يتمرأى الاستاذ المفكر الدكتور عبد السلام نور الدين في مشهد الثقافة العربية بوصفه ركناً من أركان السؤال والتساؤل .. المقرون بقدر كبير من الاستسبار والروية، والشاهد ان الدكتور عبد السلام نور الدين من جيل الفحول الذين لا يتنازلون عن معطيات الحقيقة، ويذهبون بعيداً في السير مع تضاريسها الصعبة، ولايتورعون عن تنكُّب مشقّة الإبحار في مجرى السيول الطاغية والفيضانات العارمة، ولهذا السبب بالذات كان نتاجه الفكري نابشاً صارخاً لأنه يضع النقاط على الحروف حول مثالب تاريخنا وثقافتنا.. ويتواشج مع التاريخ ومعطياته التي كالزمان وخارجه، وكالمكان وما يتجاوزه، ويعمل على إجلاء البُعد الآخر في تلك القامات والأسماء التي عرفناها بطريقة ما، وعرفها هو في آفاق متغايرة تنم عن مكاشفة صقيلة وشفافية صريحة، ولعل المتنبي والامام محمد بن حامد الغزالي خير مثالين على مقارباته المفارقة لما عهدناه من توصيفات ورؤى في الزمن الثقافي العربي، وقبل حين من الزمن كانت له قراءة متميزة للحلاج وطواسينه وشعره، والحال فإن تدوينات عبدالسلام نور الدين عن التاريخ وتقلباته تجد رجع صداها في علوم الرأي والكلام، كما في ثنائيات الرؤية للحال والمآل، مما شكل منطقة كبرى في تاريخ الفكر العربي الموصول باجتهاد الفقهاء والعلماء والفلاسفة، والحاضر في أيامنا حضوراً أُفقياً ورأسياً مؤكداً. قبل حين استمعت إلى محاضرة له حول “جدل الثابت والمُتغير في تاريخ الثقافة العربية “، وفي مقاربة تنفسح على مدارس فكرية تتبارى بصورة حميدة، وأزهار تتفتح دونما توقف، فالأصل في حوار الفكر الجاد أن يكون بنّاءً وموصولاً بنواميس الكون والوجود، وان نستجلي من أحوال تاريخنا وتفاصيله الوافرة ما يسعفنا على السفر في دروب المعاني والبوارق. الدكتور عبدالسلام نور الدين اسم عرفناه محاضراً في جامعتي صنعاء وعدن، ومتفاعلاً مع الساحة الثقافية اليمنية تفاعلاً يمانياً بامتياز، فهو السوداني اليماني العتيد في معرفته التفصيلية للحالة اليمنية بالمعاني التاريخية والفكرية والثقافية والفنية، ومن اللافت أن استشهاداته في المحاضرة التي أومأنا اليها كانت تصب غالباً في مجرى استنطاق جدل الثابت والمنغير في الثقافة العربية مع إشارات يمانية دالة .