يجري في هذه الأيام التجهيز لإطلاق فعاليات مهرجان الفضول الثقافي والسياحي في مدينة التربة، مسقط رأس الراحل العظيم عبدالله عبدالوهاب نعمان “الفضول” وهي مبادرة رائعة تقوم بها السلطة المحلية في محافظة تعز عرفانًا بالمآثر النضالية والإبداعية والثقافية التي اجترحها “الفضول” سياسيًا وصحفيًا وكاتبًا وشاعرًا ورجل دولة؛ ولكن هناك ما ينبغي قوله حول مدينة الثقافة “تعز” وعلاقتها برمزها الثقافي “الفضول” وهي أمور تكشف مناقشتها أننا لانزال بعيدين عمّا يحتاجه ميراث الفضول ورمزيته الثقافية من احتفاء واهتمام عميق وجوهري لا يذهب جُفاءً مع انتهاء المهرجان, وإنما ينفع الناس ويمكث في الأرض, لاسيما أن الحكومات والسلطات المحلية المتعاقبة وقفت عاجزة عن تقديم شيء يستحق الذكر حيال الميراث الثقافي لهذا الرجل والتكريم اللائق الذي ينبغي أن يحظى به مثلما تصنع الشعوب الأخرى مع رموزها التنويرية, فقد ظلّ الفضول طيلة ثلاثين عامًا منذ وفاته مجرد اسم على قاعة في المركز الثقافي بتعز, وقبل بضعة أعوام زادوا الفضول تجاهلاً وتهميشًا حين أنفقوا ميزانية احتضان تعز للاحتفال بالأعياد الوطنية, ولم نجد للفضول من ذلك الضجيج والصخب والإنفاق سوى صورة مشوّهة تخلو من الإبداع, جرى إلصاقها على استحياء في إحدى الجولات بوصفها صورة تذكارية للراحل الفضول. غير ذلك, لم يقدّم مكتب الثقافة ولا الميزانيات والمخصّصات الثقافية والتنموية من أجل الفضول شيئًا سوى إقامة مهرجان سنوي يظل يردّد ما عرفه كل اليمنيين - خصوصًا أبناء تعز – من أن الفضول عبدالله عبدالوهاب نعمان عبقرية أدبية وسياسية ونضالية لم تتكرّر, وأنه صاحب كلمات النشيد الوطني «ردّدي أيتها الدنيا نشيدي» الذي يعد واحدًا من أروع الأناشيد الوطنية للدول العربية, ومن أخصبها معنى وأعمقها إحساسًا وأحكمها بناءً. لهذا أقول: ينبغي أن نترك اليوم هذه المرحلة من التلقّي للتجربة الإبداعية والثقافية التي أنجزها هذا الرجل, وندخل في مرحلة جديدة تتضمّن الاشتغال العلمي على الموروث الكتابي النثري والشعري الذي تركه, سواء من حيث توليف وإعادة توليف هذا الموروث نفسه وفق معايير علمية, أو من حيث إخراج المنجز العلمي والثقافي الذي يقرأ الفضول قراءة شاملة, فكره السياسي ورؤيته الوطنية وقيمه الإبداعية, فحتى الآن لاتزال كتابات الفضول النثرية مجالاً بكرًا لم يتلفت إليه الكُتّاب والدارسون في المجال النقدي أو السياسي أو الإعلامي الصحفي أو الأنثروبولوجي, وأما إنتاجه الشعري فصحيح أنه حظي باهتمام ثلاث أو أربع دراسات نقدية واثنين أو ثلاثة كتب ثقافية غير ممنهجة, ولكن حتى الآن لم يجد إخراج إنتاجه الشعري نفسه من الاهتمام العلمي على صعيد الجمع والضبط والتحقيق النصوصي والتصويب للمنقولات الشفوية من الأشعار عن أصدقائه ومجالسيه, فالديوان الذي أخرجته الهيئة العامة للكتاب قبل بضعة سنوات - وتظل تكرّر طباعته - تشوبه كثير من جوانب النقص والخلل التي تبيّن لي من خلال قراءاتي المتكررة للديوان أنها تتمثل في التالي: 1 - الديوان بصيغته الحالية لا يضم الأعمال الشعرية الكاملة للفضول, فهناك أشعار جرى العثور عليها مؤخرًا ونُشر بعضها في موقع الفضول الإلكتروني, كما أن هناك أشعارًا للفضول لا وجود لها في الديوان ولا الموقع الإلكتروني, وإنما هي موجودة في مصادر أخرى وقفتُ عليها شخصيًا, لهذا فنحن بحاجة إلى إخراج ديوان جامع يضم كل الأعمال الشعرية. 2 - الديوان الحالي مليء بالخلط بين قصائد وأخرى, إلى جانب الخلل في ثبُّت بعض القصائد أو ترتيب أبياتها, وأحيانًا إدخال ألفاظ ليست من النص الذي كتبه المؤلف. 3 - الديوان الحالي مليء بالأوهام في طريقة نشر كثير من القصائد والتعامل معها عروضيًا على غير ما أراده الشاعر, والسبب هو الرواية الشفهية لبعض القصائد عن أصدقائه, أو تصرُّف بعض الكتّاب والدارسين والصحف في طريقة نشرها, وحري بناشر الديوان أن يخرجه للناس مضبوطًا كما أراده المؤلف, فهناك قصائد جرى الخلط في تصنيفها بين قصيدة نهرية أو شطرية أو تفعيلية, وهناك قصائد بحاجة إلى إعادة النظر في الضبط العروضي لإصلاح ما فيها من خلل. 4 - الديوان الحالي فيه كثير من الأخطاء المطبعية واللغوية. 5 - الديوان الحالي بحاجة إلى بعض الشروحات والتوضيحات الضرورية. 6 - الديوان الحالي يفتقر إلى التصنيف والتبويب الموضوعي للأشعار, كما يفتقر إلى فهرسة تفصيلية تضع القارئ أمام صورة واضحة لمحتواه وتسهّل له الطريق عند قراءته. لهذا فأنا هنا سأطرح بين يدي محافظ تعز الأخ شوقي أحمد هائل ومدير مكتب الثقافة والمسؤول عن مشروع إعلان تعز عاصمة الثقافة اليمينة؛ سأطرح مشروعًا ثقافيًا هدفه خدمة التراث «الفضولي» شعرًا ونثرًا, وهو مشروع لي فيه تصورات أولية تحتاج إلى الدعم لتنضوي في إطار مشروع يتكوّن من جانبين: الجانب الأول: استكمال جمع الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الفضول, مع ضبط وتحقيق وتعليق وفهرسة وتبويب الديوان، وتصحيح أخطائه ليتم بعد ذلك تكفُّل السلطة المحلية والجهات الثقافية المختصة أو غيرها بإعادة نشره في أحسن صورة وأبهى حُلّة. الجانب الآخر: جمع الأعمال النثرية التي كتبها الفضول في الصحف اليمنية طيلة عمره الأدبي, بدءًا من صحيفة «فتاة الجزيرة» مرورًا بصحيفة «الكفاح» ووصولاً إلى صحيفة «الفضول» ما بين 1948م و1953م, وغيرها من الصحف, مع تحكيم القرائن والسمات الأسلوبية لما كتبه الفضول بأسماء مستعارة وتأكيد صلته به, ومن ثم تصنيف كل هذه الأعمال والاعتناء بها ليتم نشرها في كتاب تحت مسمّى «الأعمال النثرية الكاملة للفضول» فمثل هذا العمل سيقدّم خدمة كبيرة للثقافة اليمينة وتراث الفضول؛ لأنه سيخدم القارئ الحر, وسيفتح شهية القارئ الدارس والناقد للبحث والدراسة والتناول. إن القيام بهذا المشروع بجانبيه ليس بكثير على هامة وطنية وقامة إبداعية مثل الراحل الكبير عبدالله عبدالوهاب نعمان “الفضول” وسيكون فيما لو تم له النجاح بمثابة التكريم الحقيقي للفضول؛ لأن من نحتفي به اليوم موروثه الشعري والنثري, الأدبي والسياسي «الجاد والساخر» لايزال أحوج إلى الاهتمام اللائق الذي يعكس الحب العميق لرمز تعز الثقافي “الفضول” والرغبة الصادقة في تخليد ذكراه. إنني أؤمن أن أعمال الفضول تحتاج إلى المؤتمرات العلمية والندوات الثقافية والدراسات التي تناقش فكر الفضول ورؤاه والقيمة الفنية لإبداعه الثقافي, ومن ثم توثيق كل ذلك في كُتب تشرف على نشرها وزارة الثقافة ممثّلةً بمكتبها في تعز، ولكن قبل تحقيق هذا؛ لابد أن تقوم جهود علمية تهيّئ إنتاج الفضول النثري والشعري لكل ذلك, وتعطيه حقّه العلمي من الاهتمام والعناية, قبل أي شيء آخر. لست أدري هل ستجد هذه الفكرة آذانًا صاغية، أم أنه كُتب على عبقرية الفضول أن تظل مصلوبةً على جولة في الجانب الشرقي من مدينة الثقافة, إلى جانب فعالية سنوية تتغنّى باسمه، ولا جديد نافع يعيد الاعتبار لوطنية هذا الرجل وسمو إبداعه..؟!. [email protected] رابط المقال على الفيس بوك