريمة منكرة وحشية...". ثم يحمل الكاتب على الصهاينة فيما ادعوه من صلاة تاريخية في فلسطين في قوله "إن الحقائق التاريخية لا تثبت أي حق لليهود في فلسطين من هذا القبيل فصلة اليهود بفلسطين لا تختلف في رأيه عن صلة سائر الغزاة الآخرين لها كالهكسوس والحيثيين والعبرانيين والبابليين والفرس والفراعنة والرومان واليونان.. الخ وبقي الكنعانيون وهم أهل البلاد الأصليون وهم أجداد الفلسطينيين ثابتين باقين في بلادهم على مر العصور وكر الأزمان". ثم يحمل الكاتب على الصهاينة في أعمالهم الإرهابية في مذابح كفر قاسم ودير ياسين، ويقول بأن الصهيونية التي قامت كما يدعون لإنقاذهم من صنوف الاضطهاد من قبل النازيين قد فاقت النازيين أنفسهم في اضطهادهم للفلسطينيين.. ثم يمضي المؤلف في تعليق مرير وساخر ومؤلم وفي تحليل عميق ودقيق لنفسية بني صهيون فيقول لقد تراكمت الذلة في نفوسهم.. على مر الأجيال مما ولدت فيهم ما يسميها "بالعقدة الشمشونية" وقد تجلت هذه العقدة أكثر ما تجلت أيام العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بالإضافة إلى تولد عقدة النقمة على الآخرين والانتقام لمآسي الأجداد. ويخلص الكاتب إلى "أن هذه الأساليب لا تساعد على حل المشكلة اليهودية بل تزيدها تفاقماً واستفحالاً، والحل الأمثل الذي يراه الكاتب هو في اندماج الأقليات اليهودية وانصهارها في شعوب البلاد التي عاشوا فيها مواطنين".. وهنا يمكن القول "وشهد شاهد من أهلها"، فقد أدرك هذا الكاتب اليهودي قلب الحقيقة وجوهر المشكلة وأبانها إبانة واضحة لا لبس فيها ولا غموض. ثم يتطرق بعد ذلك إلى أساليب الصهيونية البشعة في السيطرة على الشعوب في كل بلد يحلون به فيقول "إن الصهيونية في الولاياتالمتحدة تعمل لغزو الصحافة الأمريكية ووسائل الإعلام فيها، فهيئة المجلس الصهيوني الأمريكي وخاصة لجنة العلاقات العامة والإعلام المتفرعة عنه إنما تمارس القسط الأوفر من أعمالها عن طريق لجان فرعية مختصة، بل ممعنة في الاختصاص، وتتألف هذه اللجان من أعضاء محترفين ضليعين يتمتعون بكفايات ممتازة كل في مجال اختصاصه. أما مهمة هؤلاء الرجال فهي تربية قادة الرأي وصنع المحررين لسائر الصحف اليومية والمجلات والأفلام ودور الإذاعة والتلفاز، وكذلك تربية الرواد وصنع الزعماء في الأوساط الجامعية، وبالإضافة إلى ترصد الكتابات المعادية للصهيونية وإحباطها وتقديم المعونات إلى دور النشر وخاصة تلك التي تبدي جهودا ملحوظة لترويج الكتب القيمة لديهم". إن صنع الزعماء والقادة يقصد به السيطرة على الرأي العام الأمريكي في سائر فئاته وأوساطه، وهذا لا يشكل إلا جانباً واحداً من جوانب النشاط الذي يمارسه الصهاينة في أمريكا، وهذه هي أساليبهم في كل بلد يحلون به، ومع كل شعب يعيشون معه وفي كل مجتمع يكونون فيه أغلبية أو أقلية.