في عدد من المجتمعات البشرية يلجأ الناس إلى الحفاظ على تراثهم، واستقرائه بصفة مستمرة لاستخلاص المشرق منه في خطواتهم المتطورة التي ينشدونها في بلوغ التقدم، والحياة الحضارية الجديدة، وهو نوع من الوفاء والذكرى التي لا ينبغي أن تنمحي من ذاكرة الأجيال المتواصلة، أما ما هو معيق ويرسخ الجمود والركود وكابح للإبداع والتطور ومساعي المجتمعات في الحياة المبدعة الجديدة.. فإنه لا يعدو أن يكون مجرد ركام تاريخي مثل شيئاً للآباء والأجداد في زمنه يعتد به، ولكنه لا يمكن أن يظل كالمقدس كما يحدث في بعض البلدان الكسولة المسترخية تنظر إليه، كما لو أنه من الأقدار التي لا فكاك منها في المجتمع تتعامل معه وترسخه في الحياة الجديدة جاهدة.. بل ويعمل المسترزقون منه على الإضافة، كما يحلو لهم.. هذا الجمود لا يحدث إلا في البلدان التي ركدت عقولها وتوقفت مخيلاتها عن الإبداع.. فتستجر مما تركه الأجداد دون إضافة إلا ماهو أكثر كسلاً واسترخاءً، يحدث ذلك في المجتمعات التي يتحكم فيها الاستبداد السياسي فيشيع في المجتمع ثقافة الاسترخاء “ليس كل ما هو كائن بأفضل مما كان” يهيئ ذلك ظرفاً سانحاً وذهبياً لقوى التخلف للانتقام من ثورات الشعوب وتطلعاتها في حياة معاصرة جديدة.. هؤلاء المسترزقون الراكدون يجد فيهم أصحاب المصالح والمتنفذون ضآلتهم ليصبغوا عليهم المديح والثناء، ويهيئوا لهم كل أسباب البقاء مادياً ومعنوياً، والتمدد اجتماعياً لطمس أي جديد ينشده المجتمع في حركته وتطلعه المعاصر، هي كثيرة تلك العادات والتقاليد التي يحرص على بقائها وترسيخها المسترزقون ومعهم أصحاب المصالح والهبرات الكبيرة يصعب تفنيدها في هذه التناولة الصغيرة.. تلك واحدة من العادة الشائعة الراسخة في بلادنا مثلاً أن يكون لديك عرس وعريس فلابد أن يحمل السيف في يده وعلى كتفه لساعات.. يعتمر العمامة السوداء المنقوشة بالزخارف الفارسية، تخزينات القات شرط أساسي لا تتم الجلسة بدونه، الغذاء قبلاً، الزفة على الأناشيد العشوائية المختلطة مصحوبة بالصلوات والموالد كأنما في مأتم وليس في فرح، يختلط الصراخ والزعيق يفقع طبلات الآذان في الخيام المستحدثة في الأحياء، وتحت منازل الجيران، لابد للجيران أن “يتكعفوا” الإنصات بأطفالهم وعجزتهم ومرضاهم إن وجدوا سمراً ومقيلاً حتى إزالة المخيم، وهل من مزيد في المنازل؟ يحدث ذلك غالباً في ليالي البرد والصقيع. ثمة “البرع” وعلى العريس أن يصمد الساعات حتى ولو نام بعد فرحة النشادين والمبترعين سقيماً لليال وأيام. تسأل البعض من معاريفك في الحي بعد الفرح إن كان نام أو استطاع حتى القعود مع أولاده أو زوجته؟ فيجيبك من أين، وحين تهدأ الأغاني والصراخ والزعيق والطبول وأتاك النوم فمع أحلام الفزع والكوابيس، يقول لك القادم من فرنسا مثلاً في باريس لو أن أحدهم من الجيران رفع صوت المذياع أو التلفزيون عن المقدار المحدد لسماعه هو.. فشكاه أحدهم لبوليس الآداب العامة.. فإنه يعرض نفسه للمساءلة القانونية والغرامة، “فحريتك تنتهي حين تتعدى على حرية الآخرين”. أما في بلادنا اليمن كنموذج لبعض البلدان العربية المتفلتة، فحريتك تداس تحت حرية الإمبرفايرات والميكرفونات الزاعقة والطبول والفارحين المعرسين. رابط المقال على الفيس بوك