من يقل إن الأمة استأصلت رحمها منذ عقود ولم تعد تنجب العظماء،فقد أخطأ .. ومن يدَّع أننا نعيش عصر الهزائم العربية ، فذاك وحده المهزوم ..ومن يرد في صنعاء أن يعرف كيف هو وجه الصمود والكفاح، فلينظر إلى وجه أخي ومعلمي «ابن النيل»! هذا النورس العربي عاش في اليمن نصف عمره حتى بات أقرب ما يكون إلى رمز تذكاري عربي يتوقف عنده الوافدون على صنعاء ليستلهموا منه حقيقتين،أولاهما : أن صنعاء مهد العرب الاحرار، وقبلة من ضاقت بهم الأرض، وثانيهما: ان الشرف العربي قد يغيب عن موطنه حيناً من الزمن إلا أنه يأبى أن يموت أو يدنس ببعض عبث الحياة. كلنا عرفناه «ابن النيل» وقلة منا عرفت أن اسمه «مجاهد العشماوي» وهو مثلما شرفه حمل عنوان الوطن أنَّى ذهب، فقد غرس قدميه عميقاً في أرض اليمن وصهره العشق مع أديمها حتى استحال شجرة يستظل تحت فيئها مئات الأقلام والشباب الذين استلهموا منه رحيق الثقافة وأنفاس العروبة الخالدة. اليوم أكتب عن «ابن النيل» لسببين : الأول لأقول له باسم كل الزملاء والأصدقاء من إعلاميين ومثقفين : «عظم الله أجركم في وفاة زوجكم المصون ،وتغمد الله روحها الجنة والهمكم الصبر والسلوان».. ومعذرة أيها المعلم الجليل إن وصلناك متأخرين، فالعلم بالأمر بلغنا متأخراً أيضاً .. لكنك علمتنا أن من يكن في اليمن يكن بين أهله .. وها نحن أهلك من بغداد إلى صنعاء إلى ضفاف النيل نمد جسور المحبة العربية والإخاء ونرسم للوطن الكبير خارطة في القلوب لا يمكن للمرء ان يجيد قراءتها مالم يتعلمها في ربوع اليمن السعيد. أما السبب الثاني للحديث عن ابن النيل فهو لتذكير كل الإخوة العرب الوافدين على اليمن بأن هذا البلد الأمين لا يستحق منهم إلا كل الخير، وليكن «ابن النيل» أنموذجنا العربي الذي أفنى عمره في خدمة اليمن وشعبها والاخلاص لأهلها والتجوال بالهم العربي في مقايلها ونواديها ومنابرها .. حتى تحول إلى مدرسة للكثير من الشباب اليمني الذين هم بأشد الشوق لمعرفة المزيد واستلهام الخبرات .. ويكنون كل الاحترام والتقدير لمن يكون أنموذجاً نقياً معطاءً لا يبخل على أحد بكلمة طيبة ، ومعلومة نافعة، ومبادرة نبيلة .. كما هو ابن النيل . للأسف الشديد ان بعض العرب الوافدين إلى اليمن .. رغم ما ينعمون به من أمن وسلام وحريات وكرم ضيافة لا يحسنون رد الجميل بالجميل .. بل يحاولون نقل أزماتهم وأمراضهم النفسية إليها، ويتخيلون ان الشهادات الأكاديمية كفيلة بجعلهم في منزلة أعلى من هذا الشعب الذي يعاملهم بعفوية وطيب خاطر ، متجاهلين ان الشهادات الأكاديمية تصبح مجرد حبرٍ على ورق إن فقد صاحبها القيمة الأخلاقية والمبادئ السامية التي تضفي عليه صفة الإنسانية! اليوم تقدر أعداد العرب «غير اليمنيين المقيمين في اليمن» بنحو مليون مواطن من مختلف البلدان العربية وقسم كبير من هذا الرقم وافدون إلى اليمن من بلدان شاء الله ان يجعل ظروفها الاقتصادية أو المعيشية أفضل ، فوجدوا فيها فرص التعلم وتثقيف الذات في زمن مبكر.. وفي الوقت الذي كانت اليمن ترضخ تحت نير الاستعمار أو الأنظمة الثيوقراطية .. وبالتالي فإن الواجب الأخلاقي والإنساني ان يتحول هؤلاء إلى رسل لنشر الفضيلة والمعرفة والقيم النبيلة وليس إلى بث الشقاق والنفاق والتضليل والدجل والاحقاد والممارسات السلوكية البذئية . ربما يجد المرء في ظل ظروف قاهرة نفسه مضطراً لهجر وطنه والمكوث في بلد آخر حتى يشاء الله له أمراً آخر.. وهنا لا ينبغي عليه تعطيل عجلة الحياة بانتظار العودة .. فالأرض الخصبة تحتضن كل بذرة طيبة تلقى إليها .. واليمن أرض خصبة .. ومن لا يعرف هذه الحقيقة فليسأل أخي ابن النيل كم من البذور غرس وكم من الثمار جنت يداه .. لذلك كان من حقه اليوم الوقوف رافع الهامة .. مفاخراً بأنه القلم العربي الشريف الذي تحول إلى رمز قومي سنخلده في قلوبنا إلى الأبد.