الفرق بين شعبنا وبين الشعب الأمريكي هو أن علاقتنا بالأرض التي نحيا عليها موغلة إلى آلاف السنين ، بينما الأمريكيون لايعرفون لبلادهم تاريخاً يتجاوز الثلاثة قرون.. وبالتالي نحن نتعصب لأوطاننا ، وقد ندافع عنها بتفجير الأجساد كما يفعل الفلسطينيون بينما يستحيل أن يفعل الأمريكيون الشيء نفسه. إذن من عمق ارتباطنا التاريخي بالأرض ، وسكانها نستمد هوية ولائنا الوطني.. لكن ذلك يحدث فقط عندما يكون المرء بوعيه الطبيعي ، لأن فقدان السيطرة على هذا الوعي يعني فقدان المنطق واختلال التوازن في تقييم الحقائق ، وفقدان الدلالة المعنوية للمفردات ، بحيث لم تعد عبارة «ولاء وطني» تعني أكثر من مفردات لغوية.. ومن هنا يؤكد الباحثون أن جميع الذين تجندهم المخابرات العالمية للتجسس على بلدانهم ، أو تخريب بعض مصالحها هم أناس يعانون من أمراض سيكولوجية وبيولوجية مختلفة ، انعكس أثرها السلبي على سلوكهم اليومي. مفهوم الولاء الوطني هو أشبه بارتباط وجداني ، وأخلاقي ، وعقائدي بين طرفين لهذا فإن الفرنسي «جان جاك روسو» في كتابه «العقد الاجتماعي» يفترض أن علاقة الفرد بالدولة هي أقرب مايكون إلى عقد اتفاق يلتزم فيه الجانبان بجملة من الحقوق والمسؤوليات التي ينبغي القيام بها ، وإن تقصير أي طرف في التزاماته يلغي كل ماورد في هذا العقد الاجتماعي. ورغم أن روسو أتى بفلسفة مبالغة بافتراضها جواز فسخ العقد إلا أن تشبيهه الحالة بالعقد نوعاً ما هو صحيح لولا أننا نفترض أن انتماءنا الوطني لم نصنعه نحن بأيدينا بل لازمنا مصيرياً بالفطرة ، وكونته قيم التاريخ والجغرافية والدم والدين وغيرها من الأمور التي لازمت حياتنا وصارت جزءاً من ذاكراتنا وذكرياتنا وتكوين شخصيتنا.. فالظروف هنا هي التي صنعت علاقة الانتماء بما عكسته من معطيات في هوية الفرد. هناك مثل من واقع الحياة التي عشتها في اليمن ، إذ أن لي ثلاثة أطفال خلقوا في اليمن وهم اليوم في المرحلة المتوسطة والثانوية من الدراسة إلا أنهم لم يسبق لهم أن استنشقوا هواء العراق.. اليوم أجدهم مرتبطين باليمن جسداً وروحاً .. وعندما نتحدث عن فكرة السفر إلى العراق لايكترثون للأمر ، وربما ليس في رؤوسهم عنه سوى الفضول لاستكشاف عالم جديد فكل شيء في تكوينهم أصبح يمنياً بدءاً من اللهجة وانتهاءً بأسلوب التفكير والثقافة التي يحملونها في تداولهم لأي شأن. هذا الولاء والانتماء لم تستطع وثائقهم الرسمية إلغاءه لأنه تشكل بفعل الاحتكاك والتفاعل المجتمعي الذي لم يكن بأيدينا منعه.. فنحن نفهمه اليوم كوالدين أنه وفاء تبادله هؤلاء الصغار مع أصدقائهم وجيرانهم وحاراتهم ومدارسهم وكل شيء عايشوه.. لكن لأننا أسرة ذات ثقافة قومية لم نحاول التدخل في تغيير اتجاهات الانتماء ، لأننا أصلاً لانعترف بالفوارق الحدودية بين أبناء الشعب العربي ، والذي حتى اليوم تعجز الحكومات أيضاً عن إقناع شعوبها بتلك الفواصل ، لذا لم يكن غريباً أن نسمع أن مواطناً من اليمن يقاتل في فلسطين أو مواطناً عراقياً يقاتل في لبنان أو غير ذلك من الأمثلة . إن مسئوليتنا في الوقت الحاضر هي تنمية هذا الولاء الوطني.. وهذا الالتصاق بين الفرد والأرض والمجتمع لأن فيه حفاظاً على هوية ثقافية وتاريخية ودينية.. وعندما نحاول إلغاءها فإننا نتسبب بضياع أبنائنا ، وخسارة خصوصياتنا التي نعتز بها .. ولا شك أن هذا اللون من التجاذب هو مرتكز أية وحدة وطنية يتطلع إليها أي شعب على الأرض ، ومتى ماغاب حلت الفوضى.. وتعرض البلد لتهديد حقيقي يطارده كما الكوابيس المرعبة .. لأنه لايمتلك أية ضمانة في الحفاظ على بقائه ووجوده الحي.