المجلس الانتقالي الجنوبي يتبرأ من المحامي يحيى غالب الشعيبي بعد التحريض الواضح بالقتل ل بن لزرق بالقتل    مدير عام ردفان الجديد يبدأ اول اجتماعاته    ويسلي سنايدر ... دي يونغ اختار القرار المناسب في الانضمام الى برشلونة الاسباني    يركعون أمامه.. شاهد: ردة فعل وزراء حكومة كوريا الشمالية بعد ظهور كيم أمامهم    بالفيديو: هند القحطاني ترقص هي وبناتها على التيك توك    حقيقة مخالفة عدم ارتداء الكمام داخل المركبة في السعودية    بعد تقدم قوات حكومة الوفاق وتراجع حفتر الامارات تحدد موقفها من التطورات المتسارعة في ليبيا    بن لزرق عين الحقيقة لن تنطفئ    باريس سان جيرمان يرفض التجديد لتياغو سيلفا    محلل عسكري: اذا حررنا البلاد من الحوثي وأعطيناها الاخوان كانك ما غزيت    قائد قوات خفر السواحل يناقش مع رئيس هيئة المصائد السمكية بالبحر العربي آلية تنفيذ لائحة الصيد التقليدية ضد المخالفين    الحوثيون يجرون تعديل على قانون الزكاة الصادر عام 1999م يمنحهم 20% " الخمس " للسلاليين (القانون)    استنكار وغضب واسع في اليمن من قانون "الخمس" الحوثي    رئيس منتدى التصالح والتسامح الجنوبي يدين ويستنكر ما تعرض له الإعلامي فتحي بن لزرق من تهديد بالقتل    اللجنة الوطنية لمواجهة وباء كورونا تعلن آخرالمستجدات    وفاة أبرز استشاري للأمراض البطانية في عدن متأثرا بإصابته بفيروس بكورونا (صورة )    في مؤشر كارثي .. انهيار متسارع للريال اليمني أمام العملات الأجنبية    تعزيزات عسكرية جديدة تصل إلى جبهات القتال في محافظة أبين (تفاصيل)    الحوثيون: الزكاة لنا.. ونشطاء وساسة يعلقون على مخطط تكريس العنصرية والطائفية    مدفعية الجيش تدك مواقع وتعزيزات لميليشيا الحوثي شرقي صنعاء وتؤكد تحرير سبعة مواقع جديدة    أسعار النفط تتخلى عن مكاسبها.. برنت يهبط 2.6%    طلبت السفر قبلها بيومين.. شاهد: تفاصيل حادثة حرق خادمة لمسنة في السعودية    دولة عربية تسجل أكبر عدد للوفيات بفيروس كورونا في العالم العربي    طيران العدوان يقصف مأرب ب40 غارة    أول تعليق من امير عسير بعد القبض على يمني قتل شيخ قبائل سنحان السعودية    تحطم طائرة عسكرية أمريكية في العراق    لوف يؤكد ... لياقة اللاعبين البدنية لن تتراجع اذا عادو للتمارين من جديد    خلافات حادة بصفوف مليشيا الانتقالي في أبين    الانتر يرفض رحيل بروزوفيتش الى ليفربول الانجليزي    رئيس المؤتمر يعزي القيادي يحيى نوري    نائب وزير التعليم الفني يبعث برقية عزاء ومواساه بوفاة رجل الاعمال عبدالسلام باثواب    ارتفاع غير مسبوق ومحلات صرافة تغلق أبوابها.. آخر تحديث لسعر صرف الريال اليمني أمام الدولار والسعودي    مدير إعلام المحفد يعزي بوفاة والدة مدير مكتب إعلام زنجبار    حدث مؤسف اليوم في صنعاء.. سقوط أبرياء جدد "بسبب" جشع الحوثي -(تفاصيل)    وزير الصحة: الوضع الصحي في البلاد لا يسر    الكشف عن ثغرة خطيرة جدا في واتساب تجعل رقم هاتفك متاحا على هذه المنصة الخطرة    التطمين الحوثي الوحيد للشعب: المقابر جاهزة!!    الدولار يتجاوز ال 730 ...انهيار كبير للريال اليمني امام العملات الاجنبية ...اخر التحديثات    روسيا: مبادرة مصر يجب أن تكون أساس المفاوضات بين الليبيين    ما فوق فخر المرء في أرضه فخرُ (شعر)    بن دغر: قانون الخمس «الحوثي» تعبير أكثر وضوحاً عن «عنصرية» سلالية مقيتة!!    مليشيا الحوثي تقر قانون الخُمس الذي يتيح لبني هاشم الاستيلاء على20% من املاك كل يمني    اشتراكي الحديدة ينعي الرفيق المناضل محمد احمد فارع النجادة    صلاح يثير قلق كلوب قبل عودة البريميرليج    محلي المنصورة ينجح في الحصول على خمس مشاريع للبنى التحتية من صندوق التنمية الاجتماعي    مطار سيئون يستقل ثالث رحلة للعالقين اليمنيين في الأردن    نصف مليون مستفيد من حملة «عدن أجمل» في 62 يوماً    الكاظمي يعين رئيس قضاء التحقيق مع صدام حسين مديرا لمكتبه    تعز!!    إصلاح ذمار يعزي في وفاة والد الشهيد الصحفي عبدالله قابل بعد خروجه من معتقلات المليشيا    مصدر في كهرباء عدن يحذر من نفاذ وقود الكهرباء والقادم سيء    سيتين يعلن موقف ميسي من مواجهة مايوركا    سيتين يعلن موقف ميسي من مواجهة مايوركا    مورينيو يحدد هدفه الأول في الميركاتو    تزوجتُ سُنبلة!!    تكليف قائد كشفي مديرأ لمديرية ردفان    نرمين الفقي تكشف مواصفات فتى أحلامها وسر عدم زواجها (فيديو)    على البحر.. جيهان خليل تخطف أنظار السوشيال ميديا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نص ورقة الدكتور فؤاد الصلاحي المقدمة إلى المؤتمر الوطني " اليمن إلى أين؟"
نشر في التغيير يوم 30 - 01 - 2012

صنعاء- خاص: نص ورقة الدكتور فؤاد الصلاحي المقدمة إلى المؤتمر الوطني " اليمن إلى أين ؟ الذي عقد في العاصمة المصرية القاهرة خلال الفترة من 23- 24 يناير 2012، والذي نظمه مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان في اليمن بالتعاون مع المنظمة العربية لحقوق الإنسان:
أ.د/ فؤاد الصلاحى
أستاذ علم الاجتماع السياسي
المحتويات
مدخل..................................................................................
اشكالية العبور..لماذا.؟ا.................................................................
مفهوم الدولة المدنية :..................................................................
مسار العبور إلى الدولة المدنية :........................................................
نظام برلماني على قاعدة فيدرالية :....................................................
الحامل الاجتماعي والبنيوي للدولة المدنية :.............................................
المشروع السياسي للدولة المدنية في اليمن (المسار والرؤية)............................
خاتمة :...............................................................................
•اقتراح بوثيقة الموجهات العامة لتحديد الإطار الدستور للدولة المدنية في اليمن:.......
مدخل:
يمر اليمن اليوم بمنعطف تاريخي غير مسبوق ويشكل نقطة فاصلة بين مسارين ومرحلتين ان توجت الثانية بالنجاح فالعبور إلى الدولة المدنية هو المسلك المعتمد في خروج اليمن من مرحلة الضرورة ومنظومتها البنيوية الى مرحلة التحرر ومنظومتها في البناء المدني ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ووفقا لذلك تأرجح اليمنيون في مسار العبور إلى الدولة المدنية أكثر من أربعة عقود كانت النخب السياسية تعمل على إعاقة هذا المسار في حين كان المجتمع او قطاعا كبيرا منه ومن نخبه المدنية ترنو بأفقها نحو ذلك الهدف الذي يغلق أمامها بفعل محددات السياسة الشطرية حينا والسياسة بمحدداتها العصبوية حينا أخر وبفعل محددات خارجية إقليمية لا ترغب لليمنيين بالخروج من مجتمع اللادولة واللحاق بركب التطور الحضاري في إطار الدولة وضوابطها المدنية اتساقا مع جيرانه و أزعومتهم بأصلانية مجتمع اللادولة وعدم مفارقته.
وهنا يتميز اليمنيون عن جيرانهم ليس بتوقهم للبناء الدولتي وفق محددات عصرية بل وبإعادة إنتاج ارثهم الحضاري وخبراتهم في بناء الدولة وهندسة الجغرافيا لتتلائم واحتياجات السكان من خلال المدرجات والسدود واليوم تظهر احتياجات أخرى تستدعى هندسة أوسع واشمل في إطار إعادة بناء الدولة وأدوارها في المجتمع في إطار مسار سياسي جديد يعتمد الديمقراطية والمواطنة والقانون مرتكزات لبناء الدولة ومشاركة المجتمع وتمثيله السياسي وتوسيع فضاء الحريات العامة وممكنات فاعلية الأفراد في المجتمع.
وهنا جاءت ثورة الشباب والتحام المجتمع معها راسمين اصطفافا مجتمعيا لا سابق له في دلالاته المعبرة عن رغبتهم في الانعتاق من أدوات القهر والاستغلال نحول دولة مدنية تتسع معها فضاءات الحرية والممارسات الإبداعية وما تتضمنه من أهداف في إعادة رسم مفهوم الدولة وحدودها ووظيفتها مع إعادة إحياء دور المجتمع وتوسيع ممكنات الفعل الشعبي ضمن فيدرالية تعيد الاعتبار للمحليات في إطار نمط جديد من العلاقات والتفاعلات المشرعنة دستوريا بين مركز الدولة وقواعدها المجتمعية.
إشكالية العبور:
بالرغم من ان اليمنيون قد أنجزوا خلال المائة عام الأخيرة أربع ثورات شكلت ملمحا لقدرات الأفراد في فعلهم الجماعي من إضعاف مرتكزات التسلط والحكم الشمولي إلا أن الثقافة السياسية لا تزال محكومة بمنظومة من العادات والتقاليد السابقة لثقافة الدولة والمسحوبة من مرحلة الضرورة وعصبوياتها. ووفقا لذلك تلاقت أفكار التقليدية السياسية المصحوبة من خارج اليمن مع تقاليد وعادات القبيلة وازعوماتها ليشكلا معا إعاقة للوعي الفردي والجمعي من العبور الى الدولة المدنية بازعومة أن المدنية مفارقة لأصلانية المجتمع ومناهضة لطبائعه وهنا كانت العقبة الأولى في مسار العبور تلاها عقبات أخرى تم اصطناعها من قبل النخب الحاكمة وهي في مجملها كانت لا ترغب في هذا المسار لان واقعها السائد هو من يمنحها استملاك للسلطة والثروة وفق مرجعيات جهوية مفارقة لمنطق الدولة والياتها المؤسسية والقانونية..
ووفقا لذلك شهد اليمن صراعا في تحديد مسار العبور بين مشروعين سياسيين احدهما يريد السلطة والثروة وفق منطق الغنيمة والأستقوا بالغلبة والأخر يريد دولة مدنية وفق منطق الدستور والقانون .. وكان المشروع الثاني ذو قاعدة عريضة في شمال وجنوب اليمن لكنها غير منظمة تعاني من تأرجح قناعات الأفراد ويقينيتهم في غايات العبور وحوامله البنيوية الأمر الذي تمكن معه أصحاب المشروع السلطوي والغنيمة بإحكام سيطرتهم على ممكنات البناء السياسي رغم حداثة نشأتها وذهبت تصطنع لها مشروعيات شعبوية حينا وقانونية حينا أخر حتى جاءت ثورات الربيع العربي فألهمت الشباب والمجتمع بمسار جديد للعبور نحو الدولة المدنية.
ومعنى ذلك إننا في اليمن لا خيارات امامنا متاحة للعبور نحو الدولة المدنية الا وفقا لمنطق الثورة وفلسفته و إلا فالعقبات كثيرة من الداخل والخارج.. ففي الداخل انتصرت القبيلة على الوطن بقدرتها استملاك الدولة ومواردها في الثروة الوطنية مع إقصاء المجتمع من شراكته في العملية الإنتاجية والسياسية وذهب الحاكم ومجموعاته المتحالف معها الى تعميم ثقافة القبيلة بازعومة اصلانيتها وشموليتها في المجتمع وافرز ذلك مناخا مناسبا لمشروع سلفي مضاد للدولة المدنية وثقافتها وهنا كان التحالف بين مختلف القوى التي تلتقي عند منطق الغنيمة والاستملاك السياسي للدولة وعند تعظيم القبيلة وجعلها اصل المجتمع وهنا ظهرت برجوازية طفيلية من هذا التحالف تعمل في إطار مشروعه السياسي والثقافي لأنها تقود وتدير مؤسساته الاقتصادية برأسمال منزوع عنوة من المال العام مع تمويل إقليمي يعزز من الوجود الاجتماعي والسياسي لهذا التحالف وهكذا تم إعاقة العبور إلى الدولة المدنية منذ ستينات القرن الماضي حينها كنا وكان اليمن في أعتاب مرحلة العبور ضمن مسار ثوري في شطري اليمن فكانت الشطرية إعلانا بتوقيف مسار العبور خاصة وإنها قد ارتبطت بالشمولية وغياب الديمقراطية بالرغم من حداثوية الخطاب والنهج السياسي في الجنوب وتقليديته في الشمال.
مفهوم الدولة المدنية :
للدولة المدنية مسار تاريخي في التشكل فهي لا تأتي بين يوم وليلة ولكنها تعبر عن مسار تطوري يمر به المجتمع يعاد فيه بناء المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفقا لمتغيرات مؤسسية وثقافية وقانونية يتسع مداها في إطار اتساع التكتل الاجتماعي الحامل لمشروع الدولة المدنية وهو تكتل لقوى الحداثة والتغيير يرنو إلى تجاوز حالة التقليدية وأبنيتها نحو آفاق رحبة في البناء السياسي وفق منظومة حداثية تكتمل في نضوج وعي الأفراد ونضوج حواملهم البنيوية.
ولذا فان التحديد الدقيق لمفهوم الدولة المدنية لا يتأتى من خلال جملة تحدد المعنى الشكلي للمفهوم بل لابد من الإلمام بالدلالات والرموز لهذه الدولة ناهيك عن مرتكزاتها وأبنيتها إضافة إلى خطابها..وقد جرى سجالا واسعا بين أوساط النخبة السياسية وبين أوساط الشباب وكل الفاعلون في ساحات التغيير حول مفهوم الدولة المدنية ودلالاته وبالخصوص علاقاتها بالدين من حيث التساؤل عن التضاد مع الدين أم الالتقاء معه.. وهل هذه الدولة علمانية بالأساس أم أن ا لأخيرة صفة غير أساسية في الدولة المدنية..ولكن الجميع كانوا يرددون شعار الدولة المدنية ويربطونها بالمواطنة ودولة القانون وهي رغبات وتمنيات تعكس وعيهم بتغييب القانون وإضعاف مرتكزات الدولة في اطار نظام سياسي يريدون الثورة عليه وتجاوزه.. والاهم هنا وعي الشباب والكثير من أبناء المجتمع ورغبتهم في تجاوز الانتماءات المذهبية والقبلية التي عمد النظام السابق في تغذيتها وتعميمها بغية تمزيق المجتمع وإدخاله في حروب اجتماعية متعددة.
والدولة المدنية في سياق تشكلها التاريخي ارتبطت بتجربة المجتمع الغربي في مساراته المتعددة تارة في مسار الإصلاح الديني وإبعاد الكنيسة عن تدخلها في الشأن المدني والفردي للمواطن وتارة في مسار البناء الحداثي للدولة واعتماد القانون مسطرة لتحديد الحقوق والواجبات دون تمييز وارتباط بمتغيرات الثورة الصناعية والثورة السياسية والإصلاح الديني جميعها ترتب عليها إنهاء المجتمع الإقطاعي وبروز مجتمع حديث ببنائه السياسي والاقتصادي وبتعزيز فردانية المواطن وتعزيز مواطنيته وهنا كان الدستور هو الوثيقة الأساسية في تحديد بناء الدولة وارتكازها على مبدءا المواطنة.. ولترسيخ هذا الأمر كان لابد من الممارسة الديمقراطية التي تجعل المواطن شريكا في صنع السياسات وإدارة الشأن العام. وبعرض موجز يمكننا تقريب الصورة بمفهوم الدولة المدنية من خلال الأعمدة الستة ألأساسية التي لابد من توافرها حتى يمكن القول بدولة مدنية وهي :
1. المواطنة المتساوية
2. القانون
3. الديمقراطية
4. العلم
5. التنمية والعدالة الاجتماعية
6. تمكين المرأة
وجميعها مترابطة مع بعضها البعض فلا يمكن حضور واحدا منها دون الأخر..فالمواطنة كمفهوم وكعملية كي تتجسد في واقع متحقق يلمسه أفراد المجتمع تتطلب قانون ينص عليها ويحميها من الانتهاكات ولكي تكون القوانين معبرة عن المجتمع لابد من الديمقراطية ليتمكن المجتمع من المشاركة في صياغة التشريعات الناظمة لحقوقه.. وهذه الدولة لا يمكن ان تكون معادية للعلم بل داعية له باعتباره ركنا من أركانها،، فالدولة المدنية تعتمد على عقلانية الأفراد في اتخاذ القرارات وهنا لابد من المعرفة والثقافة المؤسسة لوعي الأفراد.. ووفقا لذلك لابد ان تكون هذه الدولة منتجة للخيرات وهي لذلك دولة إنمائية تتوزع خيراتها بالعدل على مختلف التجمعات السكانية وينالها كل الأفراد وأخيرا فان الدولة المدنية تعتمد تمكين المرأة للمشاركة في إدارة الشأن العام فلا يمكن ان تنهض المجتمعات ونصف طاقاتها معطلة. هنا فقط تتبلور ملامح الإنسان الفاعل والمنتج والعقلاني كي يرسم مساره في سياق حضارة عالمية لا مجال فيها إلا للدول المدنية ومادون ذلك من التكوينات البدائية تجعل من أصحابها خارج التاريخ.
والسؤال هل يمكن بناء الدولة المدنية في اليمن ؟ أي في واقع اجتماعي واقتصادي متخلف ؟ أي في واقع ينتمي إلى مرحلة ما قبل الرأسمالية ؟ الجواب نعم يمكن تحقيق ذلك ففي المجتمع اليمني إرهاصات لتشكل طبقات حديثة وفيه مجموعات فاعلة وفق استيعابها لمفهوم الدولة المدنية والاهم هنا هو ان بناء هذه الدولة ذو طابع تدرجي قد تأتي دفعة واحدة ولكنها تتحقق بنسب معقولة في كل المجالات السالفة الذكر..ونشير هنا إلى التدرجية بمعني ليس ان تأتي المؤسسات وتغيب الديمقراطية أو تتحقق الآليات القانونية وتغيب التنمية ونتجاهل مشاركة المرأة .. ليس هذا ما نروم التعبير عنه بل نقصد أن تأتي جميع صفاتها ومرتكزاتها معا وتتطور مساراتها تدريجيا..
والاهم هنا هو السؤال التالي ؟ لماذا ندعو إلى الدولة المدنية ؟ والجواب ان دعوتنا ليست من باب الترف الفكري بل تعبيرا عن حاجة موضوعية وذاتية للمجتمع اليمني. فهذا الأخير قد شهد صراعات متعددة قبلية ومذهبية ومناطقية وتحت مسميات الدولة والجمهورية والوحدة وجميعها كانت تعبيرا واضحا عن ضعف الدولة وهشاشة مؤسساتها.. ولان القاعدة الاجتماعية للدولة كبيرة وذات ارث تاريخي في مجال التنظيم السياسي والمؤسسي فانه وجوب إخراج اليمن من حالته الراهنة لا يكون إلا من خلال بناء دولة مدنية مؤسسية وديمقراطية ويتم معها القطع البنيوي مع مراحل سابقة من البني والمؤسسات التي زاحمت الدولة مجالها ووظيفتها.
ونحن اليوم في إطار ثورة الشباب والشعب إنما نجسد بدعوتنا هذه لبناء الدولة المدنية أهداف وتطلعات الملايين من أبناء الشعب برغبتهم ألانعتاق من اسر القبيلة والطائفة والتمذهب وعقلية الغنيمة إلى فضاء مدني تتسع فيه ومعه فضاءات الحرية و تترسخ مواطنية الإنسان بعيدا عن مرجعياتها العصبوية.
ومع ذلك ذهب المعادون لمفهوم الدولة المدنية في الربط بينها وبين العلمانية وقالوا بان من يدعو إلى الدولة المدنية في اليمن هو يدعو إلى العلمانية.. وهذه الأخيرة في حمولتها التاريخية دلالات سلبية تعني فصل الدين عن الدولة..وهذا مردود عليه فالعلمانية لا تعني سوي فصل مؤسسات الدين عن مؤسسات السياسة وهو فصل وظيفي بين مؤسستين وتمنع استخدام السياسة للدين.
فلا يجوز تسييس الدين وجعله آلية في الصراعات بين الأحزاب والأفراد ولا يجوز منح بعض الأفراد صفات قداسة لأنهم يرون في أنفسهم متحدثين باسم الدين وهذا أمر لا يقره الإسلام ولا يعترف به .. فليس في الإسلام من رجال للدين ولا أوصيا يحتكرون الإفتاء دون غيرهم ممن توافر فيهم شروط علمية ومعرفية يتم اكتسابها بالتدريب والدراسة والاجتهاد. وأخيرا فالدولة المدنية ليست معادية للإسلام ولا لأي دين بل هي مناصرة للأديان وتمنحها استقلالية حقيقية بحيث تمنع استخدامها لأغراض سياسية ولا تزدهر الأديان ويزدهر التدين إلا في فضاءات الحرية والعقلانية التي تتبلور في سياق الدولة المدنية..
مسار العبور إلى الدولة المدنية :
منذ بداية القرن الماضي واليمنيون يناضلون في سبيل بناء دولة مواطنة تشكل الرافعة السياسية للمجتمع من ارتباطاته الجهوية والمذهبية والقبلية وكانت جزء اصيلا في خطاب الحركة الوطنية التي ظهرت في منتصف الثلاثينات من القرن ذاته وتزايد الوعي بها من خلال الحركة الوطنية في تشكلاتها الحزبية والجبهوية منذ الخمسينات وانفجار الثورات في الشمال والجنوب..
وهنا ظهر خطاب سياسي جديد يدعو لدولة المساواة والحريات والقانون ولكن هذا المسار اعترضته معوقات كثيرة داخلية وخارجية ذاتية وموضوعيه اهمها انقسام النخب السياسية وغياب التجانس فيما بينها مما ألقى بضلال وفيرة على فكرة الدولة ومسارها فظهرت دعوات للدولة الإسلامية وأخرى لا عادة الملكية بصورة متغيرة وثالثة استمرت في نهجها الثوري يقول بدولة ذات نظام جمهوري .. ومع كل ذلك تعرج مسار الدولة بل وتوقف حينا من الوقت وهنا تمكنت القوى المضادة للثورة بالتعاون مع الخارج الإقليمي والدولي من إفراغ الثورة من تقدميتها ومن مشروعها السياسي والاكتفاء بصورة شكلانية لجمهورية يديرها اليمين الجمهوري أولا ثم تسلمت القوى التقليدية (القبلية والأصولية) في إطار تحالفانها مع العسكر والجماعات الدينية زمام الأمور وابرز ملامح هذا التحالف ذلك الذي ظهر مع الرئيس صالح منذ 78 وحتى 2011..
وفي السنوات الأولى للثورة في الشمال أجهزت القوى المتحالفة على حوامل الثورة من القوى التقدمية والقومية والمستنيرة من الحداثيين ودخلت الدولة في الجنوب في أزمات الثقة بين مكونات النظام على خلفيات ما قبل وطنية تفجرت معها الصراعات المتعددة التي أضعفت البناء السياسي وهزت مشروعيته في أوساط المجتمع مما جعله عرضة للصفقات السياسية التي ارتبطت بدولة الوحدة عام 90 وكانت النتيجة الإجهاز على فكرة الدولة المدنية والبنى الحزبية والجمعوية الداعية لها.. وهنا كان القهر الجمعي لهذه القوى كبيرا مما دفعهم للمساكنة مع النظام التقليدي وفق محدداته سياسيا وقانونيا بل واقتصاديا.. وفي هذا المسار ظهرت حركات احتجاج مطلبية ونقابية وفئوية سرعان ما ربطت بين مطالبها ومطالب سياسية وطنية هنا اظهر الفاعلون غير الرسميون في البلاد قوة سياسية مقررة في الشأن العام تمظهرت من خلال تحديها للنظام ونزولها للميادين العامة بل واحتلالها تلك الميادين وسرعان ما تزايد الاستقطاب الاجتماعي المناهض للنظام وبدأت تتبلور بشكل واع شعارات تدعو للدولة المدنية والمواطنة ودولة القانون.. وهنا اخذ المسار بعدا وزخما جديدا في إطار مسارات عربية مماثلة ألهمت اليمنيين في الدفع بمسارهم خطوات نحو الفعل الثوري ورفع سقف مطالبهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا..
في هذا السياق يمكن القول.. ان المجتمع اليمنى المعاصر يمر حاليا بمرحله انتقاليه نحو التأسيس للدولة المدنية وهى مرحله هامه وخطيرة، مليئة بالمتغيرات ومفتوحة لاحتمالات كثيرة، ولذلك لابد من تجاوزها بنجاح، فخطورة هذه المرحلة تكمن في أنها تؤسس وتضع القواعد والمرتكزات للمستقبل. وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تهيئ الأفراد والجماعات ثقافيا وسيكولوجيا وتضع الأسس اللازمة للولوج إلى الدولة المدنية رغم الإدراك بمخاطر جمة تعترض هذا المسار.
ولما كان الواقع اليمنى كما تشكل تاريخيا لا يعرف التنظيم المؤسسي ومحدداته التعاقدية ولا يعرف الديمقراطية في اى مرحلة من مراحل تطوره، فالثابت هو حياته ضمن تكوينات عصبوية تعكس طبيعة البداوة في النشاط الإنتاجي ومنظومة الثقافة غير المكتوبة ومعنى ذلك ان مجتمع اللادولة هو الثابت في تاريخنا ولا تزال كثير من خصائصه وصفاته تميز طبيعة الدولة والمجتمع حاليا. من تلك الخصائص تميز النظام السياسي (والنخبة الحاكمة) في الماضي كما في الحاضر باحتكار مصادر السلطة والثروة وتثبيت الرؤى الأحادية التقليدية، إضافة إلى ادعاء النخبة الحاكمة قديما وحديثا حق إدارة جميع شؤون المجتمع (ان تتسيد على المجتمع وتقهره). وهنا يكون القول بان الدعوة الى الدولة الحديثة وبروز مساراتها منذ أربعة عقود (مع الوعي بعدم اكتمال نموها وتطورها) لم تنجح بتجاوز مجتمع اللادولة (بنيويا ومعرفيا) اى إخفاقها بإعادة تنظيم المجتمع ومأسسة تشكلاته السياسية. فالسائد ليس دولة حديثة بل تتظاهر بمظهر الدولة الحديثة وجوهرها دولة سلطانية مملوكية. وهنا تبلور الإدراك والوعي الكاملين في أهداف الثورة الشبابية والشعبية التي كشفت زيف النظام السياسي وتحالفاته وكان شعارها دولة مدنية تتجاوز التحالفات العصبوية ومرجعياتها اللاهوتية.
فما يجمع تجارب الشطرين في اليمن قبل عام 90 بالرغم من اختلاف المسارات التاريخية التى مرت بها هو أن الدولة لم تكتسب شرعية حقيقية، والنظام السياسي خاصة في الشمال اتصف بكونه نظام عصبوى يكبح حركية التطور المتراكم في مختلف المجالات. وكان واقع المجتمع يعكس تزايد القوى الاجتماعية والسياسية التي ترغب في الديمقراطية وترى فيها حضورا ممكنا وفي المقابل كان هناك القوى المضادة التى ترغب في نفى الحضور الديمقراطي وتخلق إمام تشكله ممانعات عدة.
معنى ذلك ان الواقع السوسيولوجى للدولة في اليمن لا يزال يبدي ارتباطا ضعيفا بالمسار الحداثي للدولة مقابل قوة الارتباط بأبنيته الجهوية والقبلية..اى أن منظومة الثقافة المدنية الحديثة التي تشكل الإطار الابيستمولوجى للدولة المدنية لا تزال تحاول أن تؤسس لها وجود قانوني ومعرفي وسلوكي في أرض الواقع، حيث لا يزال هؤلاء يرتبطون عاطفياً ومعرفياً بالمؤسسات التقليدية ومنظومتها القيمية. هنا نجد المفارقة العجيبة فبدلا من ان تنحاز الأحزاب لتدعيم مسار الدولة المدنية فانها تعمل (خاصة الأحزاب التقليدية والدينة) على التوظيف السياسي للعصبيات التقليدية باعتبارها آلية لتنظيم مصالحها الخاصة وفرض وجودها السياسي في المجال العام،، مع العلم ان البنى العصبوية ومنظومتها الثقافية تعتبر نقيضا للحداثة السياسية في تشكلاتها ضمن مفهومي الوطن والمواطنة. وتكمن دلالة ذلك في تغييب مقصود للركائز والمقومات الأساسية التي تنهض عليها الدولة المدنية من خلال خلق وعي ضدي يكبح تموضع الحداثة السياسية وتشكلاتها بنيويا ومعرفيا بحجة عدم ملاءمتها لخصوصية المجتمع وأصلانيته المزعومة.
صفوة القول ان تحقيق بنا الدولة المدنية يتطلب التحول (تحول السلطة والمعارضة) من رفع الشعارات المرتبطة بفكرة الدولة ومفهومها إلى مرحلة العمل الواقعي المعاش من اجل تحول تلك الشعارات من أفكار ونماذج تصوريه إلى خدمات وممارسات ملموسة، وذلك يعنى ضرورة وجود حركة اجتماعية منظمة وفاعلة (تكتل لقوى التحديث والديمقراطية) تسهم في ترسيخ التحول السياسي في سياق عام يتشكل معه وفى إطاره مفهوم المواطنة كنمط جديد للعلاقات بين أفراد المجتمع. إن الدولة اليمنية إذا أرادت أن تكون وطنية فهي تحتاج إلى أفراد متساوين في الحقوق وتقوم الفوارق بينهم على أساس اجتماعي واقتصادي يتجاوز الانتماء المناطقي والمذهبي، فتكون الدولة جهازا مفتوحا لحركة الصعود والهبوط بمعايير السياسة والكفاءة لا وفقاً لشعائر وطقوس التكوينات السابقة على الدولة. فهذه الأخيرة يقوم بنائها على المواطنة المؤسسة على الحرية وعلى تحويل الدولة إلى طار جامع يتعامل مع أفراد الشعب بالتساوى وذلك يعنى ضرورة تخلص الدولة اليمنية من صفتها الجهوية واكتسابها صفة تجعل منها محور الإجماع الوطني ذلك أن وظيفة الدولة في عصرنا أصبحت مساعدة الجماعات التي تنطوي تحت لوائها على الاندماج الاجتماعي والسياسي في سياق التطور الحضاري العالمي.
الجدير بالذكر أن النظام السياسي اليمنى خلال المرحلة السابقة كان يتصف بكونه نظام عصبوى مغلق يعيد إنتاج مجاله السياسي الضيق ويكبح حركية التطور المتراكم في مختلف المجالات. ووفقا لذلك فشلت الدولة في مهامها الوظيفية والغائية مما ولد في المجتمع ردات فعل عميقة تبحث في ممكنات إعادة بناء الدولة وفق متغيرات العصر ومكتسبات حقوق الإنسان..
هنا كان شعار الثورة الشعبية في الدولة المدنية مظهرا مجددا في وعي المجتمع ومكتسباته من الثقافة السياسية الحديثة. وهنا اظهر المجتمع تصورا فكريا لمفهوم الدولة مفاده أن ديمومة مؤسسة الدولة تأتى من كونها الكيان السياسي القانوني الذي يستند إلى فكرة المشروع الحداثى الجاري تحقيقه فى المجتمع.. أي أن طبيعة الدولة تتقرر من خلال الكيفية التي تدير بها شؤون المجتمع. فالدولة تعتبر كيان اصطناعي أبدعه الفرد ليبقى دائما في خدمته ، ومعنى ذلك أن الدولة ليست غاية بحد ذاتها بل أهميتها تكمن في المهام التي تحققها للأفراد ( اى المهام الموكل إليها تنفيذها فى المجتمع) ولذلك فان علة وجود الدول تكمن فى تحقيق الحرية والمساواة والإنصاف، وهو ما يخلق الاستقرار السياسي والاجتماعي،، وهنا تكون الدولة فى اليمن مناقضة لأساس تشكلها وتشكل عدوانا عليه ولذا كانت الثورة لرد هذا العدوان على المجتمع.
في هذا السياق يمكن القول انه لنجاح التحول السياسي وبناء الديمقراطية في إطار المرحلة القادمة لابد وان تكون الدولة متعالية على التنظيمات القبلية والعشائرية والمذهبية وعليها العمل بجدية نحو تحويل الولاءات القبلية إلى ولاءات وطنيه عامه نحو الدولة ألمركزيه التي يجب أن تشكل الإطار المرجعي والرمزي لكل مواطن . بتعبير آخر يجب على الدولة أن تعمل على مركزة الولاء العام وطنيا وان تعقلن أدائها ونشاطاتها الإنمائية التي من خلالها يتحقق الولاء العام والاندماج الاجتماعي والسياسي .. وهو مسار طويل شكلت الثورة نقطة البداية فيه ولكننا لا نزال غير متيقنيين ممن سيقود الدولة بأنهم سيكملون هذا المسار أم ينحرفون عنه.
إن إشكالية العبور إلى الدولة المدنية في اليمن وتعثر خطواتها منذ أكثر من أربعة عقود إنما ارتبط وعبر عن أزمة عامه شكلت نتاجا لعملية الصراع السياسي بين تكتلين لاصطفاف اجتماعي، الأول تكتل حداثى يضم القوى الاجتماعية والسياسية التي تستوعب متغيرات العصر وتنظر إلى المستقبل وهى قادرة على استيعاب كل جديد وتطرح مشروعا حداثيا في بناء الدولة اليمنية حاضرا ومستقبلا. والأخر تكتل تقليدي يعبر عن قوى اجتماعيه وسياسيه تنظر إلى الماضي وتراه نموذج مناسب لبناء الدولة اليمنية حاضرا ومستقبلا. الأول يهدف إلى بناء دوله حديثه لكل أفراد المجتمع دون تمييز بينهم ، والأخر يهدف إلى بناء سلطه تحكم كافة أفراد المجتمع. ووفقا لهذا التكتل الأخير وهو الذي سيطر على نظام الدولة أكثر 33سنة أخذت الدولة معه تبدو في صورتين وشكلين للتعامل مع الداخل والخارج. فرغم كل ملامح التحديث التي تدعى أنها تعمل من خلالها إلا أنها تخفى وراء حداثتها دولة سلطانية مملوكية. فهي تتصف بكيانين (تتشابك وتتجاور علاقاتها وممارساتها) هما: الكيان الشرعي، الذي يتضمن المؤسسات الرسمية الحديثة والقوانين. الكيان الفعلي، الذي يعبر عن مراكز القوى التقليدية المؤثرة على صنع القرار السياسي. وهذا الأخير هو الذي يدير الدولة ويصنع قراراتها..ولان الدولة ليس لها مشروع سياسي وطني فالجماعات القبلية النافذة لها مشروعها الخاص المناقض لمشروع الدولة الوطنية الحديثة وهنا نفهم ضراوة الهجوم من هذه القوى نحو شباب الثورة والتنكيل بهم بل وإحراق ساحاتهم.
نظام برلماني على قاعدة فيدرالية :
تأسيسا على ما سبق فان المسار السياسي للدولة في اليمن يجب تغيير نظامه من رئاسي كان مولدا للاستبداد واستملاك الدولة إلى نظام برلماني يكون المنتخبون من الشعب هم الفاعلون في صناعة القرار من خلال مجلسهم النيابي ومن خلال وجودهم في السلطة التنفيذية المركزية والمحلية.. وعليه يتحقق التغيير هنا بشكل شامل من خلال دستور جديد يتواءم والنظام البرلماني وقانون حكم محلي يعتمد الفيدرالية خيارا ايجابيا في ترسيم ملامح الدولة وما يرافق ذلك من تغييرات في مختلف التشريعات والقوانين الأخرى المكملة لهذا المسار ومنها (قانون الانتخابات، قانون الأحزاب، قانون الصحافة،...) فالفيدرالية أتصور نجاحها وفق ثلاثة أقاليم بعواصمها الثلاثة صنعاء وتعز وعدن لتمثل شمال ووسط وجنوب اليمن ووفق ترابط جغرافي وإداري وتنموي هنا تتخلق إدارة محلية جديدة في إطار إدارة سياسية للدولة تبتعد عن ممارسات القوة والتسلط في إطار نظام رئاسي افسد الدولة والمجتمع في آن واحد..ولهذا نحن في اليمن أحوج ما نكون للخروج من عباءة النظام الرئاسي وما افرزه من سلبيات في الممارسة والخطاب وفي ذهنية الحاكم الذي يصل الى الرئاسة ولو بالصدفة ضمن لعبة سياسية إقليمية.
فالسائد حتى اليوم تضخيم صلاحيات الرئيس وهيمنته على مختلف السلطات وهنا تغيب الدولة..ولذا نحتاج إلى دولة بسلطات ثلاث تعمل متناسقة مع بعضها وتكمل بعضها بعضا لأنها ستكون ممثلة لمختلف القوى السياسية وستتسع فيها مجالات المشاركة الشعبية وسيكون للمحليات دور واسع في إدارة الشأن العام بمستويين الأول محلي ضمن نطاق المؤسسات المتشكلة ديمقراطيا والثاني مراقبة قوية لمركز الدولة وهنا يتخلق توازن بين الدولة والمجتمع تترسخ معه دولة القانون والمواطنة.
ونحن نحتاج للنظام البرلماني لنخرج من الإرث التاريخي لصنمية الشخص الواحد الذي تصنعه وسائل الإعلام وتسميه بالزعيم فتتضخم ذاتيته حتى يمنح نفسه تصورا ميثولوجيا يجعل من كينونته مركزا لكينونة المجتمع واستمراره وهو امر خارج المنطق وعقلانية الفعل السياسي الحديث..نحن نحتاج الى مؤسسات حاكمة وفق القانون ودستور الدولة يكون الأشخاص فيها محور لتطبيق ذلك الدستور والقانون.. وهنا لابد من ممارسة ديمقراطية تترسخ معالمها في الثقافة والممارسة وفي التشريعات وتتضمن جميعها تأكيد تداول السلطة ودورانها من خلال سقف زمني محدد لا مجال فيه للتمديد والتوريث..ووفقا لذلك نكون قد أحدثنا قطيعة مع النظام السابق الذي قامت الثورة ضده وبهدف تغييره. ولترسيخ هذا التحول لابد من حماية المجال السياسي العام من خلال بناء الحكم الجيد (الرشيد). وهذا الأخير وحده يتيح فرص التغيير أو الإصلاح ووحده يتيح إعمال العقل فى المسائل السياسية، وهنا فقط يكون البناء الديمقراطي أهم آليات البناء الحداثى في الدولة والمجتمع باعتباره صيغة تنظيمية وعقلانية في إدارة الشأن العام.
الحامل الاجتماعي والبنيوي للدولة المدنية :
في مجتمع متعدد قبليا وتسود فيه الأمية ولا يزال متأخرا عن عالم الحداثة كانت الدولة هي الآلية المؤسسية والرافعة للولوج إلى ذلك العالم.. ولكن كيف الوصول الى الدولة وما المسار الأفضل في العبور إليها ومن الحامل لمشروع الدولة.؟ لا يمكننا الدعوة إلى دولة مدنية باعتماد حوامل تقليدية مناهضة لفكرة الدولة ومشروعها السياسي.. ذلك أن أهم واخطر مشكلة واجهتها اليمن منذ بداية الحركة الوطنية في ثلاثينات القرن الماضي إن القوى التغييرية والثورية كانت تعلن الهدف والمشروع السياسي وتترك حوامله للقوى التقليدية ظنا منها أنها قد استوعبت المتغيرات السياسية وهنا لم يكسب اليمنيون الكثير مما ناضلوا من اجله خلال ثوراتهم المتعددة في الشمال والجنوب وصولا إلى المرحلة الراهنة.
وإذا كان القول صحيح بان لكل مشروع سياسي قواه الطبقية المعبرة عنه والحامل للوائه فان الدولة المدنية ومشروعها السياسي هي أيضا تتطلب روافع من ذات المشروع تؤمن به وتتجاوز العصبويات ما قبل الوطنية لتتجه باليمن نحو المواطنة ودولة القانون والديمقراطية وكلها مبادئ ومحددات للدولة المدنية.. ولكن السؤال يظل قائما... كيف نبني الدولة المدنية في مجتمع تقليدي لا يزال غالبية سكانه بعيدون عن المدنية وثقافتها وتنظيماتها ؟ فهذه الدولة نتاج للتجربة الرأسمالية والتي ارتبطت بمسار ديمقراطي تم تثبيت مرتكزاته البنيوية في الدولة والمجتمع ..
ونحن في اليمن لا نزال بعيدون عن ذلك المسار لان الواقع السوسيولوجي للمجتمع يضعه في مسار ما قبل الحداثة وما قبل الرأسمالية... وهنا أقول رغم صحة كل تلك التساؤلات إلا إن اليمن قد أصابه قدرا من التغيير وقد تعرضت أبنيته لاهتزاز كبير وان خمسين عاما من المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية ناهيك عن الهجرة والتعليم كل ذلك أفرز فئات اجتماعية حديثة تتبلور تدريجيا نحو التشكل الطبقي لكنها تظهر رموز ثقافية وسياسية ومدنية فاعلة تمتلك خطابا واضحا تجاه أهمية تحقق الدولة المدنية وأهمية القطيعة مع النظام السابق.. من هنا يمكن لدعوتنا أن ترتبط بكل هذه الفئات والشرائح الحديثة وبالأطر التنظيمية حزبيا وجمعويا والتي تجعل من الدولة المدنية شعارا لها وهدفا تسعى إلى تحقيقه.. في هذا السياق نعثر على حوامل يمكن البناء عليها في مشروع الدولة المدنية خاصة وان الحامل الرئيس لهذه الدولة يجب أن يكون تجمعا جبهويا ائتلافيا بين مختلف الفئات والشرائح الشبابية والحزبية والتقليدية والنسوية وممثلي البرجوازية الوطنية ينسجون معا قوة دفع بعنفوان الثورة نحو الهدف الرئيس المتمثل بالدولة المدنية.
ولا مجال اليمن للعودة إلى النظريات الاجتماعية التقليدية والسرديات الكبرى التي كانت تتمحور في روافعها على طبقة واحدة ايا كانت مواصفاتها فلا الطبقة العاملة (البروليتاريا) ولا الفلاحون ولا الطبقة المتوسطة ولا الطبقة البرجوازية بمفردها تستطيع ان تشكل حاملا لبناء الدولة فجميع هذه الفئات والشرائح لا تزال في بلادنا تتصف بكثير من الضعف في بنيتها ووحدتها التنظيمية ولا تزال مسكونة بهواجس من الالتحام والتوحد مع الآخرين نتيجة لدور النظام في تفكيك العلاقات الاجتماعية وزرع الشقاق بين الفئات والشرائح بل بين مختلف مكونات المجتمع.. هنا يجب القول بضرورة العمل السياسي في خلق وتشكل الحامل الاجتماعي من روافده الاجتماعية المتعددة..وهنا مهمة المثقفين ونشطا المجتمع المدني ودعاة المدنية في السعي الحثيث نحو نشر الفكرة والدعوة إليها بعزيمة وإصرار كبيرين.
إن المتغيرات التي يشهدها اليمن اليوم وفق ثورة الشباب وما أحدثته من اهتزازات كبيرة في الوعي السياسي والبنى التنظيمية في الدولة والمجتمع تتطلب وعيا ثاقبا تجاه مرحلة إعادة البناء وما يخطط من مشاريع جهوية ومذهبية يراد لها أن تكون بديلا للنظام السابق..بل إننا نلاحظ نفوذا قبليا بمرجعيته المذهبية يحاول فرض وجوده السياسي وبمنطق الإقصاء والاستعلاء ولا مكان اليوم لهذه المشاريع إذا أريد لليمن أن تتطور وان تلتحق بركب المسار الحضاري العالمي..وهنا تكون مهمة القوى التحديثية في عموم اليمن ومهمة الحزب الاشتراكي خصوصا ومهمة أبناء تعز وعدن على وجه التحديد في صياغة المشروع المدني للدولة والمجتمع.. وخلق تكتل جبهوي واسع يشمل كل المؤمنين به والساعين للمواطنة ودولة القانون وحتما سيتسع هذا التحالف ليبرز قوة فاعلة مقررة في إدارة الشأن العام.
وهو عمل سياسي و مجتمعي يتطلب إرادة وإصرار من رموزه فلا مجال هنا للتراجع أو الانتظار بل لابد من الفعل السياسي المباشر وبخطوات متتابعة..ولأننا في مجتمع تقليدي لا مجال فيه للركون نحو طرف بذاته ليشكل حاملا للدولة المدنية.. فلابد من بناء هذا التحالف الجبهوي الذي يشمل قوى التغير والحداثة..وحتما لابد من تشكيله لان المشهد السياسي الذي خلقته الثورة سيتطلب إعادة رسم الخارطة السياسية وإعادة بناء التحالفات وفقا للمتغيرات واستجابة لها.
إن المسار القادم لابد وان يتجاوز مكونات النظام السياسي بسماته السلطوية والتسلطية وببنيته الجهوية المنغلقة وبعقلية الغنيمة التي حركت غرائزهم لنهب المال العام و قهر غالبية الشعب واعتقد أن المسار الأتي سيأخذ بعض الوقت لان قوى الثورة المضادة لا تزال تتحكم بكثير من مصادر القوة الأمر الذي يشكل عائقا لمشروع الدولة المدنية خاصة وان هذه القوى ذات ارتباط عضوي إقليميا ودوليا وهي في الداخل تتشكل من تحالف قوة قبلية ودينية وعسكرية لا مجال معها في بناء الدولة والياتها المؤسسية الحديثة.. فطموحهم لا يتجاوز إعادة إنتاج النظام السابق تحت شعارات جديدة.
المشروع السياسي للدولة المدنية في اليمن (المسار والرؤية):
للدولة المدنية كما أسلفنا معنى ودلالات وحوامل اجتماعية وبنيوية لا فكاك من حضورها في مسار بناء الدولة المدنية.. فهذه الأخيرة لا تأتي فجأة ولا ميكانيكيا ضمن ضربة حظ أو استتباعا لأحلام اليقظة بل لابد من نضال فردي وجمعي وعمل دءوب للنخبة ارتباط منها بقواعد المشروع المعبر عن هذه الدولة..لان تحقيق تحالفا واسعا في إطار البناء السياسي لابد وان يرافقه بل ويسبقه وضوحا في الفكرة والهدف (أي المشروع السياسي).. وهنا يكون وجوبا على النخبة المثقفة والقيادات الحزبية والمدنية من العمل الإبداعي لصياغة مشروع سياسي يتم توسيع الاصطفاف المجتمعي نحوه.
فلا مجال لاحتكار فكرة المشروع وصياغتها من قلة مهما كانت عبقرياتهم ، قد يكونوا طليعة لترسيم ملامح المشروع وإعداد ترتيباته التنظيمية ويبقى الاصطفاف المجتمعي أمرا ذو دلالة حيوية في التحقيق الفعلي لوضع اللبنات الأولي لمشروع الدولة المدنية.. وهنا لابد أن يتم القطع البنيوي مع النظام السابق وأبنيته السياسية انتصارا لهدف الثورة في التغيير السياسي الشامل وانتصارا للمستقبل الذي ترتسم ملامحه من مشروع الدولة التي تنتمي إلى عالم الحضارة القائمة على مواطنين أحرار يفكرون بعقولهم دون وصاية من مرجعيات تحتكر حق التفكير في الشأن الديني والسياسي على السواء.
وأول نقطة في هذا المشروع ومساره إننا نريد دولة المواطنة المتساوية في إطار القانون ومؤسسات عمومية تكون في خدمة المواطن وتتشكل قياداتها عبر انتخابات حرة ونزيهة فتترسخ معالم الديمقراطية في الوعي الفردي والجمعي باعتبارها مكونا أصيلا من مكونات الدولة المدنية.. ولكي يتحقق ذلك لابد من تغيير في صفة النظام وملمحه العام من نظام رئاسي واسع الصلاحيات وكان منتجا لقيم التخلف والقهر إلى نظام برلماني السلطة للشعب عبر ممثليه في البرلمان والمجلس المحلية في إطار فيدرالية تعتمد أقاليم ثلاثة تتشكل من ترابطها وعلاقاتها وحدة الوطن بالمعنى السياسي ووحدة الوطن بالمعنى الجغرافي..تأسيسا على أن وحدة الشعور والثقافة والانتماء تتلازم أحيانا –وتسبق أحيانا أخرى- وحدة السياسية والجغرافيا... فهذه الأخيرة - الوطن جغرافيا- لا تتبلور مميزاته وأهميته إلا من خلال وعي سكانه وقياداتهم وهنا تتعدد مسارات هذا الوعي في اتجاه المطابقة مع الجغرافيا والتحرك وفقا لمحدداتها كما في حالة البدو وسكان الصحراء او منظورا إليه من زاوية الغنيمة والفيد كما في عقلية القبيلة وتحالفاتها أو من زاوية المذهب والقوة القبلية أو منظورا إليه من زاوية المواطنة المتساوية في إطار مشروع دولة تعتمد التنمية والعدالة وإنتاج الثورة وتوزيعها وفق محددات القانون والدستور وهنا تتعمق معاني الانتماء والولاء للوطن وللدولة الناظمة لتماسك التكوين الاجتماعي وللمشروع السياسي الجاري تحقيقه ويرتبط به المواطنون بل ويشاركون في تحديد معالمه.. ويتبلور هذا المشروع في مساره ورؤيته من خلال ستة محددات أساسية نعرضها في الأتي :
• دولة مدنية بلوازمها الدستورية والقانونية.
• نظام سياسي برلماني على قاعدة فيدرالية بين أقاليم متعددة.
• مجتمع مدني يشارك في الشأن العام.
• قطاع أعمال مسئول يمارس دور إنتاجي للثروة الوطنية.
• مؤسسة عسكرية وطنية لا تتدخل في الشأن السياسي والمدني تمارس عملها في إطار الدستور والقانون.
• رؤية مستنيرة للدين تعلي من منظوراته العقلانية في البناء السياسي والاجتماعي دون تسييسه أو تتطييفه.
لماذا الدولة ؟ لأننا نريد الخروج من التنظيمات القبلية التي تنتمي لمرحلة البداوة والتي تشكل خطرا في حال تعزيز الانتماء والولاء نحوها بدلا من الانتماء والولاء للدولة ككيان سياسي قانوني يربط وحدة البلد أرضا وإنسانا..ومن ثم فالطبيعي هو مرور اليمن ارتقائيا نحو الدولة للخروج من حمل تاريخي تجاوزته غالبية المجتمعات،، ولأننا في مرحلة الدولة بل واتحاد الدول في منظومات أوسع فلا مجال لاستيعاب التطور الحضاري العالمي دون بناء الدولة.
ولأنها ذات أهمية كتعبير تنظيمي وسياسي فهي لابد وان تكون مدنية بفلسفتها ومنظومتها الثقافية والقانونية وهي بهذه الصفة تقر بتعدد الأفكار والتنظيمات الحزبية والجمعوية وتجعل من القانون مسطرة توحيد للحقوق والواجبات في إطار المواطنة.. هنا يتم تحديث بنية المجتمع من خلال ظهور الدولة وتراجع التنظيمات السابقة لها وجعلها تنظيمات رمزية ذات طابع انثربولوجي دون أن يكون لها حضور كمقرر قي إدارة الشأن العام.. فهذا الأمر من نصيب الدولة والتنظيمات الحديثة التي ينتجها الأفراد لتوسع من فضاءات الحرية والمشاركة والتي ينخرطون بها ومن خلالها إلى الشأن العام..
ولأننا نريد الخروج من مصادر النزاعات بمرجعيتها القبلية والمذهبية والمناطقية التي كانت الأنظمة السياسية السابقة تغذيها وتعيد إنتاجها فان وجود دولة مدنية كفيل بالتخفيف من هذه النزاعات وتجاوزها على المدى الطويل لان الأفراد وأبنيتهم التقليدية يندمجون مع الدولة وفي إطارها كلما كانت الدولة قوية وفاعلة ولها حضور عام في المجتمع وكلما كانت تعبيرا عنهم وكانوا مشاركين في مختلف تنظيماتها وهيئاتها من خلال الآليات الديمقراطية الناظمة لتلك المشاركة.
ويتعزز دور الدولة المدنية من خلال التأسيس المعرفي والثقافي لها في وعي الأفراد والمجتمع وهنا تنشر الدولة رسالتها الثقافية التي تبلور في الوعي الجمعي هوية سياسية جديدة تعزز الانتماء والولاء للوطن في إطار المواطنة المتساوية..ولما كنا في زمن العولمة والرأسمالية بكل صفاتها فأننا لابد وان نتعامل مع السياق العام دوليا وإقليميا ننفتح عليه ونستفيد من مسارات التطور كما ننفتح على تاريخنا لنستفيد من مظاهر العقلانية وايجابية مساراته التطورية السابقة.وهنا لا مجال لإدعاء الحقيقة الدينية أو ادعاء التعبير عن الدين واحتكاره من جماعة أو حزب لان ذلك مناقض للتعدد الفكري ومناهض للإجماع السياسي في مدنية الدولة وهو نوع من المزايدة على الآخرين خاصة وأننا في مجتمع متجانس دينيا عدا بعض الأقليات الصغيرة.
ولما كان تغلغل العلاقات الرأسمالية الحديثة يعتبر إحدى ركائز نشأت الطبقات الحديثة وتبلورها فهذا التغلغل في اليمن لم يكن شاملا ولم يتصاحب معه تغييرات جذرية في القاعدة المعرفية والعلمية والتكنولوجية ولم تتسع القاعدة الإنتاجية الاقتصادية وهو الأمر الذي نرغب فيه فلا مجال للتطور خارج العلم والتكنولوجيا وخارج تنوع القاعدة الاقتصادية التي يرتكز عليها دخل الدولة والمجتمع.. ولأننا نريد إكمال مسار التحول الديمقراطي وترسيخ مقوماته فلا مناص من الدولة المدنية التي تضمن دعم هذا التحول،، لان الديمقراطية واحدة من مرتكزات الدولة المدنية وأعمدتها الأساسية،، ولا يمكن ممارسة الديمقراطية في إطار من تنظيمات سابقة للدولة وللديمقراطية معا وهنا تكون المبررات الموضوعية والذاتية لبناء الدولة هي المقررة في هذا الشأن وفق إرادة البشر ووعيهم بمفردات الزمن الذي يعيشون فيه بكل تجلياته.
وتأسيسا على ما سبق لابد وان يكون نظام الدولة برلمانيا للخروج من تجربة الرئاسة المولدة للاستبداد والتسلط.. فالنمط الرئاسي بصيغته الأمامية والعسكرية لم يكن إلا متسيدا على المجتمع ومعاديا له وهنا يجب إعادة الاعتبار للمواطن الفرد وللمجتمع الذي هو صانع السلطة ومصدر مشروعيتها.. والتحول هنا ليس في الشكل والإطار بل في معنى ودلالات التنظيم السياسي من خلال نظام تتسع فيه سلطات الهيئات المنتخبة وتقل صلات الرئيس وتتعزز هيئات المراقبة والمساءلة وهنا يكون الحكم الجيد أداة وأسلوبا لإدارة الدولة.. ووفقا للانتقال من النظام الرئاسي إلى البرلماني فلابد من تعزيز ذلك عبر فيدرالية تعتمد أقاليم متعددة من ثلاثة إلى خمسة في الحد الأعلى أو إقليمين في الحد الأدنى.
وفي تصوري أن إقليمين يمكن القبول بهما من زاوية الاعتماد على المسار التاريخي الحديث والمعاصر وإقرار ما كان من نظامين سابقين للوحدة ولكن في إطار الدولة الموحدة بصيغتها الجديدة. وهنا يتم تجاوز حالة التمزق السياسي التي خلفتها حرب صيف 94 وإعادة الاعتبار لجزء من الوطن.. لكن الواقع السياسي قد تغير بقوة في إطار الثورة وما أفرزته من وقائع جديدة سياسية واجتماعية وثقافية وظهر في الساحة لاعبون وفاعلون جدد لا مجال لتجاوزهم من الترتيبات السياسية القادمة ولا مجال لقبول تجاوزاتهم في فرض الأمر الواقع من خلال منظوراتهم الخاصة لان الشأن العام أمر يخص كل المجتمع ويجب المشاركة فيه من الكل في إطار وعي سياسي يستوعب اللحظة الزمنية ومتغيرات العصر.
هنا نكون مع الدولة المدنية ومع الوحدة باعتبارهما معا إطارا سياسيا جامعا لليمن بجغرافيته وبسكانه ولكن وفق ترتيبات هيكلية وتنظيمية توزع السلطات بين المركز والمحليات من خلال فيدرالية داعمة للوحدة ومعززة لحضور الأفراد..وهنا يكون القول بثلاثة أو أربعة أو خمسة أقاليم انطلاقا من مبررات موضوعية (جغرافية وإدارية وتنموية) (ووفقا لمؤشرات الأوزان السكانية والجغرافية) وتجاوزا للمرجعيات العصبوية المحددة لسلوك وولاءات البعض.. لأننا لا نريد كنتونات صغيرة على أساس مذهبي أو قبلي أو مناطقي (أو تتطابق فيها الهوية المذهبية مع الهوية القبلية).. لذا فان الأقاليم الثلاثة – من وجهة نظري- ستكون هي الخيار الأفضل فهي عابرة للعصبويات نحو المركز السياسي وهي تؤسس مراكز سياسية محلية تشكل بينها والمركز العام وحدة سياسية تعلي من قيمة السيادة والرموز الوطنية العليا وتعزز المواطنة محليا باعتبارها ركيزة للدولة المدنية.. وهنا تكون صنعاء وعدن وتعز عواصم الأقاليم الثلاثة في الفيدرالية المأمول بها ووفقا للسياق المذكور أنفا.
إن أهم ملمح للمسار السياسي القادم التأكيد على عدم احتكار السلطة تحت أي مبرر سياسي او اجتماعي أو ديني ولكي نعيد الأمور السياسية إلى نصابها فلابد من إخراج الرئاسة من بنيتها القبلية ومرجعيتها المذهبية ومن طابعها العسكري ((لا تثبيت لحاشدية الرئاسة ومذهبيتها)) وهنا لابد من تدوير هذا المنصب وفق مرجعيات أخرى الأمر الذي ينفي فكرة الاحتكار للمنصب أو الإقرار بتثبيته ضمن دائرة مغلقة في إطارها العصبوي.. ولعل الجميع يدرك هذا الأمر وقد عبر عنه الشباب في الساحات.. فلابد لمنصب الرئيس ان يكون حكما و ان يكون ممثلا للجميع.
ووفقا لذلك يتولى الدستور الجديد للدولة تنظيم العلاقات بين المركز والمحليات في إطار متناغم من توزيع الاختصاصات والسلطات تشرح القوانين آليات العمل التنفيذي لتلك الاختصاصات في إطار الإدراك والوعي الكاملين بان هذه التشريعات إنما تعبر عن وحدة الكيان السياسي العام وتدعم مواطنية الأفراد في إدارة شؤونهم المحلية وهو أمر متعارف عليه في العالم كله.. فهناك دول تعتمد الفيدرالية في أوروبا واسيا وأمريكا اللاتينية وهي تشكل مصدرا لاستقراها وتطورها.. في هذا السياق حيث دولة القانون والمواطنة يتعزز فاعلية المجتمع المدني بكل تنظيمات الجمعوية ليعمل في الشأن العام والخاص سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ومهمته مراقبة الحكومات المحلية والمركزية وتنظيم فاعلية الأفراد وفق قنوات مؤسسية حديثة والارتقاء بوعي الأفراد وثقافتهم. كما يتعزز دور قطاع الأعمال من رموز البيوت التجارية ودمجهم في إطار النشاط الإنتاجي الذي يربط بين تحقيق الربح والمصلحة الاجتماعية للشعب فلا مجال لاحتكار الدولة للعمليات الإنتاجية ولكن أيضا لا مجال للجشع وتكديس الثروات ضدا على مصالح الغالبية من أفراد المجتمع.
صفوة القول ... إن واقع المجتمع بتعدده القبلي والطائفي والمذهبي يستلزم بالضرورة كيانا سياسيا وقانونيا يرتفع بالأفراد نحو مسار حضاري ارقي من حالة الطبيعة ومدلولاتها في الغنيمة والعصبية إلى حالة من المدنية ومدلولاتها في الحق والقانون والتنمية وهذه الحالة تستلزم حضور الدولة المدنية بدعاماتها في الديمقراطية والمواطنة والفيدرالية وهي جميعا منظومة متكاملة تشكل هدفا رئيسيا يحقق هدف الثورة ويستكمل مسارها التغييري.
خاتمة :
إن مفتاح الاستقرار السياسي والاجتماعي في اليمن يكمن في إكمال مسار التغيير السياسي الشامل لتثبيت أسس الدولة المدنية و مرتكزاتها في المواطنة وسيادة القانون والفيدرالية واعتماد سياسات اقتصادية رشيدة بهدف تعزيز التطور الاقتصادي وإقرار مبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة وتكافؤ الفرص.. علنا بكل ذلك نخرج من منظومة الأزمات التي ارتبطت بالنظام السابق ونعتمد قطيعه معه بكل أبنيته لنتمكن من السير في خطوات سريعة نحو مشروع يخرج اليمن من أزماتها ويضعها في مسار حضاري يعزز بنا قدرات المواطنين ويمكنها من توسيع فرص الخيارات المتاحة أمامهم في التعليم وفرص العمل والمشاركة السياسية.وهنا لابد من التوافق المجتمعي على قواعد واليات العمل السياسي الوطني بعيدا عن المرجعيات القبلية والمذهبية تأسيسا للوطن الجامع ودعما وترسيخا لوحدته في إطار منظور سياسي وإنمائي يعتمد تعدد الأقاليم التي تعمل في إطار الدولة الواحدة.
ولا مجال هنا للالتفاف على مسار التغيير السياسي من أحزاب أو جماعات ومراكز قوى استندت في السابق إلى آليات غير قانونية مدعومة من أجهزة النظام في تحقيق مشاريع اقتصادية وسياسية مناهضة للدولة فهذا الأمر لن يمر فقد انكشفت كل ألاعيبهم السابقة وانكشف معها حجم وأوزان تلك المجموعات ولا مناص من اعتماد مفاهيم جديدة في المشاركة السياسية على أساس من سيادة القانون ومشروعية الدولة..
وهنا يكون دور المثقفين و الأكاديميين والصحافة ومؤسسات المجتمع المدني في نشر فكرة الدولة المدنية وخلق توافق مجتمعي نحوها وكشف ممارسات الفاعلون غير الرسميون وأجنداتهم الخاصة المناهضة للدولة المدنية ووحدة الوطن..فلا مجال اليوم للتراجع عن أهداف الثورة وممكنات العصر من البناء الديمقراطي والمدني للارتقاء ببلدنا نحو آفاق رحبة تمكن المواطن من تحسين معيشته واحترام حقوقه ومواطنيته ومادون ذلك ستكون عواقبه وخيمة. فليدرك أولئك اللذين اعتادوا تمرير مشاريعهم في حماية نظام جائر وفاسد أن اللعبة انتهت ونحن أمام استحقاقات جديدة لا مجال فيها للمشاريع الصغيرة ومرجعياتها ما قبل الوطنية.. وهنا يجب ان يكون لدينا الإدراك والوعي الكاملين بالمخاطر التي تواجه مشروع البناء المدني والديمقراطي من خلال القوى المضادة وارتباطاتها إقليميا ودوليا.
• اقتراح بوثيقة الموجهات العامة لتحديد الإطار الدستور للدولة المدنية في اليمن :
1. اليمن دولة مدنية ديمقراطية تقوم على مبادئ المواطنة وسيادة القانون وتعتمد الفيدرالية خيارا سياسيا وتنمويا بين أقاليم متعددة بهدف تحقيق المشاركة الشعبية وتوزيع الاختصاصات بين المركز والمحليات
2. اليمن دولة عربية إسلامية نظامها جمهوري يعتمد الديمقراطية ركنا أساسيا في نظامها السياسي يقوم على التعدد الفكري والحزبي وتداول السلطة سلميا ومدة الرئاسة فترتان من أربع سنوات لا يجوز فيها التمديد تحت أي ظرف و إلا اعتبر ذلك خروجا على دستور الدولة والإجماع الوطني.
3. اعتماد نظام الغرفتين (البرلمان ومجلس الشورى)الأول بالانتخاب لكل أعضائه وفق تجديد لقانون الانتخاب باعتماد القائمة النسبية والأخر مجلس الشورى ينتخب نصف أعضائه على أساس دائرة لكل محافظة ويعين النصف الأخر على أساس التمثيل الفئوي للمهن العلمية والمهنية مع اختيار ممثلين عن كل المحافظات وفقا لأوزانها الديموجرافية.
4. مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع مع التأكيد على عدم تسييس الدين وتجريم التكفير والتخوين واستغلال الدين لبعث الفرقة والعداء داخل المجتمع.
5. أن يكون التعليم مدني في طابعه متجدد في مناهجه ومنفتح على مختلف العلوم والنظريات وان تتطور وسائل التعليم باعتماد طرق الكترونية بهدف تطوير المهارات والمعارف للمتعلمين. مع وجوب التأكيد على أن التعليم حق لكل مواطن تدعمه الدولة والتعليم الأساسي والثانوي مجاني وإلزامي تقره الدولة وتقدم الدعم للطلاب وأسرهم وفقا لشروط الدعم الاجتماعي.
6. القضاء سلطة مستقلة ويتم شغل المناصب القضائية العليا وفقا لعملية انتخابية داخل هيئات القضاء دون تدخل من السلطة التنفيذية واعتماد القضاء الطبيعي للتقاضي في كل الدعاوي المدنية والسياسية وغيرها مع إلغاء للمحاكم الاستثنائية.
7. اعتماد اقتصاد السوق الاجتماعي كخيار لنمط السياسيات الاقتصادية القائمة وموجها لها بكل مميزاته الاقتصادية في التعدد وتنوع المشاريع وحرية النشاط الاقتصادي مع اعتماد منظورا اجتماعيا لهذه السياسات تقره الدولة وتدعمه.
8. اعتبار التعليم والبحث العلمي واكتساب ممكنات عصر المعرفة من أولويات العمل الحكومي وبالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني وقطاع الأعمال وذو أولوية في اهتمام الحكومة.
9. لا يجوز اعتماد إجراءات قانونية أو إدارية أيا كان مرجعها الوظيفي يفهم منها أو تحث على التمييز بين المواطنين أو تنتقص من حقوق الإنسان.
10. الحق في تشكيل التنظيمات الحزبية والجمعوية بالإخطار مع ضمان حق التظاهر والاعتصام سلميا دون الإخلال بالممتلكات العامة او الخاصة
11. التأكيد على عدم تسييس الجامعات أو ربطها بالأحزاب وصراعاتهم وضرورة اعتماد مبدأ الانتخاب داخل الجامعة في اختيار مناصب الرئاسة والنواب وعمدا ورؤساء الأقسام ضمن الهيئة التعليمية الخاصة بكل جامعة.
12. أن تكون الشرطة ووحدات الأمن المختلفة ذات وظائف مدنية تعمل وفقا للقانون وان تكون تدريباتها ومعداتها تتناسب وهذه الوظيفة المدنية.
13. ضرورة العمل على إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية وإدماجها ضمن وزارة الدفاع وان لا تكون هذه المؤسسات تابعة لقياداتها الميدانية مع التأكيد على عملها في إطار الدستور والقانون دون توجيه بنادقها إلى الشعب.
14. اعتماد منهجية الشراكة مع مختلف دول العالم خاصة دول الجوار الجغرافي في مجلس التعاون و الحوار والتفاعل المشترك معهم في مختلف القضايا والتأكيد على التعاون الايجابي مع الأسرة الدولية في مجال دعم الأمن والسلام الدوليين انطلاقا من تأكيد اليمن على احترام مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.