دقت ساعة الصفر.. الحوثي يعلن عن حدث مزلزل ومرعب في مطار أبوظبي.. ماذا يحدث؟    ترامب يفاجئ الجميع ويعلن "السعودية" لن تتخلف عن التطبيع مع إسرائيل ويوجه دعوة هي الأولى من نوعها إلى "إيران"    ترامب يعلن:5 دول عربية تريد الانضمام إلى التطبيع مع إسرائيل    الخليدي بطلاً لبطولة السنوكر بتعز    عدن: انتشار واسع لمليشيا الانتقالي في المدينة.. ومصادر تكشف عن الأسباب    عاجل : طيران الحوثي المسير يقلب موازين المواجهات في مأرب واستشهاد قيادي رفيع (تفاصيل)    شاهد.. وفاة أخطر ساحر بأمريكا والكشف عن اخطر المعلومات عنه    منها زواج زوجته برجل آخر ...شقيق أسير سعودي يكشف ماجرى لشقيقه المفرج عنه من سجون الحوثي    صحافي يكشف عن دمج ثلاث وزارات في وزارة واحدة ووزير واحد بالحكومة الجديدة    شباب كابوتا يتوج بطلاً للذكرى الرابعة للشهيد وجدي الشاجري .    وزارة التربية تصدر تعميم هام وتحدد أسعار تطبيق « علمني »..وثيقة    بُكآء الحسرة    إلهام شاهين: مابعترفش بمسمى سينما المرأة    في ذكرى .. يوم وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم    إصابة وزير خارجية سلوفينيا بكورونا    قائد اللواء 315 مدرع يعزي بوفاة نائب مدير مكتب القايد الاعلى للقوات المسلحة    مدير مصلحة الهجرة والجوازات بتعز : ينفي اصدار هذا القرار ويؤكد انهم يمثلوا الشرعية    وفيات كورونا في أمريكا تتجاوز 222 ألفا    حكومة يمنية أخيرة!    باعويضان : راديو الأمل FM كشفت للسلطات بحضرموت عن اذاعة مجهولة المصدر تبث بصورة غيره غير قانونية    أميركيون يحسمون قرارهم بعد المناظرة الثانية    الحوثيّون وخصخصة النّبي!    توقف عداد كورونا في اليمن.. والحكومة الشرعية تكشف آخر احصائيات انتشار الوباء    لصوص لكن مبدعون !!    محافظ شبوة يشكل لجنة تحقيق وتقصي حول ما أثير إعلاميا بخصوص بيع حصة المحافظة من المشتقات النفطية في المكلا ويشدد على نشر نتائج التحقيق في وسائل الإعلام.    الصحفي صلاح السقلدي يعلّق على لقاء الرئيس هادي والزبيدي..ماذا قال؟    قوات الجيش والمقاومة تكبد مليشيا الحوثي خسائر كبيرة جنوب غرب مأرب    الامين العام يعزي بوفاة الشيخ احمد صوحل    كومان أفضل لاعب في الاسبوع الاول من دوري ابطال اوروبا    وزير الرياضة العراقي يستعرض العلاقة مع الاتحاد العربي للصحافة    الهند تتعاطف مع اليمن والسفير غوبر يكشف عن القيود المخففة للطلاب والمرضى تحديدا    ميسي يوجه رسالة ل رونالدو    شباب البرج يكتسح شباب الغازية برباعية في الدوري اللبناني    حشد رسمي وقبلي يتقدمه النقيب ينهي قضية قتل جرت في باتيس بين آل سعيد والسادة    تعرف على ما يستورده السعوديون من تركيا.. ؟    غيابات واستدعاء لنجوم.. قائمة برشلونة ضد ريال مدريد في الكلاسيكو    رحلات طيران اليمنية غداً السبت    توضيح هام من السفارة اليمنية في روسيا بشأن "الطلاب" وإصابة موظفين ب"كورونا"    بعد الأغنية الصنعانية..استكمال إجراءات تسجيل "الدان الحضرمي" في لائحة اليونسكو للتراث العالمي    افضل صيادلة انجبتهم ارض الجنوب    السعودية تسجل تراجع في وفيات كورونا اليوم وتسجيل مئات الإصابات وحالات التعافي    يا رئيس    اتهامات لانقلابيي اليمن بنهب موارد قطاع السياحة الداخلية    نجم "شباب البومب" يدخل العناية المركزة .. وصحفي يكشف تجاهل زملائه الفنانين لحالته    وزير التخطيط يلتقي المدير التنفيذي لمجموعة البنك الدولي    الشرجبي يبحث مع اليونيسيف تعزيز العمل المشترك وقضايا مشاريع المياه والصرف الصحي    تعز: لجنة الغذاء تقر إغلاق المحلات المخالفة لأسعار وأوزان الخبز    230 ألف فارق في قيمة الريال بين صنعاء وعدن أمام الدولار.. آخر تحديثات أسعار الصرف صباح اليوم    11 ألف ريال فارق في سعر الجرام الذهب بين صنعاء وعدن.. آخر تحديثات أسعار الذهب صباح اليوم    أسعار الخضروات تعاود الارتفاع.. مقارنة لسعر الكيلو الواحد في صنعاء وعدن    الجيش الوطني يدمر معدات عسكرية للميليشيات في مران بصعدة    علماء يحذرون الجميع من كارثة طبيعية مزلزلة ومرعبه على وشك الحدوث.. ويعلنوها بكل صراحة 2020 لن يمر بسلام.. وهذا ما سيحدث؟    بعد 10 أيام على الزفاف...عروس تشنق زوجها أثناء نومه    مدير عام الادارة العامة للتدريب بجهاز محو الأمية بوزارة التربية والتعليم تعزي في وفاة الموجه والمدرب الوطني الاستاذ احمد بكر مبارك فرج    عفوا رسول الله.. كيف بمن يحتفل بك والناس بلا مرتبات جياع بلا غذاء ولا صحة ولا تعليم ولا مأمن؟    اتفاقيةُ أبراهام التاريخيةُ تصححُ الخطأَ النبويِ في خيبرَ    وأشرقت الأرض بنور نبيها    الحرب في اليمن: قصر سيئون المبني من الطوب اللبن "مهدد بالانهيار"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السودان والزنج في الثقافة العربية .. «المعايير والأحكام»
نشر في الجمهورية يوم 01 - 04 - 2007

كان الجغرافي والرحالة والمؤرخ العربي، ابن ثقافته العربية الإسلامية التي نسجت له شبكة من التصورات والتخيلات، والرموز والدلالات والأحكام، والمعايير حول نفسه، وحول العالم المحيط به، وعن الآخر الذي يشاركة عمارة الأرض، فكان لابد له أن يتأثر بها في تأليفه الجغرافي أو التاريخي أو الأدبي، وفيما يدونه من ملاحظات في رحلاته في كنف بلاد السودان، فكانت هذه الشبكة الثقافية بمثابة قبة معنوية محملة بالرموز والدلالات، شكلت الأطر المعرفية والتخيلية عن هؤلاء السود والزنج، واحتوت على الكثير من المعايير المتداخلة، على شكل حزمة من المواقف الوجدانية والعقلية، والرمزية التخيلية، التي نظر العربي من خلالها إلى هذا الآخر «الإفريقي الأسود» أو لغيره من الأمم والثقافات، ورسمت للجغرافي أو الرحالة صورة عن شعوب السودان والزنج، ومناطقهم، ولكل ماتذخر به بلادهم من حيوانات ونباتات وعجائب، وملامح وأوصاف خاصة، وأصدرت أحكاماً انعكست بطريقة أو بأخرى على تأليف هؤلاء، وعلى الممارسة المعاشية الفعلية للعرب مع هذه الشعوب، والتي أثرت بدورها على تعديل تلك الصور والتمثلات، أو أسهمت في تنميط بعض جوانبها، وأحكامها.
ولاشك أن الأحكام العامة التي بشر بها الدين الإسلامي عن العلاقة مع الآخر، بما فيها الإنسان الأسود، تشكل قلب هذه الأحكام، والمحرك الأهم فيها، دون أن يخفى تأثير المعايير الأخرى من الميدان الإدراكي، فمنها من تعايش مع «أحكام الإسلام» وتآلف معها جنباً إلى جنب، ك«معيار العمران» الذي لعله نتج مباشرة عن اعتراف «الإسلام» بالآخر الديني والجنسي ضمن تصوره لوحدة الوحي، ولوحدة الجنس البشري، ثم هناك معايير أخرى تسرب تأثيرها إلى الثقافة العربية الإسلامية عن طريق الترجمة عن اليونانية، أو للتأليف الفارسي والهندي، وقد تجلى ذلك في الأخذ بالنظريات الفلكية التي تحددت من خلالها مواقع الشعوب السوداء بالنسبة لدوران النجوم والفلك، ولتأثيراتها، أو تبعاً لموقعها من الأقاليم التي تخيلها الجغرافيون الأوائل على أنها تؤلف العالم المعمور؛ كما لايمكن إغفال تأثير الجانب المعرفي على أحكام جغرافيينا ورحالتنا، وهي التي تعكس مدى اقتراب العرب، معرفياً من العالم المدروس وهو هنا إفريقيا السوداء كما هي فعلاً، على ضوء تقدم المعرفة على حساب مابقى أو ما انحسر من مجهول، وإلى جانب ذلك فقد تأثروا بالجانب السلالي، وكثيراً ما أخذ الجغرافي والرحالة والمؤرخ العربي تلك المعايير حزمة واحدة مجتمعة، وأحياناً يطغى عند أحدهم المعيار الديني، وعند آخر معيار مقابل.
أ «السود» في الخطاب الإسلامي
الإيمان
لقد مزج التصور القرآني للشعوب، ولعلاقاتها ببعض، بين الوحدة والتنوع، فهناك أرومة واحدة تجمع البشر، وأصل واحد ينطلقون منه، كما أن هناك تنوعاً عميقاً داخل هذه الوحدة؛ وقد قابل هذا التصور النظري اعتراف عملي بالتنوع «العرقي والديني والثقافي» الذي زخرت به «دار الإسلام» وانطوت عليه، فلم ير المسلمون فيه عائقاً للوحدة؛ في المقابل هناك تنوع واختلاف بينهم وبين الآخر لم يدفعهم إلى القطيعة أو الحذر من التواصل؛ لأنهم تعلموا من الإسلام أن هناك بالأساس اختلافاً بين الكائنات والناس واللغات والأديان، وهو شرط للتعاون، فالله خلق البشر من ذكر وأنثى «وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى»«1» وأيضاً «ومن أياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم»«2» ودينياً «هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن»«3» وخلقهم مختلفين ليتعارفوا، إذ ناداهم بقوله: «ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير»«4»، وهذا الاختلاف بين الشعوب يبدو ضرورياً، في هذا التصور، لإغناء التجربة البشرية «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً»«5».
وقد كان الناس في الأصل أمة واحدة، تفرع التنوع عنها، حيث مرجعهم جميعاً إلى آدم «وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة»«6» ثم تفرقت إلى شعوب، إلا أن هذا التفرق يجب ألاينسينا مايجمع بيننا من وحدة، فقد أتى الإسلام كتذكرة واستعادة غير مسبوقة لهذه الوحدة، التي يذخر بها هذا التنوع، وذكر الجميع أن مجال التفاخر الوحيد هو طريق التقوى، وليس التفاخر بالأنساب «ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عندالله أتقاكم»«7».
وقد ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع :«أيها الناس.. إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى»«8» وقد شملت هذه الدعوة إلى المساواة والأخوة الإنسانية جميع الناس، بما فيهم البيض والسود، فالفضائل تمأسست هنا على قاعدة قرابة الفرد إلى الله وإلى جماعة المؤمنين، عن طريق إظهار ورعه وتقواه، أما اللون والجنس والمراتب الاجتماعية فهي مسائل ثانوية أمام هذا القياس الجديد للقيمة.
من هنا، فقد تبوأ الكثير من الشخصيات السوداء أو الحبشية في العهدين النبوي والراشدي مرتبة روحية فائقة في إطار تاريخ نهضة الإسلام الروحية والخلقية، واحتلت مركزاً صلباً للغاية داخل الجماعة المؤمنة، وأضحت رموزاً لايستغنى عنها في الرواية الدينية لبزوغ الإسلام، بما فيه السيرة النبوية، أمثال بلال مؤذن الرسول، وسعيد بن جبير الذي قال فيه الناس «كلنا محتاج إليه» وعطاء بن رباح، وآل ياسر الذين خاطبهم النبي في أثناء اضطهاد قريش لهم: «صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة».
وهؤلاء كانوا جميعهم عبيداً عند قريش، آمنوا بالإسلام، ودفعوا ثمناً باهظاً دفاعاً عن إيمانهم أمام اضطهاد قريش لهم قبل أن يتحرروا.
ولقد تكررت تلك النزعة المساواتية، التي آخت بين السود وغيرهم، عن طريق التأليف النظري ولاسيما عند أبرز الفقهاء المسلمين، الذين عكسوا وجهة النظر الدينية تجاه السود والجنس الأسود، ولاسيما الأحباش الذين كانوا الأسبق في الاحتكاك بهم من غيرهم من السود في غرب إفريقيا ووسطها أو جنوبها؛ فظهرت العديد من المؤلفات التي عددت فضائل السود، ومن أبرزها: «تنوير الغبش في فضل السودان والحبش» لابن الجوزي «ت 597ه 1193م» و«رفع شأن الحبشان» للإمام السيوطي «ت 911ه 1505م» حيث اقتبسه من ابن الجوزي، وأعقبه برسالته الأخرى «أزهار العروش في أخبار الحبوش»، ثم برسالة ثالثة بعنوان «نزهة العمر في التفضيل بين البيض والسود والسمر»، كما وضع محمد عبدالباقي البخاري «ت 991ه 1587م» رسالة باسم «الطراز المنقوش في محاسن الحبوش» اعتمد فيها على «أزهار العروش» للسيوطي.
وكان الجاحظ «150 255ه» المؤلف الموسوعي الكبير، الذي جمع بين الجغرافية والتاريخ والفلسفة والعلوم الأخرى، قد ألف رسالة باسم «فخر السودان على البيضان»، أبرز فيها فضائل السود ومحاسنهم وصفاتهم الإيجابية، وتبعه ابن المرزبان في الحقبة نفسها برسالة «فضل السودان على البيضان» ويجمع الجاحظ في رسالته «فخر السودان على البيضان» بين دور السود الروحي الإسلامي، وإعزاز النبي والصحابة لهم، وبين فضائلهم الحضارية الأخرى، أي بين دورهم في تاريخ التقوى الدينية، ودورهم في مجال العمران؛ فدون ماسمع من أقوال عن السودان، أو محاورات ومناظرات عنهم، أو أحاديث وقصص، ومايروى عنهم من نوادر، وقد قدم ذلك كله بما يروي عن النبي والصحابة من أقوال عنهم، ولقد أقتدى بتأليفه هذا فقهاء كبار كابن الجوزي والسيوطي اللذين غلباً الجانب الديني على ماعداه، للنظر في موقع هؤلاء السودان في تاريخ انبعاث الإسلام، ورأي القرآن والنبي في دورهم الإنساني والروحي.
فيذكر الجاحظ أن «لقمان الحكيم منهم»، كذلك «سعيد بن جبير» الذي كان «أورع الخلق وأتقاهم، وأعظم أصحاب ابن عباس»، كما كان «منهم بلال الحبشي رضي الله عنه» الذي قال فيه عمر بن الخطاب:«هو ثلث الإسلام»، ومنهم مهجع و«هو أول قتيل في سبيل الله» إذ قتل في غزوة بدر، ومنهم أيضاً المقداد بن أسود الكندي «وهو أول من عذبته قريش في سبيل الله»، ومنهم مكحول الفقيه الكبير، ومنهم أيضاً «جليب» الذي قال عنه النبي، بعد مقتله «هذا مني وأنا منه»، ثم حمله على ساعديه، حتى حفروا له.. ماله سرير غير ساعدي رسول الله»«9».
كما يذكر بأن من الحبشة عكيماً الحبشي.. كان علماء أهل الشام يأخذون عنه كما أخذ علماء أهل العراق من المنتجع بن نبهان«10»، ولقد حرص كل من ابن الجوزي «ت255ه 869م»، والسيوطي، والبخاري «ت911ه 1509م» في رسائلهم عن فضائل السود، تبيان وإظهار الدور الكبير للسودان الأحباش في التجربة التقوية الإسلامية، وفي رفع شأن الإسلام، ومظاهر الرفعة التي خصها نبي الإسلام لرجالهم، في سياق دفاعه عن المساواة بين الأجناس والأمم؛ ويروي كل منهم الأحاديث عن النبي التي لن نتعامل معها أو نعرضها من ناحية كونها صحيحة أو منتحلة، أي كمنهج المحدث، بل سننظر إلى تداولها بين الرواة نظرة الأنثربولوجي، أي كأحد مقاييس اتجاهات الوعي الاجتماعي، باعتبار أن تناقلها على لسان المسلمين يعكس وفي حد ذاته جانباً من الوعي الاجتماعي، أو رأي شريحة من المسلمين بمعاني تلك الأقوال ودلالاتها.
فالسيوطي ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قوله: بأن «الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، والدعوة في الحبشة»«11»، فالدعوة التي تنسب وظيفتها، هنا، إلى السودان الأحباش هي شأن خطير في الدين الإسلامي، تتعلق بمصيره ذاته، وبمدى انتشاره، وبالدعوة يرتبط مباشرة «الأذان» الذي لابد أن يذكر الجميع بمؤذن الرسول الحبشي الأسود «بلال»، فالوظيفتان الأساسيتان في مسجد المنورة كانتا «الإمامة» و«الأذان»، الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم، والثانية لبلال بن رباح الحبشي، وله الفضل في الأذان فوق ظهر الكعبة في مكة، كما أنه أذن في بيت المقدس عند دخول المسلمين إليها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين أحدهما حبشي وثانيهما قبطي كانا يتنابذان، ويعير أحدهما الآخر بجنسه: «إنما أنتما من آل محمد»«13» ناكراً التفرقة التي يعلنونها لصالح أخوة الإيمان الإسلامي، كما يروى عن النبي أنه بشر بالجنة كلا من: عمار بن ياسر وبلال، بعد أن قرن اسمهما باسم علي بن أبي طالب حين قال: «اشتاقت الجنة إلى ثلاثة: إلى علي، وعمار «ابن ياسر»، وبلال.. وإن بلالاً سسيبعث على ناقة من نوق الجنة، فينادي بالأذان، فإذا بلغ «وأشهد أن محمداً رسول الله شهدت بها جميع الخلائق»«14».
وروى المحدثون أنه عندما دخل المسلمون مكة فاتحين، أذن بلال على ظهر الكعبة، فقال بعض الناس «يستكبرون الأمر على بلال»: «هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة!؟ فأنزل الله الآية «ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عندالله أتقاكم»«15».
كما يذكر الرواة أن أباً بكرة نفيع بن مسروح وهو أسود حبشي، مولى الحارث «كان من فضلاء الصحابة وصالحيهم، روى عن النبي مائة واثنين وثلاثين حديثاً»«16»؛ كما أن أحباشاً من الصحابة المقربين، مثل «الصحابي نايل الحبشي، وأبي لغيط الحبشي مولى النبي، وذي مخبر الحبشي وكان يخدم النبي، وأم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومولاته واسمها «بركة» روت عن النبي «وروى عنها أنس بن مالك»«17»، ومعهم أيضاً عطاء بن رباح، الذي ولد في خلافة عمر بن الخطاب، واشتهر بعلمه؛ قال عنه ربيعة:
«فاق «عطاء» أهل مكة في الفتوى.. وكان بنو أمية يأمرون في الحج صائحاً يصيح: لا يفتى إلا عطاء بن أبي رباح»«18» وكان «سغف الحبشي» من كبار مشايخ الصوفية، وأيضاً الزاهدان الشهيران «ريحان الحبشي» و«عنبر الحبشي» والأخير كان يعمل على ستر الكعبة كل سنة«19».
ويروى أن رجلاً من الأحباش سأل النبي: «أرأيت إن آمنت بمثل ماآمنت به، وعملت بمثل ماعملت به أني لكائن معك في الجنة؟ فقال النبي: نعم.. فمن قال: لا إله إلا الله كان له بها عهد عند الله، فقال الحبشي: وهل ترى عيني في الجنة ما ترى عيناك؟ قال النبي: نعم، فبكى الحبشي حتى فاضت نفسه...«20» ويروي ابن عمر كيف رأى النبي يحمل الرجل الحبشي «ويدليه في حفرته».
كما يروى عن أنس بن مالك، أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر الغفاري: «اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة»، وهو قول فسره بعضهم بأنه يجيز تنصيب الحبشي الأسود الإمامة«21»، وعندما عير أبو ذر الغفاري بلالاً مؤذن الرسول بقوله: «ياابن السوداء، فأتى بلال النبي وأخبره، غضب النبي من أبي ذر، وقال له: أنت الذي تعير بلالاً بأمه! والذي أنزل القرآن على محمد ما لأحد على أحد من فضل إلا بعمل«22».
وذكروا أن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري عير عمر بن الخطاب إذ قال له: يا ابن السوداء، فنزلت الآية «ياأيها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم»«23» ويروى عن النبي قوله: «سادة السودان أربعة: لقمان، والنجاشي، وبلال، ومهجع».
تجربة الهجرة/ الرحلة إلى النجاشي الحبشي
لقد احتلت هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة، التي كانت بمثابة الرحلة الروحية الأولى للمسلمين خارج مكة، ومقابلتهم للنجاشي «ملك الحبشة»، مكاناً راسخاً في الذاكرة الإيمانية الجماعية للمسلمين؛ لأنها تتعلق في الأساس بتاريخ انبثاق الإسلام الأول من قبل الصعوبات الخارقة التي اعترضته، إذ كرست هذه الذاكرة صورة زاهية للنجاشي الراعي والمنقذ والمتفهم لهؤلاء المسلمين ولإيمانهم الديني الحق، فخضعت هذه الرحلة للعديد من الروايات والتأويلات، أجمعت كلها على تبجيل دور النجاشي، والإعلاء من مكانته.
فقد ذكر أهل السير، أنه كانت هناك هجرتان إلى الحبشة، وذلك لما كثر المسلمون في مكة، أقبل أهل قريش على تعذيب المسلمين الأوائل لردهم عن إيمانهم، فقال النبي لهم: «تقرقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم، قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: ههنا.
وأشار بيده إلى أرض الحبشة«24»، وفي رواية أخرى قال لأصحابه: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لايظلم عنده أحد، وهي أرض صدقٍ، حتى يجعل لكم مخرجاً مما أنتم فيه»«25».
ولم تكن لهذه الرحلة أن تتم بطريقة عشوائية، بل أتت بعد تفكير عميق، إذ كانت أرض الحبشة متجراً، وكانوا يجدون فيها، كما يقول الطبري «رفاغاً من الرزق، وأمناً ومتجراً حسناً»26»، فكانت استمراراً لعلاقات بين جانبي البحر الأحمر، فلم يجد المهاجرون عثرات تمنع وصولهم إليها، وكان أول من هاجر من المسلمين إليها: عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جملة مهاجري الهجرة الأولى أحد عشر رجلاً، وقيل: أثنا عشر، وقيل: عشرة؛ ثم هاجر ثانية ثلاثة وثمانون رجلاً ومعهم جعفر بن أبي طالب، فبعثت قريش من يتعقبهم إلى النجاشي، وكان عمروبن العاص رئيس وفد قريش في المرتين «27» قد أعطى الهدايا إلى البطارقة، وهدية إلى النجاشي، وقال له عند مقابلته:«إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا في دين ابتدعوه لانعرفه نحن ولاأنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشيرتهم لتردهم إليهم، فهم أعلم بهم»، فقال بطارقته: «صدق أيها الملك، قومهم أعلم بهم.. فأسلمهم إليهم»«28»؛ تنوه الرواية الإسلامية بعظمة النجاشي، الذي رد بغضب «لاها الله «=لا والله»لايقاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي فاختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم»، فلما جاء المهاجرون من المسلمين، تولى جعفر بن أبي طالب الرد على تساؤلات النجاشي عن حقيقة الدين الإسلامي، وموقفه من المسيح ومريم، فجاء في رده: إن النبي «أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لانشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.. فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ماجاء به من الله، وعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبدة الأوثان، عن عبادة الله.. فخرجنا إلى بلادك واخترناك على سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك!».
فقال له النجاشي: هل معك ماجاء به عن الله من شيء، فقال له جعفر: نعم.
فقرأ عليه صدراً من آي القرآن «فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته من الدموع، وبكت الأساقفة حتى أخضلت مصاحفهم حين سمعوا ماتلاه عليهم»، ثم قال لهم النجاشي: «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم»«29».
وعلى أساس هذه التجربة، أحاط المسلمون النجاشي وصحبه الأحباش بهالة من الاحترام والتبجيل، تجلت في العديد من الروايات حول استجابته لدعوة النبي إلى الإسلام، والرسائل المتبادلة بين النبي وبينه، بالإضافة إلى ماخصه النبي نفسه من تبجيل، فجاء في إحدى الروايات أن النبي بعث إلى النجاشي عمر بن أمية الضمري في شأن المهاجرين المسلمين إليه، وكتب معه كتاباً جاء فيه «.. فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المهيمن...وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت عيسى.. وإني أدعوك إلى الله وحده لاشريك له والموالاة على طاعته..»؛ثم جاء في رد النجاشي، اعترافاً بدين محمد، وإيماناً به:
«.. وقد عرفنا مابعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لرب العالمين»«30».
واستمراراً في تبجيل ذكرى النجاشي الحبشي، يروي الرواة أن النجاشي زوج «أم حبيبة»، التي توفي زوجها في أرض الحبشة، إلى النبي، ومهرها من عنده أربعة آلاف، وبعثها إلى النبي مع شرحبيل بن حسنة «31» ويذكر بعض المفسرين أنه نزلت في النجاشي الآية الكريمة «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى»«32» ويروى عن أنس لما جاء نبأ نعي النجاشي، أي موته، قال النبي: «صلوا عليه، قالوا: أيا رسول الله، نصلي على عبد حبشي!؟ فأنزل الله الآية: «وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين..»، وفي رواية أخرى، أن النبي قال عند سماعه وفاة النجاشي: «استغفروا لأخيكم»«33».
ويحصى السيوطي مايقارب العشرين لفظاً ذات أصول حبشية وردت في القرآن«34»، كما يحصي ومعه ابن الجوزي أبناء الحبشيات من الصحابة والتابعين والخلفاء، وأبنائهم، فمن الصحابة: صفوان ابن أمية ابن خلف الجمحي، وعمرو بن العاص، ومن أبناء أبي جعفر المنصور«35».
وهكذا صارت الحبشة والأحباش مادة أثيرة في التأليف العربي، فكثيراً مانجد أصحاب المصنفات الجغرافية والتاريخية والأدبية يعلون من شأن الحبشة وناسها، فقد أنغرس في اللاوعي الجمعي للعرب المسلمين قيمتها، بوصفها أرض الهجرة التي قصدها المسلمون هرباً من ظلم ذوي قرباهم، وهي التي عبدوا فيها بأمان، دون خوف ولا وجل، ويخص ابن الجوزي الأحباش بكثير من الخصال المجيدة، إذ يذكر من صفاتهم: الكرم الوافر، وحسن الخلق، وقلة الأذى، وكثرة ضحك السن، وطيب الأفواه، وسهولة العبارة، وعذوبة الكلام«36».
ب العمران والحضارة
لم تقتصر نظرة العربي المسلم إلى الآخر الأسود على المقياس الديني وحسب، بل اتخذ له معايير أخرى في مقدمتها المعيار العمراني الحضاري، فواقع التنوع الثقافي والقومي الذي زخر به الاجتماع السياسي الإسلامي ، والمفاهيم المساواتية الدينية وقبولها لفكرة التعايش بين المسلمين وأهل الكتاب دينياً، وللأجناس الأخرى «العجمية» أفضت إلى سيادة موقف نسبي من الآخر الداخلي، ومن ثم الآخر الخارجي، والمبدأ الأساسي الذي وجه تلك النظرة النسبية إلى الآخر، داخلية كانت أم خارجية، هو أن الفضائل والمثالب موزعة على الأمم، لاتخلو منها أمة من الأمم«37».
لهذا نجد أمامنا الكثير من كتب الجغرافية الإقليمية: المسالك والممالك، والمصنفات البلدانية، ولاسيما تلك التي أختصت بدراسة وصفية للجغرافية البشرية لإقليم أو لمدينة معينة، تحت اسم «كتب الفضائل»، اهتمت كلها بإبراز مميزات كل إقليم ومايحتوي من فضائل ومثالب تميزه عن الأقاليم والمدن الأخرى، فلقد أدرك الجغرافيون العرب، وأصحاب المصنفات الأخرى الفروق الداخلية ضمن دار الإسلام؛ وأعطوا لكل إقليم من أقاليمهم صفة خاصة، ومهروا في تعقب معرفة الخصائص التي تميز هذا الإقليم عن ذاك، ثم نقلوا هذه المنهجية وطبقوها في دراساتهم على الأمم الأخرى خارج دار الإسلام، فاتسمت وجهتهم بالنسبية الحضارية ذاتها، إذ بينوا ماتملكه كل أمة من الأمم، الأبرز في العهد الوسيط، من جوانب حضارية وعمرانية خاصة، بالإضافة إلى ماتملكه من خصائص سلوكية، ولعل هذا التصور النسبي التكاملي للحضارات الكونية يعود جزئياً إلى النظرة الدينية المساواتية ذاتها، التي يتعايش فيها الاختلاف مع الوحدة.
ولقد تكاملت هذه النزعة المساواتية، ذات المنابع الإسلامية، بنزعة إنسانية عند أبرز ممثلي الثقافة العربية في القرن الثالث والرابع الهجريين، كالجاحظ والتوحيدي ومسكويه، الذين لخصوا وجهة نظر الثقافة العربية تجاه الآخر، وأتى الجغرافيون والرحالة ليضفوا على هذه النزعة الطابع العلمي والواقعي، وذلك في دراستهم للأقاليم إذ أعطوا لكل إقليم سمة خاصة تجمع بين فضائله ومثالبه، ولم ينسوا ما يشتهر به من فاكهة وحيوان، ومن عجائب، ونقلوا هذا المنهج بدورهم إلى دراساتهم للأقاليم خارج دار الإسلام.
لقد أفرد الجاحظ والتوحيدي لكل أمة دوراً مميزاً في ميزان الحضارة والعمران، تتميز به عن باقي الأمم، بحيث أصبحت فنون الإبداع العمراني موزعة على كل الأمم البارزة في التاريخ القديم والوسيط؛ لأن أياً منها لايستطيع أن يتفوق بكل جوانب العمران «لأن من كان مقسم الهوى، مشترك الرأي، ومتشعب النفس، غير موقر على ذلك الشيء ولامهيأ له لم يحذق من تلك الأشياء شيئاً بأسره، ولم يبلغ فيه غايته»«38»، وهذا لايعني عند الجاحظ أن كل أفراد تلك الأمم تختص في تفوقها في هذا المجال الذي تتصف به بتميزها «فلا كل يوناني حكيماً، ولا كل صيني في غاية الحذق، ولاكل عربي شاعراً فائقاً، كريماً سمحاً.. لكن هذه الأمور في هؤلاء أعم وأكمل وأتم، وهي فيهم أظهر»«39».
ويشير التوحيدي «ت 420ه 932م» بوضوح، إلى أن «لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلها وعقدها كمالاً وتقصيراً، وهذا يقضي بأن الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مفاضة على جميع الخلق، مفضوضة بينهم»«40»، ويذهب التوحيدي إلى حد القول: «إن الأمم كلها تقاسمت الفضائل والنقائص باضطرار الفطرة، واختيار الفكرة، ولم يكن بعد ذلك إلا مايتنازعه الناس بينهم بالنسبة الترابية، والعادة المنشئية والهوى الغالب من النفس الغضبية، والنزاع الهائج من القوة الشهوانية»«41».
أما القاضي صاعد الأندلسي «القرن الحادي عشر الميلادي»، الذي ولد في مرية/ الأندلس في 420ه 1020م، وكان تلميذاً لابن حزم، فقد اعتمد مظهراً واحداً من مجال العمران وهو العلم، ليقيس به مكانة الأمم، حتى إنه يتجاهل تماماً العامل الديني في أحكامه عن مكانة هذه الأمة أو تلك، في سلم الرفعة الحضارية، فهو يبدأ مقدمته في أطروحته القائلة: «إن جميع الناس في مشارق الأرض ومغاربها وجنوبها وشمالها، وإن كانوا نوعاً واحداً، فإنهم يتميزون بثلاثة أشياء: الأخلاق، الصور، واللغات«42».
وكان الناس قبل تشعبهم وافتراق اللغات سبع أمم، ثم افترقت وتشعبت، وهو يميز مابينها على أساس إسهاماتها في مجال العلم وحسب، إذ يشير إلى أنها تنقسم إلى طبقتين «طبقة عنيت بالعلم فظهرت منها ضروب العلوم، وصدرت عنها فنون المعارف، وطبقة لم تعن بالعلم عناية يستحق منها اسمه وتعد به من أهله»«43»، أما الأمم التي اعتنت بالعلوم فهي عنده «الهند والفرس والكلدانيون واليونانيونوالروم وأهل مصر والعرب والعبرانيون، أما الطبقة التي لم تعن بالعلوم فهي بقية الأمم»«44» ويضع بينها الصين والترك، والبرطاس والخزر، واللان والصقالبة والروس، ثم يضيف إليهم «أصناف السودان من الحبشة والنوبة والزنج وغانة وغيرهم»«45».
ويعلل ذلك بأثر البيئة وقربهم من خط معدل النهار «فهم لطول مقاربة الشمس رؤوسهم، أسخن هواءهم، وسخن جوهم، فصارت لذلك أمزجتهم حارة وأخلاقهم محترقة؛ فأسودت ألوانها وتفلفلت شعورهم، فعدموا بهذا رجاحة الأحلام وثبوت البصائر، وغلب عليهم الطيش وفشا فيهم النوك والجهل مثل من كان من السودان ساكناً بأقصى بلاد الحبشة والنوبة والزنج وغيرها»«46»، وهو بهذا يحيلنا إلى تأثير موقع الأمم في التقسيم الإقليمي للعالم المعمور،أو بُعدها أوقربها من خط الاستواء ،وهو عامل سنرجع إليه فيما بعد إلا أنه يميز في داخل هذه الأمم التي لم«يستعملوا أفكارهم في الحكمة ولاراضوا أنفسهم بتعلم الفلسفة» بين أهل المدن وجوارهم من الحضر،وبين أهل القفر والبادية «فأهل المدن وخدامهم من أهل البادية،لايخلون،حيث كانوا من مشارق الأرض ومغاربها وجنوبها وشمالها،من سياسة ملوكية تضبطهم وناموس إلهي يملكهم، ولايشذ عن هذا النظام الإنساني..إلا بعض قطعان الصحارى وسكان الفلوات والفيافي كرعاة البجة وهمجع غانة، وغثا الزنج ومن أشبههم»«47».
فهنا يُبرزُ صاعدٌ أهمية النظام ووجود دولة،كعلامة من الدرجة الثانية على تقدم الأمم في مجال العمران والحضارة،وهذا المُلكُ وذاك النظامُ يلازم وجود المدينة والحضر الذي يحيط بها،لايستثني منها أية أمة وأي شعب،وينسحب هذا على المدينة السودانية الزنجية ،بينما يقع الفقر وسكان البراري خارج مجال العمران والحضارة.
إن ماعبر عنه التوحيدي في مجال فلسفة الحضارة،أو الجاحظ وصاعد في مجال الفلسفة والتاريخ والجغرافية،من القول بأن كل الأمم لاتخلو من فضائل ومثالب،ومن نزعة نسبية حضارية ، عبر عنه الجغرافيون،والجغرافيون المؤرخون،والجغرافيون الرحالة، والرحالة أنفسهم كل في مجال بحثه وتأليفه النوعي،ولاسيماالجغرافية البلدانية الوصفية،حيث ركزت في أبحاثها على الكشف عن خصائص الأقاليم وفضائل المدن،ومايتميز به كل إقليم أو مدينة من خصائص نوعية بشرية وبيئية،نباتية وحيوانية ؛ فضائلها ومثالبها.وكان المبدأ الأساسي الذي قامت عليه نسبية نظرتها إلى الآخر،الداخلي أو الخارجي،هو أن الفضائل والمثالب موزعة على كافة لأمة،وأن لكل أمة دورها المميز في مجال العمران،ولقد نوه لهذا النهج الجغرافي الحضاري ابن رستة«300ه 913م» بقوله: «ولما اختلفت هذه المواضع التي ذكرناها،وصار لكل موضع منها خاصة ليسع لغيره، فكذلك كل مدينة من المدن ،وكل موضع من المواضع التي نذكرها،ولها ولأهلها خاصية وطبيعة في اختلاف صور الناس،ومايكون بها من الحيوانات والنبات والمعادن، ،والحر والبرد،والمياه والعيون،والسنن والدين والأخلاق،وسائر الأشياء التي ليس لغيرها من المدن، وذلك ظاهر موجود في المواضيع والأمصار،حتى إنه ليوجد الاختلاف في المواضع القريبة بعضها من بعض» «48
لقد كانت صلة العرب المسلمين كثيفة للغاية بإفريقيا السوداء،إذا ما قيست بعلاقة اليونان والرومان وغيرهم من الأمم بها،فلم تقتصر خبراتهم المعرفية على المعلومات التي التقطها الرحالة ورسل الملوك وسفرائهم،أو معلومات الجغرافيين والمؤرخين والتجار والجواسيس،بل كانت هناك صلات مباشرة للجاليات العربية التي انتشرت في جنوب الصحراء أو في شرقي افريقيا،أو زيارات ملوك السودان الغربي في طريقهم إلى الحج إلى مكة، كرحلة سلاطين مالي ،والسنغي ،إلا أن تلك المعلومات الكثيفة نسبياً أعاقت تبويبها،إلى حد كبير ،الصورة النمطية التي اقتبسها الجغرافيون وتأثير نظرية «جالينوس» في تأثير الكواكب والنجوم على الشعوب ومصائرها،وشكلت الصورة النمطية التي رسمها بطليموس وجالينوس قيداً على تفتح رؤية هؤلاء الجغرافيين المتأثرين بها،ولعبت نظرية الأول دوراً حاسماً في بلورة الصورة الأقاليمية للعالم ،وموقع افريقيا السوداء فيها،عند الكثير من الجغرافيين العرب ورحالتها،وفي المقابل فإن نظرية جالينوس وأبقراط وجهت فكرتهم نحو الأعراق والطبائع،وعلاقة تلك الأقاليم بالبروج،ومن ثم تكوين صورة شبه نمطية ثابتة عن الآخر الأفريقي الأسود القاطن في الأقاليم الجنوبية،كغيره من الشعوب التي تتشكل طباعها وسلوكها حسب مواقعها الأخرى من أقاليم العالم المعمور،وتحكمت بهم تلك الصورة بعد أن تطورت معارفهم على ضوء المعطيات التي قدمها الرحالة كابن فاطمة والأسواني، وابن سعيد المغربي،وابن بطوطة ،وغيرهم من الجغرافيين الرحالة كالبكري والمسعودي وابن حوقل والمقدسي وغيرهم ،إذ بقي لتلك النظريات تأثيرها الواضح،التي لم يسلم منها حتى ابن خلدون «1405م».
والوزان «القرن السادس عشر»،والإدريسي«القرن الثاني عشر» فعلى الرغم من معلوماتهم الثرية تلك،فإنهم اعتنقوا الرأي القائل بأن ربع المعمور في الأرض هو وجود يسمح بالعيش، وباستحالة الحياة في البلاد الشديدة الحرارة، أو القارسة البرودة، ولكن إذا كان اعتناق اليونان وأوروبا الوسيطة،كما يقول كراتشكوفسكي :«لهذه النظرية مايبررها ،وذلك لعدم إلمامهم بالبلاد الواقعة إلى الجنوب من خط الاستواء،فإن العرب بفضل رحلاتهم البحرية قد عرفوا جيداً تلك الجهات من افريقيا من زنزبار«زنجبار» ومدغشقر حيث رأوا رأي العين عدداً من المراكز المأهولة..وبالرغم من هذا استمرت هذه النظرية الطائشة في ظهرانيهم دونما أي تعديل»49.
فلو أن العرب قد اكتفوا بالمعلومات التي جمعوها عن افريقيا السوداء وأهلها عن طريق رحالتهم وجغرافييهم الرحالة لكان توفيقهم أعظم ،لكن اتصالهم بنظريات فارس والهند،فضلاً عن تأثرهم بنظرية بطليموس،شكلت لهم قيداً وأصبحت لهم أساساً لاتجاه جديد في التأليف أي الاتجاه الكوني/الفلكي ضيّق سبل نظرهم50.
وكانت أبرز النظريات،التي تحولت مع الأيام إلى عقبة معرفية،هي النظرية الرياضية الكوكبية ،التي تقسم الأرض المعمورة إلى سبعة أقاليم من الشمال إلى الجنوب،مقسمة إلى خطوط طولية تخيلية متقاطعة مع خطوط عرض وهمية أخرى،حيث موضعوا الأقاليم والأمم قياساً إلى موقعها من تلك الأقاليم،وقربها وبعدها عن خط الاستواء ،ومجال الحرارة والبرودة ،واستناداً إلى هذه النظرية،صار ينظر إلى الأمم التي كلما انحدرت سكناها جنوباً ضاق المجال العمراني عندها مع ازدياد الحرارة،إلى أن نصل إلى منطقة تنعدم فيها الحياة البشرية والحيوانية ،فحصروا مجال العمران ما بين ثمانين درجة تبدأ من الشمال عند الدرجة ستين وتنتهي في الجنوب عندما تقارب الدرجة عشرين في الحدود القصوى.
بالإضافة إلى فكرة الأقاليم السبعة التي ينقسم إليها الربع المعمور من الأرض،فإن الجغرافيين العرب اقتبسوا من جالينوس وأبقراط تلك النظرية التي تدعي وجود صلات بين طبائع البشر ومصيرهم على الأرض،والكواكب والنجوم في البروج السماوية فغدا التنجيم جزءاً من العلوم الجغرافية يخضع لقوانين صارمة تنظم علاقات الإنسان والأمم والوسط الكوني.
ج العامل الاجتماعي والسياسي والتاريخي:
كان للعامل السياسي وأيضاً الاجتماعي والتاريخي أدوارٌ أخرى في تلوين صورة الأفريقي الأسود في المخيلة العربية،.فإلى جانب صورة النجاشي الزاهية،الحامي لهجرة المسلمين الأولى، ولخطاب المساواة الإسلامي الذي ساوى بين الأبيض والأسود، وربط خط النجاة بالتقوى ،هناك في المقابل حوادث صادمة للذاكرة العربية القديمة،ناتجة عن التدخل السافر للسودان في البلاد العربية،ويأتي في مقدمة الحوادث السودانية الحبشية الصادمة للذاكرة العربية القديمة،استعمار الحبشة القديم لليمن،ومحاولة غزو«أبرهة الحبشي» للكعبة في عام الفيل .بالإضافة إلى تأثير الموقع الاجتماعي الذي اتخذه السود في الحياة الاجتماعية العربية،حيث اختلطت صورتهم بصورة الرقيق العبد الذي يقف في أسفل السلم الاجتماعي،إذ لاتزال تتردد في الذاكرة العربية عملية القهر الحبشي لأبناء اليمن،وانطلاقهم عبر اليمن إلى نجران،ثم تواصل هجومهم بقيادة أبرهة على مكة،يما يذكره العرب بعام الفيل،وهو عام «570571م» الذي ولد فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثم كانت ثورة «سيف بن ذي يزن» اليمني على الأحباش ،وهو الذي تحول مع الأيام إلى بطل للسير الشعبية التي تحمل اسمه،وإلى جانبه عنترة «الأسود» البطل المجيد في السيرة الشعبية الأخرى،وهاتان الصورتان تعكسان التجاذب السلبي والإيجابي في أحكام العرب عن السود،وهو يظهر جلياً في التقابل الذي تحتويه صورتا النجاشي وأبرهة الحبشي المتناقضتان في الوجدان العربي الإسلامي.
يضاف إلى ذلك تكاثر ظاهرة الرق،الذين كان أغلبهم من السود الأفارقة إلى جانب العبيد البيض المجلوبين من أوروبا،ولاسيما أوروبا السلافية والبلقانية. حيث احتل السود من العبيد المكانة الدنيا في السلم الاجتماعي الإسلامي الجديد،بعد أن أصبح للعرب إمبراطورية كونية تمتد من الصين إلى حدود فرنسا،فإنه وخارج المثال القرآني الذي ضيق هذه الظاهرة إلى أبعد الحدود،وحض على التحرر منها،فقد تكاثرت وتزايدت أعداد الرقيق وتجارتهم إلى حدود كبيرة،فإن توسع العمران ومظاهر الحضارة والسلطان عمّق النزعة الدنيوية على حساب النزعة الدينية والمثال القرآني ،صار الرق من جراء ذلك مكوناً أساسياً من مكونات الاجتماع السياسي الإسلامي ،وإن كان قد غلب على هذا الرق الطابع المنزلي.
ولكن هذه الظاهرة تطورت بطريقة لاتتفق مع المثال النبوي الإسلامي عن المساواة والأخوة البشريين،صحيح أن الإسلام لم يحرم ظاهرة الرق على الإطلاق،إلا أن القرآن والحديث النبوي شجعا على إبطال هذه الظاهرة إن كان عن طريق حصره في باب واحد وهو الناتج عن الحرب،أو في اعتبار تحرير الرق«الرقبة» نوعاً من العبادة أو الكفارة عن الذنوب.
لكن سياق الحياة الاجتماعية الإسلامية ابتعد عن صورة المثال،حيث تغلغل الرق من مصادره الأفريقية والأوروبية في الحياة العربية الإسلامية،حتى إنه دخل في سوق البيع والشراء،،فتجاوز النوافذ«الشرعية» إلا أن نشاط هؤلاء الرقيق قد غلب عليه الطابع المنزلي ،مع استثناءات قليلة،وهو مانشاهده من استخدام للزنج في سواد البصرة بشكل كثيف،لاستصلاح الأراضي هناك.
ومن السمات المميزة للرق في البلاد العربية،هو أنه كان أساساً من مظاهر البذخ، بينما كان له في الأمريكيتين «أساسٌ اقتصاديّ وطيدّ؛ إذ كانوا يجلبون الرقيق أساساً للعمل في المزارع التجارية،لذلك فإن الزنوج في الشرق قد امتصوا في السكان المحليين كما أن اعتناقهم الإسلام يحل أية مشكلة اجتماعية»51
فضلاً عن ذلك فإن النخب المملوكية التي حكمت مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية مايقارب ثلاثة قرون ،وورثوا السلاطين الأيوبيين،كانوا في الأساس رقيقاً استجلب من البلقان والقوقاز،ثم دمجهم في الجيش بعد اعتناقهم الإسلام،وارتقوا في سلمه حتى وصلوا إلى مواقع القيادة العسكرية والسياسية، والسلطان.
ولا ننسى أن الدولة «النجاحية» التي قامت في اليمن على يد قائدها الحبشي «نجاح» وكانت معاصرة للفترة الأخيرة للدولة الفاطمية؛وكذلك فإن كافوراً الإخشيدي وصل إلى حكم مصر،وهو عبد أسود خصي مثقوب الشفة السفلى،واختلف الناس فيه،فمنهم من يذكره بازدراء كالشاعر المتنبي،وبعضهم الآخر يذكره بغزارة علمه وسعة أفقه.. كما نتج عن ظاهرة الرقيق «ثورة الزنج» في جنوب البصرة،وهو حادث صادم للذاكرة العربية الإسلامية في علاقته مع الزنوج السود،وقد حدثت تلك الثورة في العصر العباسي الثاني «831م 1259م» عندما غدا للجند موقعاً راجحاً في السلطة على حساب مركز الخلافة وموقعها،واستخدم هؤلاء الجند«الإقطاع العسكري» كأحد طرق استيلائهم على الفائض الاقتصادي،ولتأمين وفرة لدخلهم، واستخدموا في «إقطاعهم العسكري» الذي تمركز في سواد البصرة،العمل الكثيف للرقيق وخاصة للذين استجلبوهم من شرق أفريقيا «الزنج»،لاستصلاح الأرض وكسح الطبقة الملحية للوصول إلى الأرض الخالية من الملح 52،وتوزع هؤلاء الزنج في مجموعات عمل كثيفة تتراوح أعدادها ما بين ألفي عبد إلى خمسة آلاف،وبلغت إحدى تلك المجموعات الخمسة عشر ألفاً53.فكان استخدام الرق في العمل الزراعي نوعاً من الاستثناء للصورة العامة لعمل الرقيق في البلاد العربية الذي غلب عليه طابع العمل المنزلي،حيث دفع هذا الشكل القاسي الذي مورس في أرض السود بعد قادة السود إلى استلهام المثال القرآني في العدل والمساواة والأخوة،فقادوا رفاقهم إلى الثورة على الظلم تحت راية الآية «إنما المؤمنون إخوة» ورفعوا شعاراً لهم هو الحديث الشريف«شر الناس من أكل وحده،ومنع رفده،وضرب عبده» ، وامتدت ثورتهم إلى مايقارب الأربعة عشر عاماً«255270ه /869 883م» ،تجاوزت فيه ضحايا «الثورة» من السود والسلطة عشرات الآلاف 54،وكان قائد الثورة « علي بن محمد» الذي يرجع بنسبه إلى علي بن أبي طالب عن طريق زيد بن علي،الذي ردد في إحدى خطبه«الله أكبر،لاحكم إلا الله» وهو ما يذكرنا بأقوال المحكمة.وكانت أعلام صاحب الزنج بيضاء،وكان من أهدافها الكبرى إلغاد الرق55.
ولعبت ،أيضاً أحداث الحروب الصليبية،وما أعقبها من مناوشات بين مصر المملوكية وبلاد الحبشة دوراً سلبياً،حيث نظر إلى تلك المناوشات كاستمرار للحروب الصليبية ،وهو ما انعكس في «السير الشعبية» ولاسيما «سيرة سيف بن ذي يزن» التي انطوت على بعض المواقف السلبية من الأحباش،وتم الترويج مجدداً لفكرة أن العرب أولاد سام بن نوح،وأن الأحباش والسود من أولاد حام بن نوح56.
والحال،أن مجمل تلك «الحوادث الصادمة» السياسية والاجتماعية ،قد شكلت محوراً للتأثير على صورة «الإفريقي الأسود» عند العرب ،وكان لابد لها بطريقة أو بأخرى من أن تضغط على طريقة إدراك جغرافيينا ورحالتنا إلى السودان الزنج.
ولعبت أيضاً فجوات المعرفة،وتضاؤل المعلومات أو انعدامها فيما يخص المناطق الجغرافية ولاسيما في أقصى القارة الإفريقية أو في عمقها،دوراً مهماً في طريقة تناول أصحاب المصنفات لها، حيث انطبع الكثير من تقاريرهم عنها بالطابع الأسطوري والعجيب ،فأتت رواياتهم مزيجاً من المبالغات والرغبات والعجيب والخارق والتخيلي،كما ظهرت عن ابن الوردي والقزويني وشيخ الربوة الدمشقي.
لقد احتلت الوجهة الدينية الإسلامية الموقع الأعلى في القبة الثقافية التي هي منبع القيم والأحكام والمعايير،وشاركها في المزاحمة على الاستحواذ على المرجعيات المسيطرة والموجهة المعيار الإقليمي أو الفلكي أو السلالي ،بالإضافة إلى تأثير العوامل الاجتماعية السياسية،فضلاً عما يخلقه« الجهل» لبعض العوالم من ضرورات لملئها بالتصورات الممكنة،إلا أن العرب، بما فيهم جغرافيوهم ورحالتهم، لم يرسموا حدوداً ثقافية فاصلة تفصلهم عن السود،فالعالم الجغرافي الذي يفصلهم عن السود:
الصحراء الكبرى، البحر الأحمر «القلزم» ،شلالات النيل ،يبدو مفتوحاً على عالم مألوف لديهم،يجدون فيه نقاطاً وبقاعاً يتجاور فيها المهاجرون العرب «تجاراً ورجال دين» مع السود«المسلمين والوثنيين» ،وعندما أطلقوا صفة «وحشية» على بعض الجماعات السوداء،فقد عنى هذ المفهوم لديهم ما يقابل مفهوم «العمران» ، فال«توحش» نفسه وجده جغرافيونا ومؤرخونا في «ديار الإسلام» ذاتها لدى الجماعات البدوية،ولم يروجوا لمركزية عرقية،حيث أعطوا البيئة المكان الأول في التأثير في اللون،وكما قال ابن حوقل مكرراً قول الكندي:«إن البيضان إذا تناسلوا في بلد السودان سبعة أبطن عادوا في سحنتهم وبسوادهم،وإذا توالد السودان في بلد البيضان سبعة أبطن عادوا في صورتهم وخلقهم من البيضان »57 أما المفهوم السلالي فهو بالإضافة لمعارضته المبدأ الإسلامي ،فإنه كان موضوعاً للتنازع داخل الجغرافيين والمؤرخين العرب المسلمين،.ولم يصلوا إلى وفاق حول تحديداته وقيمته المعيارية.
الهوامش
1 سورة النجم،آية 45.
2 سورة الروم ،آية 22.
3 سورة التغابن ،أية 2.
4 سورة الحجرات، آية 13
5 سورة الحج ،آية 45.
6 سورة الأنعام ،آىة 98.
7 سورة الحجرات .آية13
8 محمد الخضري،نور اليقين في سيرة سيد المرسلين ،القاهرة 1910م .ص325.
9 أبوعثمان عمر بن بحر« الجاحظ» رسائل الجاحظ الجزء الأول ،كتاب فخر السودان على البيضان، مكتبة الخانجي ،القاهرة 1384ه،ص64.
10 المصدر نفسه.ص198
11 جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر «السيوطي» 911ه 1505م :رفع شأن الحبشان ،مركز المخطوطات والوثائق ،الجامعة الأردنية،رقم المتسلسل 373.«صورة» ص15.
12 المصدر نفسه، ص19.
13 المصدر نفسه، ص 129.
14 المصدر نفسه، ص 31.
15 المصدر نفسه، ص 138.
16 المصدر نفسه، ص153.
17 المصدر نفسه، ص 156و168.
18 المصدر نفسه، ص 188.
19 المصدر نفسه ،ص 205و208
20 المصدر نفسه، ص 17.
21 المصدر نفسه، ص 20و22
22 المصدر نفسه ،ص 140 141.
23 عبده بدوي ، السود في الحضارة العربية،دار قباء للطباعة والنشر،القاهرة 2001م،ص66.
24 السيوطي ،رفع شأن الحبشان ،المصدر السابق ،ص46.
25 عبدالسلام هارون ،تهذيب سيرة ابن هشام،دار الفكر ،بيروت ،دون تاريخ ،ص68.
26 أبوجعفر بن جرير «الطبري» القرن الثالث الهجري ،تاريخ الملوك والرسل ،مجلد أول ،تحقيق محمد أبوالفضل ابراهيم،دار المعارف ،مصر 1961م ،ص111.
27 السيوطي ،رفع شأن الحبشان ،المصدر السابق ،ص46.
28 هارون ،المصدر السابق،ص 6869.
29 المصدر نفسه، ص 6971.
30 السيوطي ،رفع شان الحبشان ،المصدر السابق ،ص103 104.
31 المصدر نفسه ،ص74.
32 المصدر نفسه ،ص23.
33 السيوطي ،عبدالرحمن أبوبكر جلال الدين،أزهار العروش في أخبار الحبوش ، تحقيق عبدالله محمد عيسى الغزالي ،منشورات مركز مخطوطات التراث والوثائق .«56».الكويت 1995م،ص41.
34 المصدر نفسه، ص 42.
35 المصدر نفسه، ص 5960.
36 الشيخ الإمام أبوالفرج عبدالرحمن بن علي ،«ابن الجوزي» «ت597ه» : تنوير الغبش في فضل السودان والحبش ،«مخطوط» ،ورقة 139.
37 الطاهر لبيب ،الآخر في الثقافة العربية في «صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً إليه»،«ندوة ،تحرير الطاهر لبيب ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت 1999م،ص21.
38 أبوعثمان عمر بن بحر«الجاحظ» :رسائل الجاحظ ،ج1،تحقيق وشرح عبدالسلام هارون ،مكتبة الخانجي ،القاهرة 1964م ،ص67.
39 المصدر نفسه، ص73
40 علي بن محمد بن العباس «أبوحيان التوحيدي» ،كتاب الإمتاع والمؤانسة ،ج1،صححه وضبطه أحمد أمين وأحمد الزين،مكتبة الحياة ،بيروت ،بدون تاريخ ،ص73.
41 المصدر نفسه، ص74.
42 أبوالقاسم صاعد بن أحمد بن عبدالرحمن بن محمد «صاعد الأندلسي»462ه 1070م:طبقات الأمم،تحقيق حياة بو علوان،دار الطليعة ،بيروت 1985م،ص33.
43 المصدر نفسه، ص39.
44 المصدر نفسه، ص 40.
45 المصدر نفسه، ص40.
46 المصدر نفسه، ص42.
47 المصدر نفسه، ص 4344.
48 أحمد بن عمر «ابن رسته» 300ه 913م:الأعلاق النفيسة.الجزء السابع،تحقيق دي خويه،مطبعة بريل ،1992م ،ص168.
49 إغناطيوس بوليانوفيتش ،كراتشكوفسكي ،تاريخ الأدب الجغرافي العربي ،ترجمة صلاح الدين عثمان، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية .القاهرة 1957م ص23
50 حسين مؤنس،تاريخ الجغرافيين في الأندلس ،مكتبة مدبولي ،ط2 القاهرة 1986م ،ص3.
51 المصدر نفسه، ص 231.
52 أبوجعفر بن جرير «الطبري» ، تاريخ الرسل والملوك ،المجلد 11،تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم ، دار المعارف،مصر 1961م .ص177.
53 المصدر نفسه، ص 176.
54 بدوي،المصدرالسابق ،ص106.
55 محمد عمارة ثورة الزنج ،دار الوحدة ،بيروت بدون تاريخ ،ص55.
56 بدوي ،المصدر السابق ،ص163.
57 أبوالقاسم محمد بن حوقل النصيبي«ابن حوقل» ،صورة الأرض ،منشورات مكتبة الحياة ،بيروت 1992م ،ص101.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.