العليمي يهنئ القيادة السعودية بذكرى يوم التأسيس ويؤكد عمق الشراكة الاستراتيجية    غدا بدء انحسار الكتلة الهوائية الباردة    عدن تحتفل بتخرّج 97 حافظًا وحافظةً للقرآن الكريم    انتقالي أبين يحدد موقفه من قرارات تغيير قيادة الأمن الوطني بالمحافظة    السيتي يتخطى نيوكاسل يونايتد ويشعل سباق الصدارة مع ارسنال    باريس سان جيرمان يواصل صدارته للدوري الفرنسي    اتلتيكومدريد يدك شباك اسبانيول برباعية    جمعية حماية المستهلك تدعو إلى تنظيم تجارة المبيدات الزراعية    جمعية حماية المستهلك تدعو إلى تنظيم تجارة المبيدات الزراعية    صحيفة صهيونية: المنظمة التي كانت تمثل اليهود الأمريكيين لم يعد لها أي تأثير في أمريكا    التحالف الصهيو-أمريكي يبدأ معركة التصفية الشاملة من غزة إلى مكة    الأمسيات الرمضانية تتواصل في مديريات محافظة صنعاء    قرار اسقاط رسوم ترمب يشعل معركة قضائية مطولة بأمريكا    السيد القائد يستعرض قصة موسى ويؤكد اهمية التحرك العملي وفق تعليمات الله    استفادة 11 ألف أسرة من المطابخ والمخابز الخيرية بمديرية آزال بأمانة العاصمة    ذمار.. تدشين مشروع المطعم الخيري الرمضاني ل 2500 أسرة فقيرة    الفريق السامعي يدين العدوان الاسرائيلي المتواصل على لبنان    مليشيا الحوثي تنهب مخصصات دار الحبيشي للأيتام في إب    هؤلاء الأطفال الجرحى سيقودون مقاومة مسلحة ضد الاحتلال اليمني إذا بقي على أرض الجنوب عند بلوغهم سن الشباب    احتلال وابتزاز.. سلطات اليمن تمارس أقذر أشكال العقاب الجماعي ضد الجنوب    صنعاء: لحظة حاسمة في شارع خولان .. وبشرى سارة لاهالي حي السنينة!    بهدف قاتل.. أوساسونا يهزم ريال مدريد (2-1) في الليغا    الحديدة.. حادث سير مروع يودي بحياة شخصين احتراقًا    ملتقى أبناء حزم العدين يكرم حافظات للقرآن وأوائل الحلقات في مخيمات النزوح بمأرب    نص المحاضرة الرمضانية الرابعة لقائد الثورة 1447ه    السعودية تدين تصريحات هاكابي وتصفها ب"سابقة خطيرة" من مسؤول أميركي    الصحة العالمية: أوقفوا استهداف المستشفيات في السودان فوراً    هيئة المواصفات تطلق حملة رمضانية لحماية المستهلك    الهيئة العامة للزكاة تطلق مشاريع إحسان بقيمة 26 مليار ريال    نبيل هائل يدشن سلسلة اللقاءات التشاورية مع موظفي المجموعة    انفجار عبوة ناسفة يستهدف طقماً عسكرياً في سيئون    فريمكس) التابعة لمجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تستحوذ على 60% من أسهم (جلف نيو كير) في السعودية    هدية مجلس العليمي وأتباعه للصائمين في الجنوب.. أزمة غاز تضرب كل بيت ووسيلة نقل    بموجة تدفق جديدة.. وصول 120 مهاجرا أفريقيا لسواحل محافظة شبوة    عدن.. قوة مشتركة تنفذ حملة مداهمات وتعتقل عناصر محسوبة على الانتقالي    استهداف طقم عسكري بعبوة ناسفة في وادي حضرموت    الارصاد: إستمرار تأثير الكتلة الهوائية الباردة على أجزاء واسعة من المرتفعات والهضاب والصحارى    مصادر: نقاش واسع حول استحداث محافظة جديدة جنوب اليمن    مركز الأمل يعلن تسجيل 1967 إصابة جديدة بالسرطان في تعز خلال 2025م    كلاسيكو السعودية.. الهلال يواجه الاتحاد    بشكل مفاجئ.. نيمار يعلن عن موعد اعتزاله كرة القدم    بنك الدواء يستقبل قرابة 300 حالة لمرضى القلب والضغط    من عدن.. رئيس الحكومة يحدد أولويات المرحلة ويطلق مسار التعافي الاقتصادي    المنتخب الوطني الأول يدشن معسكره الداخلي استعداد للجولة الأخيرة لتصفيات آسيا    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    استعدادا لمواجهة لبنان.. استدعاء 30 لاعبا لقائمة المنتخب الوطني الأول للبدء بمعسكر داخلي    حركة سفر نشطة.. أكثر من 438 ألف مسافر عبر المنافذ المختلفة منذ مطلع فبراير    تسجيل أكثر من 14 ألف إصابة بمرض الملاريا في تعز خلال 2025    إرشادات صحية لمرضى السكري تضمن صيامًا آمنًا في رمضان    باحث في الآثار: تهريب نحو 23 ألف قطعة أثرية يمنية خلال سنوات الحرب    سوء فهم أم عجز أكاديمي خليجي؟    تكدس سيارات المسافرين في منفذ الوديعة الحدودي    الثور مقطوع الذنب "الذيل".. والإخوان المسلمون    رمضان في اليمن.. موائد جماعية وروح تكافل متوارثة    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    آثار اليمن تُهرَّب عبر البحر... والمتاحف التي تعرضها تجني آلاف الدولارات    أفق لا يخص أحداً    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



استقلال 30 نوفمبر بين الأمس واليوم مميز


الاشتراكي نت/ إعداد/ عيبان محمد السامعي
(بمناسبة اليوبيل الذهبي للاستقلال الوطني المصادف ل 30 نوفمبر 2017م)
خلفية تاريخية:
جاء الاستقلال المجيد في 30 نوفمبر 1967م تتويجاً لمسار نضالي وطني طويل وشاق خاضه أبناء شعبنا ضد المستعمر البريطاني.
فلم يخضع شعبنا ولم يستكن في أيّ وقت من الأوقات, بل قاوم ببسالة الاحتلال البريطاني منذ أول وهلة.
وعلى الرغم من ذلك فقد أوجدت إدارة الاحتلال البريطاني أعواناً من بني جلدتنا قدموا لها التسهيلات والمساعدات في بسط السيطرة الاستعمارية على جنوب اليمن ونهب ثرواته واستغلال مقدراته وتوظيف الموقع الجغرافي والممر المائي الهام الذي تطل عليه عدن لصالح الشركات البريطانية والمصالح الأجنبية.
وقد حرص المستعمر البريطاني على تأمين الخط المائي الواصل بين عدن والهند لانتقال وتدفق البضائع والمواد الأولية من الهند إلى العالم الغربي والعكس. وقد تحقق له ذلك بعد أن عقد عدة معاهدات مع بعض السلاطين في الجنوب, حيث تم توقيع أول معاهدة عام 1802م بين ممثل بريطانيا العظمى والعبدلي سلطان لحج (الذي كان يقع ميناء عدن تحت سيطرته). وبموجب هذه الاتفاقية أُعلن عن مرفأ عدن ميناءً حراً لدخول البضائع البريطانية والسماح لشركة الهند الشرقية (البريطانية) بإقامة سوق تجاري في ميناء عدن. الأمر الذي مثّل الخطوة الأولى نحو الوجود الاستعماري.
وأعقب هذه الخطوة بسنوات اتخاذ الحكومة البريطانية قراراً بإرسال قوة عسكرية بحرية من بومباي الهندية للاستيلاء على ميناء عدن لمزيد من تأمين الممر المائي. وقد لجأت الحكومة البريطانية إلى حيلة خبيثة لتحقيق هذا المسعى, حيث استغلت حادثة غرق سفينة هندية كانت ترفع علماً بريطانياً على مقربة من شواطئ عدن وتحويلها إلى أزمة حادة, فقد اتهمت سلطان لحج بالوقوف وراء الحادثة ومارست ضغوطاً وتهديداً عليه. في الوقت الذي أرسلت الحكومة البريطانية الكابتن (هينس) ليطالب بالتعويض عما لحق بالسفينة وإقناع سلطان لحج بإبرام صفقة لبيع عدن للشركة الهندية البريطانية.
ومع أن سلطان لحج نفى عنه تهمة إعطاء الأمر بإغراق السفينة, إلا أنه وافق على التعويض ورفض بيع عدن للبريطانيين. وهو ما دفع ببريطانيا إلى تنفيذ خطة الاستيلاء بالقوة على عدن, التي احتلها الجنود البريطانيون في 19 يناير 1839م بعد معركة غير متكافئة بين قوات الإمبراطورية البريطانية وجنود سلطان لحج. وبهذه الخسارة الفادحة فقد سلّم سلطان لحج لبريطانيا بالسيطرة على عدن ووقّع على معاهدة حماية بينه وبين شركة الهند الشرقية في 18 يونيو 1839م.
تضمنت الاتفاقية التزام السلطان العبدلي والقبائل الموالية له بعدم التعرض للمصالح البريطانية وتأمين طرق النقل والمواصلات في المناطق الخاضعة لسيطرته مقابل أن تقدم له بريطانيا مساعدة مالية سنوية وسرعان ما عُممت هذه المعاهدة مع بقية السلطنات والمشيخات القبلية في الجنوب اليمني.
إلا أن هذه المعاهدات لم تمنع في واقع الحال من استمرار مقاومة القبائل للوجود البريطاني, وقد اتسمت هذه الانتفاضات بالطابع العفوي غير المنظم والنزعة القبلية التي لم تسمح بوجود رابطة وطنية مشتركة تجمع كل القبائل والمناطق في مسار واحد, مما أدى ببريطانيا إلى الاستفادة من هذا التمزق وسحق تلك الانتفاضات وبكل وحشية. إضافة إلى اعتمادها سياسة (فرّق تسد) المعروفة والتي مكّنت الاستعمار البريطاني من الاستمرار ردحاً طويلاً من الزمن (قرابة 128 عاماً).
أما في عدن, فقد بدأت أشكال المقاومة السلمية للاحتلال البريطاني في النشوء وبشكل جنيني مع ثلاثينيات القرن العشرين, من خلال الإضرابات العمالية والمظاهرات النسوية والطلابية, ثم تعمقت في الخمسينيات من القرن نفسه.
لقد عمل الاحتلال البريطاني على تقسيم الجنوب إلى عدة محميات وعلى النحو الآتي:
1- المحميات الغربية, التي تضم: إمارة بيحان, وسلطنة العوالق العليا, وسلطنة العوالق السفلى, وسلطنة العوذلي, وسلطنة الفضلي, واتحاد دثينة, وسلطنة يافع العليا, وسلطنة يافع السفلى, وسلطنة لحج, ومشيخة العقربي, ومشيخة العلوي, ومشيخة الحواشبي, وإمارة الضالع, ومشيخة شعيب, ومشيخة مفلحي, ومشيخة ردفان.
2- المحميات الشرقية: سلطنة القعيطي (في الشحر والمكلا) وسلطنة الكثيري(في سيئون), وسلطنة الواحدي (في بئر علي) وسلطنة المهرة, وغيرها.
3- مستعمرة عدن: التي حظيت باهتمام كبير من قِبل الاستعمار البريطاني, نظراً لأهميتها الاستراتيجية وموقعها المطل على الممر المائي.
وبفعل ذلك فقد تحولت عدن إلى مركز اقتصادي وإداري وتجاري وفد إليها المهاجرون من مختلف البلدان والأصقاع الخاضعة للسيطرة الاستعمارية البريطانية. الأمر الذي انعكس لاحقاً على التركيب الديمغرافي والاجتماعي والبنية الثقافية لعدن.
ومع تغير الظروف المحيطة وصعود حركة التحرر الوطني في العالم العربي في مستهل الخمسينيات من القرن العشرين, فقد أدركت بريطانيا انعدام الجدوى في الاستمرار في شكل الاستعمار السافر وشكل معاهدات الحماية بشروطها السابقة, لذا لجأت إلى ابتداع أسلوب مختلف يغلّف احتلالها وذلك بتشكيل اتحاد يضم السلطنات والوحدات السياسية في المحميات وحكومة ائتلافية تتكون من السلاطين والمشايخ مع الاحتفاظ بجوهر التجزئة وتأمين مصالح الاستعمار.
وفي فبراير 1959م أُعلن عن قيام (اتحاد إمارات الجنوب العربي) الذي ضم سلطنات ومشيخات المحميات الشرقية والغربية, وقد تغير الاسم فيما بعد إلى (اتحاد الجنوب العربي) وذلك بانضمام عدن إلى الاتحاد.
هدفت بريطانيا من وراء إقامة الاتحاد الإبقاء على وجودها في الجنوب اليمني وفي عدن على وجه خاص, ولمواجهة الاعباء والالتزامات العسكرية التي تواجه بريطانيا على الصعيد الدولي, خصوصاً بعد خروجها من مصر والعراق وغيرها من البلدان.
كما هدفت إلى مواجهة الحركة الوطنية التحررية المناوئة للاستعمار ومحاصرتها وذلك بتوحيد السلاطين وممثلي الإقطاع والرجعية الموالين لها في سلطة سياسية ائتلافية موحدة.
وقد قوبلت هذه الخطوة بمعارضة شديدة من مختلف القوى التحررية والوطنية والنقابات العمالية.
وفي الحقيقة فإن هذا الاتحاد قد ولد ميتاً, فقد فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أهدافه وخاصة إقناع الجماهير بأنه يعبر عن مصالحها وانكشفت حقيقته باعتباره واجهة ديكورية يحرّكها المحتل البريطاني.
تطور الكفاح الوطني ضد المستعمر البريطاني:
مع بداية عقد الخمسينيات من القرن العشرين بدأ الكفاح ضد المستعمر البريطاني يتخذ أشكالاً تنظيمية سياسية ذات قاعدة شعبية عريضة, ويعد حزب رابطة الجنوب العربي أولى هذه الأشكال. ومن أبرز مؤسسي هذا الحزب: محمد علي الجفري وشيخان عبدالله الحبشي وقحطان الشعبي وعبدالله باذيب وغيرهم.
وكان الحزب أشبه بائتلاف سياسي ضم مختلف الفئات الاجتماعية والتوجهات الفكرية, فقد ضم العناصر الشابة والمثقفة والنقابية وبعض السلاطين والمشايخ الساخطين من الاستعمار. وقد تمثلت أهداف الحزب بمواجهة الاستعمار سياسياً وفضح العناصر الموالية له, ومواجهة المشاريع الانفصالية مثل مشروع (الجمعية العدنية) التي نادت بشعار (عدن للعدنيين), والدعوة إلى وحدة الجنوب.
وعلى الرغم من الدور الريادي للرابطة في مقارعة الاستعمار, إلا أنه ما لبث أن خفتت نجمها بسبب مواقفها الغامضة تجاه الوحدة اليمنية, فضلاً عن انعدام توفر الانسجام الفكري والطبقي في بنيتها الداخلية.
وبذلك بدأت الانشقاقات تدب في داخل الرابطة, فقد انشق عنها العديد من العناصر المؤثرة, مُشكّلين الجبهة الوطنية المتحدة التي مثلت تجمعاً وطنياً ضم عدداً من الجمعيات الثقافية ذات الطابع الوطني, كما ضمّت الاتحاد اليمني وعناصر من اليمنيين الأحرار الذين كان يقفوا ضد نظام الإمامة في شمال اليمن.
وقد انبثقت عن الجبهة المتحدة أول تنظيم نقابي في اليمن في عام 1956م, هو اتحاد نقابات عمال عدن الذي جمع النقابات العمالية الست الأولى, ثم تطور ذلك بتشكيل المؤتمر العمالي الذي ضم 32 نقابة عمالية. وقد تركز نضال المؤتمر العمالي على النضال المطلبي والدفاع عن حقوق العمال والمطالبة برفع الأجور وتحسين ظروف العمل وحرية تكوين النقابات والنشاط النقابي. كما كان له دور مشهود في النضال السياسي والطبقي بتبني مواقف اشتراكية مطلبية مناهضة للاستعمار وللاتحاد الكونفدرالي المزيف ولممثلي الإقطاع السلاطيني, كما أكد على وحدة اليمن ووحدة شعبها في الشمال والجنوب وإيمانه بالوحدة العربية الشاملة.
إلا أن اقتصار قيادة المؤتمر العمالي بزعامة عبدالله الأصنج على الوسائل المطلبية والسلمية والمراهنة على العلاقات التي تربطها بحزب العمال البريطاني قد أوجدت حالة من الخلافات العميقة في أوساطها, وبدأت الكفة ترجح لصالح التيارات اليسارية التقدمية التي بات تأثيرها على النقابات يتنامى بصورة غير متوقعة.
وخوفاً من انفلات زمام الأمور من يدها, عمدت قيادة المؤتمر العمالي إلى تأسيس حزب تحت اسم (حزب الشعب الاشتراكي) الذي مزج بين الأفكار الناصرية والبعثية وحزب العمال البريطاني في آن واحد.
وبسبب مراهنة الحزب على علاقته بحزب العمال البريطاني وموقفه السلبي من الكفاح المسلح الذي تبنته الجبهة القومية فقد أدى هذا إلى ضمور الحزب وتلاشيه. ولم تفلح محاولاته اللاحقة من تصحيح موقفه تجاه الكفاح المسلح بتشكيل جبهة التحرير فقد ظل دور جبهة التحرير محدوداً.
وفي مقابل ذلك بدأ نجم الجبهة القومية بزعامة قحطان الشعبي وعبدالفتاح اسماعيل بالبروز, وقد ساعدها على ذلك موقفها المبدئي بتبني الكفاح المسلح ضد المستعمر البريطاني وتحقيق الاستقلال والوحدة اليمنية.
واستندت الجبهة القومية على المناطق الريفية بدرجة رئيسية, حيث شكلت تلك المناطق قاعدة إمداد بشري وكفاحي ضخم, مكّنت الجبهة القومية من إنزال ضربات موجعة للمحتل حتى أرغمته على الرحيل في 30 نوفمبر 1967م.
بموازاة ذلك كان لاتحاد الشعب الديمقراطي بزعامة المناضل والمفكر البارز عبدالله باذيب دوراً مميزاً في الكفاح الوطني ضد المستعمر البريطاني, واتحاد الشعب هو أول تنظيم سياسي يتبنى أفكار الاشتراكية العلمية في الجزيرة العربية.
وقد تميز اتحاد الشعب بتقديم تصورات ورؤى سياسية ناضجة لمختلف القضايا الوطنية والاجتماعية ولطبيعة الثورة ومهامها. وقد جمعت اتحاد الشعب بالجبهة القومية علاقة وطيدة قادت إلى تحالف وثيق.
وكان للحركة النسوية إسهام مشهود في حركة التحرر من الاستعمار, فقد سجل التاريخ بأحرف من نور دور المناضلات الماجدات من أمثال: عائدة سعيد, ورضية شميشر, وزهرة هبة الله, ونجوى مكاوي, ودعرة, وغيرهن.
الاستقلال الناجز وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية:
يتضح مما سبق أن تحقيق الاستقلال الوطني لم يكن محظ صدفة, أو أنه حدث فجأة, أو جاء بقرار ذاتي من الاستعمار. بل كان محصلة تراكمية لمسار نضالي طويل وشاق خاض غماره شعبنا على مدى عقود من الزمن وقدم فيه التضحيات الجسيمة واعتمد الأشكال النضالية المختلفة: الأساليب السلمية والكفاح المسلح.
وقد شكّل اندلاع شرارة ثورة 14 أكتوبر عام 1963م والتي انطلقت من جبال ردفان إنعطافة هامة في مسيرة حرب التحرير الشعبية, فقد التقطت الجبهة القومية هذا الحدث التاريخي لإعلان الكفاح المسلح, مستفيدةً من نضوج الشروط الذاتية والموضوعية حينها. فقد قامت ثورة 26 سبتمبر في الشمال اليمني ضد حكم الإمامة, وتزايد السخط في أوساط أبناء القبائل في ردفان والمناطق المجاورة لها, لاسيما بعد أن مارس البريطانيون ضغوطاً على أبناء ردفان العائدين من شمال اليمن والذين كانوا قد شاركوا في الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر بغية تسليم أسلحتهم وهو الأمر الذي رفضه أبناء ردفان وبشكل حاسم, ما أدى بهم إلى خوض مواجهة عسكرية غير متكافئة مع المستعمر في يوم 14 أكتوبر 1963م, واستشهد على إثرها القائد راجح غالب لبوزة رحمه الله.
لقد تنامى الكفاح المسلح بوتيرة تصاعدية, بُعيد هذا التاريخ, واستطاعت الجبهة القومية من إسقاط مناطق كثيرة وبشكل متوالي, ومن تلك المناطق: كريتر, والضالع, وشعيب, والمفلحي, ولحج, والعواذل, وزنجبار, ويافع, والعوالق, وبيحان, وحريب, والمهرة, وغيرها. وقد لجأت الجبهة في فرض سيطرتها على تلك المناطق بالالتحام بالجماهير وإشراك أبناء تلك المناطق من خلال تشكيل لجان شعبية, مدنية وعسكرية, تتولى القيام بحفظ الأمن والنظام وإدارة المناطق بشكل ديمقراطي يكفل مشاركة أوسع الجماهير. الأمر الذي عزز من حضور الجبهة القومية في أوساط الشعب وبالتالي تلاشي البنى السلاطينية والمشيخية والرجعية الموالية للاستعمار البريطاني.
لقد أصبحت الجبهة القومية وبجدارة الممثل الحقيقي للشعب في الجنوب, وهو ما عزز من موقفها وأرغمت المستعمر على الدخول في مفاوضات ندية حول الخروج من الجنوب. وتشكّل الوفد المفاوض عن الجبهة القومية من: قحطان الشعبي وعبد الفتاح اسماعيل وفيصل عبد اللطيف وسيف الضالعي ومحمد أحمد البيشي.
وجرت المفاوضات في مدينة جنيف وأسفرت عن خروج آخر جندي بريطاني من الجنوب اليمني وإعلان الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م, وقيام الجمهورية الجنوبية اليمنية الشعبية, التي تغير اسمها فيما بعد إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية واستلام الجبهة القومية بزعامة قحطان الشعبي مقاليد الحكم.
وقد شهدت الدولة الجنوبية التي امتد عمرها 23 عاماً فقط (منذ الاستقلال في 67م وحتى قيام الوحدة اليمنية1990م) الكثير من التحولات وحققت العديد من المنجزات على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبنى المؤسسية.
ومما يحسب لتجربة الدولة الجنوبية أنها أرست مداميك دولة النظام والقانون وحققت العدالة الاجتماعية عبر التشريعات القانونية واتخذت جملة من الاجراءات الاقتصادية التي هدفت إلى توزيع الثروة الاجتماعية بين جماهير الشعب وفق التعاليم الاشتراكية, وكفلت للفئات الضعيفة والمهمشة الرعاية الاجتماعية ومكّنت المرأة من تبوأ مواقع متقدمة على صعيد الدولة والمجتمع, وقضت على الرواسب السلبية في المجتمع اليمني كظاهرة الثأر والأمية والتخلف, وحطمت أسس نظام الاستغلال الإقطاعي والكمبرادوري والتصورات الظلامية, وتم إحلال قيم جديدة مثل: المشاركة الشعبية والمساواة أمام القانون والانتماء الوطني والاندماج الاجتماعي والعقلانية واحترام قيمة العمل والإنتاج والتقدم الاجتماعي.
أما أهم المآخذ على التجربة, فهي: الشمولية وفرض النمط الواحد وتغييب الحريات العامة والانزلاق في دورات الصراعات البينية.
إن التجربة الاشتراكية في الجنوب اليمني هي ككل التجارب التقدمية في العالم العربي والعالم الثالث, لها ما لها وعليها ما عليها, ومحكومة بشروط الزمان والمكان, وهي في محل نقد تاريخي.
وعموماً فقد قام الحزب الاشتراكي اليمني بمراجعة نقدية جادة وجريئة للتجربة وفي وقت مبكر, حيث أصدرت اللجنة المركزية للحزب (الوثيقة النقدية التحليلية عام 1986م) التي تضمنت تحليلاً نقدياً موضوعياً لمسار الدولة في الجنوب منذ فجر الاستقلال وحتى منتصف الثمانينيات.
النظام السابق وتدمير مكتسبات نوفمبر المجيد:
بنى نظام المخلوع صالح سياساته ومنذ الوهلة على أساس التبعية والاندماج في إطار الاستراتيجية الرأسمالية كنقيض لمصلحة الشعب اليمني والسيادة الوطنية.
لقد أفضت هذه السياسة التبعية إلى تدمير الاقتصاد الوطني وتجريف الإنجازات الاجتماعية التي تحققت بفعل توجهات ومضامين النظام التقدمي في الجنوب والحركة التعاونية في الشمال.
ولقد اتضح ملامح ذلك التدمير أكثر ما يتضح في مستوى معيشة المواطنين حيث اتسع الفقر وتفاقمت البطالة وازداد التضخم وتصاعدت نسب الأمية والهشاشة الاجتماعية إلى مستويات كارثية.
كما تم خصخصة القطاع العام وبيع مؤسساته بأثمان زهيدة في سياق سياسات الانفتاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي استجابة لروشتات صندوق النقد والبنك الدوليين.
ناهيك عن ممارسة سياسة الفيد والنهب لموارد الدولة. وبناء شبكة مصالح انتفاعية تضم طابور من المحاسيب والازلام وتكوين طبقة طفيلية مافياوية مكونة من: القيادات العليا في الدولة (عسكرية وإدارية)، وقيادات في الحزب الحاكم، ومراكز مشائخية نافذة تشابكت مصالحها مع الرموز التجارية الكومبرادورية.
وكان من نتائج ذلك إفلاس الطبقة البرجوازية الوطنية وسيطرة طبقة طفيلية على الأنشطة الاقتصادية التي تركزت في: قطاع التوكيلات التجارية والقطاع الخدمي والاستثمار في القطاع النقدي والقطاع العقاري ما وسم الاقتصاد بوسم الاقتصاد المافيوزي أي ذلك الاقتصاد القائم على المضاربات وتدوير الأموال والربح السريع.
تضافر ذلك مع الاعتماد شبه الكلي على الاستثمار الأجنبي في قطاع النفط والغاز، وما يشوب هذا الاستثمار من صفقات مشبوهة فاسدة أبرمها نظام المخلوع مع الشركات الأجنبية.
كل ذلك قد أدى إلى تمركز الثروة في يد أقلية مافياوية لا تتجاوز نسبة 5% من مجموع السكان، فيما الأغلبية الساحقة تعيش في حالة فقر وحرمان وتهميش.
لقد قادت هذه الأوضاع الكارثية إلى تفجر الثورة الشعبية في 11 فبراير 2011م في وجه النظام وعبر فيها الشعب عن تطلعاته المشروعة في العيش الكريم وبناء نظام وطني ديمقراطي عادل. ولا يزال مسار الثورة قائما وإن مر بمراحل مخاضات وانتكاسات قد تثير الإحباط في نفوس البعض، إلا أن ذلك لا يعد نهاية المطاف، فلا يزال الأفق واعدا ولا يزال الشعب فاعلا سياسيا.
نوفمبر حاضراً:
ما يهمنا اليوم وبمناسبة اليوبيل الذهبي بمرور 50 عاماً على عيد الاستقلال هو كيفية استلهام الثلاثين من نوفمبر واستخلاص الدروس والعبر من أجل صنع مستقبل مشرق لكل اليمنيين في الجنوب والشمال.
كما ولابد من الاستزادة من الرصيد النضالي التاريخي وثراء التجارب السابقة في مناهضة المشاريع الصغيرة والظلامية التي تظهر اليوم في حالة ارتداد وطني مريع عن مكتسبات سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وفبراير.
إن اليمنيين اليوم أمام تحديات كبيرة ومهام جسيمة, وفي مقدمة تلك المهام:
1- دحر عصابة الانقلاب (ميليشيات المخلوع صالح والحوثي) التي تشن حرباً همجية على شعبنا في محاولة منها لإعادة البلاد إلى عصور التخلف والظلامية والتبعية وحكم الفساد والاستبداد.
2- إعادة بناء مؤسسات الدولة وفقاً لمخرجات الحوار الوطني الشامل وبما يحقق الشراكة الفعلية لكافة اليمنيين في الثروة والسلطة.
3- نبذ التطرف والتعصب, ومواجهة المشاريع الظلامية, والعمل على تعزيز القواسم المشتركة وتمتين الأواصر بين قوى الثورة.
4- العمل على إصلاح أداء السلطة الشرعية بما يؤدي إلى خلق نموذج إيجابي وجاذب ومطمئن لجماهير الشعب, وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان ودفع الرواتب ومحاربة الفساد وإعادة الإعمار وتحقيق التنمية بالاعتماد على القدرات الذاتية أولا وقبل كل شيء.
5- إعادة صياغة العلاقة مع دول التحالف العربي بشكل تكافؤي وبنّاء واستعادة القرار السيادي الوطني وبما يخدم مصلحة اليمن.
________
تم الاستفادة في إعداد هذه المادة من المراجع الآتية:
1- الحركة الوطنية اليمنية من الثورة إلى الوحدة, سعيد أحمد الجناحي, مركز الأمل للنشر, عدن, ط1/ 1992م.
2- النجم الأحمر فوق اليمن, تجربة الثورة في اليمن الديمقراطي, د.أحمد عطية المصري, مؤسسة الأبحاث العربية, لبنان, ط3/1988م.
3- اليمن الجنوبي, الحياة السياسية من الاستعمار إلى الوحدة, علي الصراف, دار رياض الريس, لندن, ط1/1992م.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.