المشهد العربي عشية 23يوليو 1952م كان ملبداً بالأحزان والمآسي.. المنطقة العربية بأكملها ترزح تحت الإحتلال البريطاني والفرنسي مع وجود قواعد عسكرية أمريكية في ليبيا بعد هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية الثانية وبقاء دولتين عربيتين فقط هما اليمن والمملكة العربية السعودية خارج السيطرة المباشرة للإستعمار، لكن أوضاعهما كانت أقرب إلى وضع العالم في القرون الوسطى ويعيش البلدان خارج التاريخ. وكانت إسرائيل قد تمكنت من إعلان دولتها في 15مايو 1948م بعد أن الحقت هزيمة عسكرية بالجيوش العربية مجتمعة في معارك سريعة انتهت باستيلاء العصابات الصهيونية على فلسطين وتهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى دول الجوار. على الرغم من أن سبع دول عربية كانت وضعت الخطوات الأولى لإقامة أول منظمة إقليمية على مستوى العالم «جامعة الدول العربية» استناداً إلى تصريح رئيس الوزراء البريطاني الشهير «إيدن» في 24فبراير 1943م والذي جاء فيه «إن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الإقتصادية والثقافية والسياسية» هذا التصريح جاء وأصوات القنابل وأزيز طائرات الحرب العالمية الثانية مازال مرتفعاً، إلا أن العرب أضاعوا فرصة وضع اللبنات الأساسية لإقامة اتحاد عربي بسبب صراع الإرادات والتناقضات داخل الأنظمة العربية فنص ميثاقها على أنها نشأت استجابة للرأي العام العربي في جميع الأقطار العربية، وهذه حقيقة لايمكن انكارها، فالرأي العام العربي في النصف الأول من القرن العشرين لم يكن خافتاً أو خانعاً بل كان قوياً وعبّر عن نفسه من خلال الحركات والأحزاب التي كانت عربية النزعة والإتجاه وإن تكون بعضها بألوان قطرية أو محلية. لم يستطع مؤسسو جامعة الدول العربية استغلال الدعم الشعبي في التأسيس لمنظمة إقليمية تنتهي إلى تحقيق وحدة عربية بأي صورة من صور التوحد، فكان قيام جامعة الدول العربية على أساس الرضاء العام الذي يتطلب موافقة كل الأطراف على القرارات الصادرة عنها وقد مثلت هذ السمة عنصر ضعف للجامعة. لم تكن الرؤية قد تبلورت لدى قادة 23يوليو ببعدها القومي وإن كانت المشاعر القومية هي المحرك والباعث للإنتقال بالأهداف من الإطار القطري إلى الإطار القومي، فقادت ثورة 23يوليو حركات التحرر ضد الإستعمار في إطار حركة عدم الإنحياز «ناصر - نهرو - تيتو» بعد أن كان ناصر قد حقق نجاحاً ونصراً سياسياً في معركة تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر في 1956م وهو النصر الذي كان عاملاً حاسماً في التعجيل بنهاية الإستعمار القديم «الانجليزي - الفرنسي» وانطلاقاً لحركات التحرر في كل انحاء العالم استطاعت ثورة 23يوليو توحيد المشاعر العربية وجعلت من اذاعة صوت العرب وصوت أحمد سعيد المحرّك لهذه المشاعر، فكانت المظاهرات تهز الأرض تحت أقدام المستعمر في كل الدول العربية عندما يتعرض المواطن العربي في أي قطر لانتهاكات من قوات المستعمرين.. أخفقت 23يوليو في إعادة ترتيب البيت العربي «جامعة الدول العربية» فلم تستغل الزخم القومي العربي والدعم الشعبي في إعادة هيكلة الجامعة العربية وقد يكون للنظرة القديمة القائمة على أساس «التآمر» أن الجامعة جاءت بإيعاز من «إيدن» وهو مبرر غير منطقي لأن الإسرائيليين لم ينظروا لوعد بلفور بنظرة تآمرية بل كان أساساً لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية العالمية في إقامة دولة إسرائيل. لأي ثورة من الثورات نجاحات واخفاقات إلا أنه بالمستوى العام كانت ثورة يوليو نقطة تحول مسار التاريخ العالمي وليس الإقليمي فقط وبقدر النجاح الذي حققته حسبت عليها الاخفاقات التي كانت هزيمة 1967م الإخفاق الأبرز والذي كان نتاجاً للصراع داخل النظام نفسه وبروز مراكز القوى على حساب وحدة النظام وقوته. الحالة العربية اليوم لاتختلف كثيراً عن الوضع العربي عشية ثورة 23يوليو مع اختلاف الآليات والشخوص، فبدلاً من الإستعمار المباشر يعيش العالم العربي في وضع إستعماري شبه كامل مع تناقضات في الآليات والرؤى لكل الأنظمة العربية وبقاء القضية الفلسطينية دون حلول حقيقية تعيد للشعب الفلسطيني حقه وتعيد المشردين إلى وطنهم وزد على ذلك جملة المشاكل التي تعصف بالأمة العربية في اكثر من قطر. العرب بحاجة إلى ثورة جديدة بروح 23يوليو وبفكر اقتصادي علمي يتناغم مع متغيرات التاريخ ويحتاج العرب إلى قيادة بشجاعة جمال عبدالناصر وقوة شخصيته في لملمة المشاعر القومية التي بعثرتها مغامرات قيادات اساءت للتاريخ العربي ومزقت المشاعر العربية.