ثقافة الشعوب هي من يحدد مستويات وعيها، وهي الصفة الحضارية التي تقيس حدود المسافة التي تفصل العقل عن الواقع لديها، كما أنها الميزان الذي يزن مقدار القدرة المحددة على أية أرضية تقف من الإدراك والموضوعية. فالثقافة إن وجدت كعامل إنتاج للمعرفة، انتجت بدورها المجتمع المدني والذي لا يكون وليد القرارات السياسية فقط، بل هو تراكم للفهم ورسم جغرافية المعالم والمراحل التي تجتازها الشعوب من خلال التجارب وما تفرز في عمقها المادي والروحي الذي يوجد له كيانه الحامل لخصائص الهوية والانتماء لذلك المجتمع. والمجتمع المدني في تكونه ودوره في قيادة البلد لا يقف تعريفه عند الحدود السياسية، والمعاملات القانونية وغير هذا من صفات الدولة. بل هو ترابط عبر المفكرين الفرد والجماعة وتحديد درجات الالتقاء والاختلاف في الرؤية بين الأطراف ولكن في إطار يجعل للآخر حقاً في طرح تصوره ولكنه لا يلغي حضورك. قس على ذلك كل الحوارات والأفكار ومساحات الرأي عند الفرد أو عند العامة، وهنا تصبح العملية السياسية معرفة قبل أن تكون صناعة أمر، فالدولة هنا لا تتسلط ولكن تحكم في إطار مؤسسات المجتمع المدني التي تجعل من رجل الدولة حامل مسؤولية وليس قائد سجن. عندما تتحول الدولة من مؤسسة مدنية إلى قوة قهر فهي تكون قد حملت جرثومة موتها في داخلها لأن التاريخ قد برهن على أن قيادة الشعوب غير تدميرها وشعب سقطت منه كرامة الإنسانية لا يستعيدها إلا بكسر صنم الدولة وهو حاجز الخوف، تلك المسافة الفاصلة بين ميلاد الشعوب أو سقوطها في بحيرة الرماد التي تجب عن بصيرتها حقيقة، أن الشعوب لا تقهر، فهي قد تعاني من الخوف وقد يمر عليها زمن من الاستسلام وربما تعيش فترات من التصالح مع الفساد والظلم، غير أنها لا تبقى في هذا النفي إلى الأبد. إن المجتمع المدني هو من ينقذ الدولة من السقوط في متاهات السلطة مثل عبادة الفرد، وتحويل المذهبية والمناطقية فئة أو جماعة على العامة من الناس، والنظر إلى ثروات الوطن على أنها مجرد استحواذ فردي أو تسخيرها لخدمة حزب أو طائفة. ذلك ما ترفضه الدولة المدنية لأنها قائمة على الإدارة أولاً والسياسة في عرفها هي فن إدارة العمل السياسي، وهنا تأتي الثقافة كمرتكز أول في التعامل مع مقومات بناء المجتمع في كل أساليب وجوده من الاقتصاد ومعنى حقوق المواطنة وصياغة القوانين وحرية الرأي والتحاور مع الأحزاب والقيادات ومعرفة درجات الوعي حتى توجد الكلمات التي عبرها تصل أفكار العمل السياسي إلى الجميع، وفي هذا ما يسقط القطيعة بين المواطن والدولة، حتى لو هناك خلافات تكون مؤسسات المجتمع المدني قد خلقت لديها أسساً وقوانين ومعالم موضوعية تجعل الكل يحتكم إليها فلا يوجد أحد فوق القانون. إن كل مجتمع ما يجعله ينتج شروط قيام مؤسسات المجتمع المدني، فهي تمر بمراحل من التطور والحسابات المتعددة والاجتهادات المعرفية الواسعة، وربما هذا يأخذ عقوداً من الزمن حتى تتجاوز الأمة عدة حالات من العجز ورفض رأي الآخر والانفراد بالعمل السياسي، ولكنها تكون قد بدأت تخطو نحو صياغة عقلية تواكب ما توصلت إليه دول وشعوب أصبح العمل السياسي لديها تصنعه مؤسسات العلم والمعرفة والثقافة، وما رجل الدولة في هذا المجال سوى صاحب وظيفة لا يصل إليها إلا عبر أسس وقوانين وله فترة زمنية معينة فإن مرت ترك كل امتيازات السلطة وعاد إلى صفوف الشعب يمارس العمل السياسي عبر مؤسسات المجتمع المدني. ذلك يقدم لنا صورة بأن السياسة لديهم عبارة عن ثقافة ووعي وإدراك لمعنى أن تصبح رجل دولة، ثم تعود مرة أخرى إلى وضعك بين العامة من أفراد الشعب، لأن الدولة لا تضربها هزات خروج الحاكم لأنها تدار عبر مؤسسات المجتمع المدني، والثقافة هي من يحدد المسافات بين ما هو سياسي وفن إدارة العمل السياسي. رابط المقال على الفيس بوك