شبكتُ عشر أصابعي على رأسي مذهولاً وأنا أقرى في إحدى الصحف خبراً صاعقاً، مفاده أن مجلس النواب يسعى لتعديل قانون هيئة الشرطة رقم 15 لعام 2000م بمواد تقنن للقتل الصريح والمتعمد للمواطنين في المسيرات والتظاهرات أو حتى مجرد اشتباه فردي بأي مواطن عابر سبيل قد يقوده حظه العاثر إلى أمام فوهة البندقية وذلك بواسطة قوات الشرطة تحت مبرر حماية النظام والأمن العام، ولما أسماه التعديل: (الحماية القانونية لمنتسبي هيئة الشرطة من المساءلة عن الأفعال التي تحدث منهم أثناء أدائهم واجبات وظيفتهم..). من ضمن هذه التعديلات إضافة فصل جديد إلى الباب الثاني اشتمل على ست مواد تضمنت حالات انتفاء الجريمة من الفعل المنسوب لرجل الشرطة وألزمته إثبات أنه لم يرتكب الفعل إلا بعد التثبت والتحري، وأنه كان يعتقد مشروعيته وان اعتقاده مبني على أسباب معقولة, وفي حالة تجاوز رجل الشرطة حدود أداء الواجب فيعاقب على هذا التجاوز بوصفه جريمة غير عمدية.. وهذا تبرير مسبق لأي جريمة يرتكبها الجندي، وتشجيع واضح على القتل والتحريض عليه، وفق منطق اقتل والقانون يحميك.. وهذا لعمري لم يحدث حتى في أسوأ قوانين الأنظمة القمعية على مر التاريخ، التي اتخذت وتتخذ من الأجهزة الأمنية والبوليسية أداة لتقتل بواسطتها كل من يناوئها!. ومما ورد بهذه التعديلات أيضاً هو أنه لا يجوز رفع دعوى جزائية ضد رجل الأمن الذي ارتكب الجريمة إلا بموافقة وزير الداخلية شخصياً، أي أن وزير الداخلية الذي هو غريم وطرف معتدي يجب أن يوافق على رفع دعوى جزائية ضده، وهذا شرط لا يوجد له مثيل من الاستخفاف بأرواح الناس ومصادرة حق كفله شرع السماء قبل أن يكفله حق قانون الأرض، حين يجب على المجنى عليه أو أولياء الدم ان يأخذوا الإذن المسبق من غريمهم برفع دعوى جزائية ضده.!. ومن أغرب ما ورد بهذا القانون هو أنه حين يعمد رجل الأمن إلى قتل مواطن في تظاهرة سلمية فإن هذا الجاني لا يتحمل أي مسئولية جنائية، وأن الوزارة تتحمل دفع الدية للقتيل، هذا في حال أن اقتنعت الوزارة بدفع الدية أصلاً، وإلا فإن روح المجنى عليه ستذهب سدى وفق هذا القانون القاتل. فأين هي روح الدستور المستمد من الشريعة الإسلامية حين يتم قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق لمجرد الشبهة، ثم وهو الأهم أين هي الالتزامات التي تقول السلطة إنها تلتزم بها تجاه المواثيق الدولية التي تحمي حقوق الإنسان وأهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. وفي أي شرع يجيز لرجل الأمن أن ينفذ عقوبة الإعدام وفق ما يراه ووقت ما يقرره؟!. يأتي هذا المسعى بتمرير هذه التعديلات الخطيرة المنتهكة لحقوق الإنسان والمتعدية على حياته ودمه وعرضه خلسة وفي غفلة الناس بالأحداث الجارية بالمنطقة، والغريب أنها تأتي أيضاً في غمرة تعهدات سلطوية بإفساح المجال للحريات العامة ضمن ما تزعمه هذه السلطة أنها عملية إصلاحات سياسية واجتماعية، مجاراة للعاصفة الشعبية التي تهد أركان الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية. وعلى الرغم أن قتل المواطنين المحتجين سلمياً والعزّل من السلاح في ساحات الميادين والشوارع هي سياسة قائمة على أرض الواقع وتتم كل يوم تقريباً وبشكل روتيني من غير قانون يجيز ذلك، إلا أننا هنا نعلنها صرخة لكل المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني في الداخل والخارج، للتصدي لهذا التوجه الخطير الذي تسعى إليه السلطات في اليمن لتشريع وتقنين هذا القتل والقمع والإمعان في التصفيات الجسدية للمعارضين والمحتجين في وجه سياساتها، والتصدي لاسترخاص حياة الإنسان بهذا الوطن المنهك من عبء الاستبداد والقهر والقتل، وحماية أيضاً لأرواح الأبرياء التي تفترسهم مثل هذه القوانين القاتلة، ولكي لا يتمكن الجناة من الإفلات من العقاب تحت حجة أنهم كانوا يطبقون القانون!!..(ولله الحجة البالغة)