كم نحن في اليمن بحاجة شديدة خاصة هذه الأيام إلى مضاعفة جلد الذات لكي نتألم أكثر حتى نفوق من غيبوبتنا ونستيقظ من سباتنا العميق لنرى بأم أعيننا كيف دمرنا وطناً ومزقنا شعبنا بسبب ثقافة الحقد والكراهية التي تحملها نفوسنا ضد بعضنا والتي حصرناها في إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والحزبية على حساب بناء الدولة وتطبيق أنظمتها وقوانينها.. بالإضافة إلى إننا لم نستجمع شجاعتنا للاعتراف بهذه الحقيقة المرة التي وجدنا أنفسنا من خلالها أننا قد فقدنا أركان الحياة الأساسية وكادت هذه الثقافة المقيتة أن تودي بنا إلى التهلكة بسبب ما ينتج عنها من تعبئة خاطئة للشباب. في كل بلاد العالم قامت ثورات ضد أنظمة مستبدة وظالمة لتحل محلها أنظمة عادلة ومنصفة تقوم ببناء الشعوب والأوطان وتحقق إنجازات في فترات قصيرة جداً وتنسى الماضي لأنها أمنت الحاضر والمستقبل.. بينما نحن في اليمن نحتفل اليوم بمرور أكثر من نصف قرن على ثورة (سبتمبر وأكتوبر) والدولة الحديثة القوية التي كنا ننشدها لم تتحقق بعد بل مازلنا رغم مضي هذه الفترة الطويلة جداً على قيام الثورة ونظامها الجمهوري نجعل من عهد الأئمة والسلاطين والاستعمار شماعة نعلق عليها فشلنا وعجزنا في بناء دولة. وبقدرة قادر حوّلنا النظام الجمهوري إلى شعار في وسائل الإعلام نتغنى به ودولته على أرض الواقع غائبة ومسلوبة الإرادة، لأن الذين قاموا بالثورة لم يكن هدفهم بناء دولة على أنقاض العهد الذي ثاروا عليه وإخراج اليمن من عزلته وتخلّفه كما كانوا يقولون بدليل أن عملية الإعدامات العشوائية لرجالات اليمن التي أعقبت قيام الثورة مباشرة والتي وصفها القاضي عبدالرحمن الإرياني، رحمه الله في مذكراته بأنها شكلت وقوداً للثورة المضادة قد عكست ما بداخل النفوس من حب الانتقام ثم تحولت بعد ذلك اليمن إلى ساحة لتصفية حسابات بين قوى إقليمية ودولية بحجة الدفاع عن الثورة والجمهورية فسالت دماء اليمنيين غزيرة والتي ما تزال تنزف حتى اليوم.. غير مدركين أن حرمة الدم ووظيفته في الإنسان وبقية الكائنات الحية تتدفق بدفق الحياة وبنسق منظم ومتكامل لتنظيم الأداء الوظيفي للأجسام الحية والتحكم في نشاط أهم أجزائها وأكثرها ارتباطاً بالعلم والمعرفة، وكذلك منظومة العواطف والمشاعر المتكاملة. وإذا ما اعتبرنا وفرة احتياطي العملات الصعبة ضرورة قصوى لاقتصاد وتجارة دول العالم كافة، فإن وفرة الدم في البنوك المتخصصة ضرورة موازية لأنه وحده القادر على بعث الحياة في الأجساد المنهكة وتلك المستنزفة بسبب الحوادث والحروب والكوارث الطبيعية، وفيما عدا ذلك فقد حظي الدم كجوهر مادي وكلون موحٍ بالكثير من المعاني والدلالات السامية الناجمة عن تقدير وتبجيل هذا العنصر الحيوي العظيم وضرورته لاستمرار الحياة. صحيح إن الدماء التي تنزف من أجل الحرية والكرامة تحتل مرتبة لا تُضاهى لأنها تلبية لأمر الله سبحانه وتعالى الذي يكافئ الشهادة بالخلود في الجنة.. لكن ما يحدث في اليمن سابقاً ولاحقاً يحرّمه ديننا الإسلامي الحنيف الذي كرّم الإنسان وميّزه عن ما عداه من الكائنات الحية حيث لا يتم قتل النفس إلا بالحق.. وتنص الكثير من آيات القرآن الكريم وشريعة نبينا الكريم صلى الله عليه وآلة وصحبه وسلم على المزايا والأفضليات التي خصّ المولى سبحانه وتعالى بها الإنسان دون غيره.. كما حدد الأسباب والمسوغات التي تجيز إزهاق الأرواح.. وبإزاء هذا القتل المجاني الذي نقوم به نحن اليمنيين لبعضنا لا ندري أي شرع أو دين يبيح لنا ذلك ولا ما هي حججنا ودعاوانا الباطلة التي تبرر لنا هذه الأعمال الإجرامية والتخريبية التي نقوم بها.. لقد رهنا أنفسنا للخارج الذي ظل ومازال يحرضنا ضد بعضنا ونسينا أنه حينما يكون البيت محصناً من الداخل لا يستطيع أحد أن يخترقه مهما كانت قوته. لكن حينما تكون أبوابه ونوافذه مفتوحة فأيّ كان يمكن إن يدخله ويعبث بمحتوياته.. وهذا ماهو حادث اليوم ليس في اليمن فحسب وإنما في دول العالم العربي بالكامل، حيث لم يستطع الحكام العرب تحصين شعوبهم من خلال الحكم الرشيد وتطبيق العدالة والمساواة، فكان التذمر من قبل الشعوب بمثابة الباب المفتوح الذي أتاح للآخرين الدخول منه بحجة مساعدة الشعوب للحصول على حقوقها المشروعة.. وللدفاع عن أنفسهم سارع الحكام إلى إشاعة ما أسموه عبر إعلامهم الموجه بنظرية المؤامرة وهي حجة ضعيفة علقوها على شماعة عجزهم. إن الواقع العربي الراهن المؤلم اليوم يفرض نفسه للحديث عنه ليس على أبناء الشعوب العربية فحسب، وإنما على أبناء الشعوب الأخرى بما فيها تلك الشعوب التي تكن عداءً للعرب والتي نستغرب من خلال كتابات بعض المفكرين فيها عن هذا الوضع الحزين الذي يخيم على عالمنا العربي وهو عالم مترامي الأطراف.. غني بثرواته الاقتصادية، وقوي بعقيدته الإسلامية وبما يمتلكه من قوة عسكرية أنفق على بنائها وتجهيزها مئات المليارات من الدولارات تستطيع أن ترهب الأعداء بمجرد التلويح بها، لكن لأن الهزيمة قد أصبحت داخل النفوس وتمكنت منها، خاصة من نفوس البعض، فلم يعد ينفع لإقالة هذه العثرة لا قوة عقيدية ولا قوة عسكرية، ولا قوة اقتصادية، لأنه عندما تغيب الإرادة التي هي من إرادة الله يغيب معها كل شيء، وصدق الله العظيم القائل: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم). [email protected]