ليس بالعقاب وحده تستقيم أمورنا، فقد يأتي الثواب بنتائج مماثلة إن مورس بمواضع استحقاقه الفعلي.. فقد توعّد معالي وزير الصحة المقصّرين بالمحاسبة الشديدة فتمنينا لو وعد أيضاً بمكافآت مجزية للمخلصين، فمثلما يلتهم الخراب والإهمال والتسيب مستشفى الكويت بصنعاء هناك من حوّل مستشفى (الثورة) إلى تحفة وطنية تضاهي أفضل المستشفيات الخاصة. لا أظن أن أحداً من مسئولي وزارة الصحة زار مستشفى الكويت ( الحكومية ) منذ سنوات، لأن الصحة البشرية تبدأ بالنظافة، وحين تفقد أي مؤسسة صحية النظافة وترى القاذورات تغطي أرضها وجدرانها وتجهيزاتها فإنها لم تعد ( مستشفى ) وإنما مكان موبوء ناقل للعدوى، ولا يليق أيضاً عدّه ضمن المؤسسات الخدمية للدولة لأنه لا يشرفها.. في جناح باطنية النساء يظهر للعيان شرخ كبير بالمبنى يُنذر بانهيار المبنى على رؤوس المريضات في أي لحظة قادمة.. وعلى الرغم من تحذيرات الأطباء والعاملين لإدارة المستشفى من خطورة ذلك الشرخ على الأرواح إلا أنها لم تحرك ساكناً.. وفي غرف الرقود يكتشف المرء أنها المكان الذي أعلن فيه علم الطب سقوطه.. ففي غرفة واحدة ستجد المرضى المصابين بالأمراض الوبائية المعدية كالسل جنباً إلى جنب المرضى المصابين بالأمراض الأخرى، رغم أن مرض السل ينتقل بالتنفس، لذلك فإن المريضة التي تدخل للعلاج من التهابات معينة قد تشفى منها لكنها ستعود لأطفالها بعدوى السل أو التهاب الكبد الفيروسي أو غيرهما، طالما وثقافة عزل الحالات المعدية لم تدخل قاموس مستشفى الكويت. كما أن غرف الرقود تسودها مظاهر التلوث، فثمة بقع على الجدران، والشراشف والأغطية والأسرة وأحياناً حتى على لوحة التشخيص والمتابعة العلاجية، فيما الأرض تشكو ضعف التقييم.. كما أن هناك قصصاً عن أخطاء طبية كثيرة، ووفيات لمرضى تم تشخيص حالتهم ضمن الأمراض التي لا تؤدي للموت بالسهولة التي فارقوا الحياة فيها.. فيما معظم الكادر الطبي يشكو سوء الإدارة.. وعلى الرغم من أن مستشفى ( الثورة ) حكومية أيضاً إلا أنها على النقيض تماماً من سابقتها، فالمرء لا يشعر أنه في مستشفى عام من النظافة التي تفوق كل التصورات، والتعقيم المكثف، والنظام في كل شيء فضلاً عن الرعاية الصحية العالية التي يحظى بها المريض كما لو أنه في مستشفى خاص ( خمسة نجوم )! ويمكن عدها مفخرة وطنية تستحق التكريم من لدى وزارة الصحة. وقد تأتي في الدرجة الثانية بعدها مستشفى ( السبعين )، وهناك مؤسسات صحية إلى جانبهما نجحت فعلاً في تطوير خدماتها في الرعاية الصحية، خلافاً لأخرى ظلت تمثل الوجه القبيح للقطاع الصحي بإهمالها وتسيبها الإداري وسوء خدماتها خاصة في المحافظات والمناطق النائية، وهو ما زاد العبء على المواطن الذي يضطر إلى ارتياد المستشفيات الأهلية والتي أمست مسالخ تنهش لحم المواطن بتعاملاتها التجارية الابتزازية.. إن المشكلة التي يعاني منها الناس ذات أوجه عدة، أولها: ضعف الرقابة الحكومية وفساد اللجان الميدانية.. وثانياً: عدم وجود مجالس طبية عليا يتظلم إليها المواطن، الأمر الذي صارت محاكم غير مختصة تفصل في الشكاوى الخاصة بالقطاع الصحي.. وثالثاً: الأدوية المهربة التي تغرق الأسواق ولا تؤدي وظيفتها العلاجية مما يؤدي إلى مضاعفات، واستمرار دورة المرض المزمنة، وأخطار كثيرة يدفع ثمنها المواطن.. ورابعاً: غياب التقييم الدوري للكوادر الطبية، والفحص السليم لمؤهلات الكوادر الوافدة، إلى جانب النظرة السلبية للكوادر الوطنية للدرجة التي أصبح هناك وكلاء كل همهم إحضار فرق طبية من الخارج والترويج لها على واجهات المستشفيات العامة رغم وجود كوادر وطنية تفوقها خبرة ومهارة ولا أحد يلتفت إليها لأنها لا تدفع عمولات لسماسرة استيراد الفرق الطبية.. وأخيراً نقول: إن الطب مهنة إنسانية فلنتقِ الله جميعاً، ونرحم الناس ليلطف الله بنا ويرحمنا..