نتوقف في جملة القصائد الستة الأولى على منظومة من الاشتقاقات اللغوية، والتدويرات النحتية الكلامية، في نوع من المعارضة الشعرية الباحثة عن استدعاء ما كان منذ قديم الزمان، ليكون حاضراً في هذا الأوان، وفي دالة أخرى على أن زمن البديع الشعري العربي الموصول بثقافة الصحراء وتنويعاتها كان ومازال قادراً على البقاء، لكنه ليس البقاء الرافض للجديد، بل العكس، حيث نجد لطيفة من لطائف التساوق مع الراحل الكبير «البردوني» في قصيدة على الروي والقافية والتفعيلة، ولكن المفعمة بروح التجديد.. يقول عياش في قصيدة «انتظار» : لماذا أوسد صخر الرماد ويمرح غيري في كل واد وأشرب وهران حزناً كبيراً وأقطعها ودمي لون زادي أكاد أسمي الذي مر قربي ويخطفني طائر في فؤادي تلك إشارة أخرى إلى أن العمود الشعري العربي يتّسع للرشاقة الأسلوبية والبحث عن التجديد دونما افتئات على التجارب التفعيلية وحتى النثرية . وقبل نهاية المقاربة العابرة كالسحب المسافرة أود الإشارة إلى أن قصائد الديوان الأخيرة والقصيرة بدت لي أكثر تلقائيةً، وأقرب إلى وهج الموهبة الفتية التي تنبثق كالشرارة.. بدت لي بعيدة عن الصنعة، وليس في ذلك ما يًعيب الصنعة طبعاً، لأن صناعة الشعر كصناعة الموسيقى، والصنعة مًقدمة للانطلاق، والتلقائية فضاء للرشاقة الأسلوبية، والتذاهن مع الفكر والثقافة لا يعيب الشعر، وإلا لكان العيب طال المعري والبردوني والحلاج وغيرهم ممن قدموا شعراً عميق الغور في الاستسبار الدلالي دون أن يُفقدوا صلته بالشعرية بمعناها الواسع . أُحيل القارىء الكريم إلى بعض جواهر الشاعر عياش والتي أُمثل لها في قصيدته الرائعة «إذا طفت بالأجداث»، وأُلحقها ضمناً بكل النصوص المتناثرة في النصف الثاني من الديوان . مقطع القول إنني شخصياً دُهشت وفرحت بهذا الديوان لأنني لم أكن أعرف عن صديقي وزميلي عياش صلته العميقة بالشعر العربي التاريخي، وثقافته اللغوية البادية للعيان، فما عرفت عنه تلخّص حصراً في مؤلفاته وكتاباته التراثية الضافية، ومساهماته الثقافية الواسعة، ومشاركاته الحيوية في منابر الإبداع.