أصالة    تغاريد حرة.. أخترت الطريق الأصعب    دية الكلام    استهداف نوعي لأول مرة في اليمن.. مسيرة تضرب مركبة في المهرة دون احتراقها    تراجع غاز تركمانستان ل76.5 مليار م3 ونمو طفيف بإنتاج النفط    مخطط إغراق اليمن بالمهاجرين: وصول 200 إثيوبي إلى شبوة بتسهيلات رسمية    من زنزانة "الجوع" في صنعاء إلى منفى "الاختناق" في نيويورك    المهرة تشهد حشد جماهيري يجدد التفويض للمجلس الانتقالي الجنوبي (بيان)    الأرصاد تنبه من كتلة هوائية باردة تسبب انخفاضًا ملحوظًا في درجات الحرارة    ريال مدريد يتصدر أوروبا من جديد في إيرادات الملاعب    "شبوة برس" ينشر نص البيان.. زنجبار تهتف بصوت واحد: الثبات عهدنا والصمود طريقنا حتى استعادة الدولة الجنوبية (صور)    عدن.. جمعيات الصرافين تعمم الضوابط الجديدة لشراء وبيع العملات الأجنبية    مصادر تكشف عن أرباح محمد صلاح من عقود الرعاية    أمن أبين درعُ الشعب في الميادين... وأمن شبوة وصمةُ رصاصٍ قاتل في جبين المسؤولية    قضية الجنوب: حق مشروع لا تهديد لأحد    نقل معتقلين من سجون سرية إلى ملاجئ تحت الأرض بعدن    دورة تنشيطية لمدربي كمال الأجسام    ما السلاح السري الذي استُخدم للقبض على مادورو؟    جولة حاسمة من المفاوضات بين ايران وأمريكا الثلاثاء    سيمفونية الخداع: كيف يُعيد الطغيان تدوير جرائمه؟    تكريم أفضل مستشفى تخصصي في مكافحة العدوى    مصرع أحد المطلوبين في عمران    أخوان توكل كرمان يسيطرون على حضرموت    الرئيس المشاط يعزّي في وفاة والدة الشهيد هاني طومر    الحديدة.. جهود مثمرة في الرقابة على الأنشطة التجارية والصناعية وتعزيز الإنتاج المحلي    الهمداني يعزي وزير الصحة العامة والسكان بوفاة والده    بطولة الكوثر العاشرة بتعز تنطلق في رمضان    وزير المالية يضع حجر أساس مصانع ضمن توجه دعم التوطين    السيد القائد: شعبنا من أكثر الشعوب اهتماما واحياء لرمضان    طائرتان ركاب ثمناً لعودة حكومة العليمي... وأنصار الله يرسّخون معادلة القوة    عدن.. مكتب التربية يعلن إجازة ويحدد موعد استئناف الدراسة وبرنامج التعويض    عبد السلام قطران يضرب عن الطعام في محبسه    كاك بنك ينفّذ زيارة ميدانية إلى لحج لتعزيز الشراكات الزراعية ودعم التنمية المستدامة    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    الذهب والفضة ينتعشان عالمياً اليوم بعد موجة هبوط حادة    قضية الجنوب وقتل المتظاهرين في شبوة تصل إلى الإعلام الدولي وتفتح باب المساءلة    ارسنال مهدد بفقدان صدارة البريميرليج    الفيفا يفرض عقوبة قاسية على بلباو    ابشِروا يا قتلة شبوة بعذاب جهنم الطويل.. طفل يتيم ابن الشهيد بن عشبة ينظر إلى تراب قبر أبيه وحسرة قلبه الصغير تفتت الصخر(صور)    هيئة الآثار: لا وجود لكهف أو كنوز في الدقراري بعمران    أكسفورد تحتفي بالروحانية الإسلامية عبر معرض فني عالمي    موسم الخيبة    الحديدة.. الإعلان عن مبادرة رئاسية بخصوص الكهرباء    هيئة الزكاة تدشن مشاريع التمكين الاقتصادي ل667 أسرة بمحافظة إب    لا...؛ للقتل    دراسة صينية: الدماغ والعظام في شبكة واحدة من التفاعلات    تدشين صرف الزكاة العينية من الحبوب في الحديدة    عاجل: شبوة برس ينشر صورة أول شهيد في عتق الشاب محمد خميس عبيد خبازي    تهريب تمثال يمني نادر يعود للعصور السبئية    حجة.. جمعية الحكمة اليمانية الخيرية تدشّن مخيم عيون لإزالة المياه البيضاء بمديرية عبس    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    نقابة الصحفيين والاعلاميين الجنوبيين تحيي حفل تأبين الفقيدة أشجان المقطري    دراسة: التناول المعتدل للشاي والقهوة يقلل خطر الإصابة بالخرف    السامعي يعزّي وكيل أمانة العاصمة في وفاة والدته    مثقفون يمنيون يتضامنون مع النائب حاشد ويدينون سلبية سلطات صنعاء وعدن تجاهه ويحذرون من تدهور وضعه الصحي    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تعلم گيف تواجه ثورة شعب
نشر في الجمهورية يوم 14 - 02 - 2014


«2/2»
كان خروج موسى بقومه تعبيراً سلمياً عن رفضه لسياسة فرعون بعد سنوات من القهر والفساد والظلم والاستبداد التي مارسها القوي الظالم في حق الشعب الضعيف ، وللذكرى نقول للمدافعين أو الجاهلين بسياسة فرعون ، أليس فرعون من علا في الأرض وأفسد فيها وجعل شعبه فريقين فريق يعمل وهم بني إسرائيل وفريق يأكل وهم قومه والمقربون منه ، فريق يكدح وفريق يربح ، فريق يزرع وفريق يحصد ، ثم زاد على ذلك فلوث يديه بدماء الأبرياء من بني إسرائيل بقتل الذكور من الرضع خشية أن يتكاثر عددهم فيكونون خطراً عليه وعلى قومه كما يظن أو كما أشير عليه قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } القصص4 .
خامسها: اتهام المعارضين له بتضليل الناس ونشر الفساد في البلاد
بلغت الوقاحة بفرعون أن يتهم قادة الثورة ورموزها بما يمارسه من تضليل وإفساد ويحرض الناس عليهم ويطلب منهم أن يؤيدوه في عزمه على تصفية هؤلاء القادة {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ } غافر26، وصدق العرب حين قالوا (رمتني بدائها وانسلت) ولولا خشيته من تعاطف الناس مع الثورة وهي ما زالت في المهد ومن زيادة المؤيدين لها من بني إسرائيل لسارع إلى قتله.
سادسها: قمع الخارجين سلميا على النظام وممارسة العقاب الجماعي
بالرغم من أن التأييد لموسى عليه السلام في بداية الثورة لم يشمل جميع أبناء قومه من بني إسرائيل كما قال تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} يونس83 ، إلا أن ذلك لم يمنع فرعون ونظامه من استهداف ومعاقبة بني إسرائيل جميعا دون تفريق بين المؤيدين والصامتين بل طال العقاب حتى الأطفال قال تعالى: (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ{127}) الأعراف، كل ذلك من أجل أن تكثر الشكوى من الثورة ويرون فيه سبب شقاءهم وعنتهم وقد كان ذلك لولا الجهود التي بذلها موسى والمخلصون للثورة في الثبات على نضالهم ضد النظام الفرعوني قال تعالى: ({قالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ{129}) الأعراف، وتستمر الثورة.
ثامنها: اللجوء إلى التهدئة وتقديم الوعود عند الشعور بالضعف ثم نقضها
لا تستغرب من النظام الذي يمارس كل ألوان الفساد والقتل أن يلجأ إلى المراوغة ونقض العهود في حال الشعور بالضعف والعجز أمام أنصار الثورة، فكلما تنزلت الآيات الإلهية المؤيدة للثوار والمزلزلة لنظام فرعون طالب النظام بالتهدئة وأعلن أنه سيلبي مطالب الثوار من بني إسرائيل وما إن تذهب الغمة ويستعيد النظام قوته حتى يعود النظام إلى غروره ويخلف الوعود وينكث العهود قال تعالى:({فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ {133} وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ {134} فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ {135}) الأعراف.
تاسعها: التهوين والتقليل من شأن المعارضين له والخارجين عليه
ما أشد غرور الفراعنة الذين يحضون بالمديح الكاذب زمنا طويلاً من قبل المنافقين المحيطين بهم حتى يصير أحدهم لا يرى في المخالفين له إلا مجموعة من الجرذان والتافهين والخونة والحقراء والعملاء الذين يستحقون السحق والدوس بالأقدام والضرب بالأحذية، فها هو فرعون يتهم الخارجين عليه من شعبه من الثوار وقادتهم بالجنون أحياناً وبالشرذمة أحياناً وبالحقارة أحياناً وبالعي وعدم القدرة على الكلام أحيانا أخرى، فموسى الذي آتاه الله العلم والحكمة وناصر المظلومين يوصف بأنه مجنون {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} الشعراء27، كما يقول فرعون عن موسى بأنه حقير ولا يحسن الكلام {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} الزخرف52، ولا يرى فرعون في الآلاف الثائرين عليه إلا طائفة حقيرة لا وزن لها َقال تعالى: ({فأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ {53} إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ{54} وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ {55} وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ {56}) الشعراء، ونحن نسأل فرعون لو كان يحسن الإبانة إن كان الثائرين شرذمة فلماذا يرسل إلى كل الأقاليم لحشد الجند؟! ولماذا كل هذا الغيظ الذي يملأ قلبه كما يصف؟! ولماذا يدعو الجميع للحذر منهم؟! ..هل يستطيع الشريف العاقل الفصيح فرعون أن يجيب؟! ألا لعنة الله على الظالمين.
عاشرها: استخدام كل أنواع القوة والترهيب وعلى رأسها القوة العسكرية
لم يتوانى النظام الفرعوني عن استخدام كل ألوان القوة في قمع الثوار ابتدأ بالتهديد بالسجن وانتهاء بحشد القوة العسكرية رغبة في الحسم وإنهاء الثورة، فها هو فرعون يتهدد موسى بالسجن {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} الشعراء29، ثم يتطور الأمر إلى التهديد بالقتل {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} غافر26، ثم ينتقل الأمر من استهداف الثوار إلى العقاب الجماعي لقوم موسى {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} الأعراف127، وأخيراً حشد فرعون كل قواه العسكرية للحسم بالإبادة الجماعية (فأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ {53} إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ {54} وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ{55} وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ {56} الشعراء، فإما أن يحكمهم أو يقتلهم والله المستعان.
تباين موقف الناس من هذه الوسائل الفرعونية
لا يمكن لأية ثورة مهما كانت شرعية مطالبها أن تحظى بالإجماع مادام أن هناك من تربطه مصالح غير مشروعة بالنظام القائم ومادام أن هناك فئة من الناس تعيش ضحية للخوف والجهل، ففي ثورة بني إسرائيل انقسم الناس إلى فئات متعددة، أما الفئة الأولى فهم المؤيد للنظام وهم قسمان القسم الأول المحرض له على بني إسرائيل خشية من ذهاب مصالحهم بذهاب الطاغية وزوال نفوذهم بزوال ملكه وهؤلاء هم الملأ من قومه قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} الأعرا127، وعلى رأس هؤلاء المحرضين هامان الذي كان كثيراً ما يستعين به فرعون في تنفيذ المهام الصعبة والأكثر إيلاما للثورة قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ }القصص38، والقسم الثاني من المؤيدين للنظام بل أشدهم على الثورة جنود فرعون فهم يده التي يبطش بها ورجله التي يدوس بها بني إسرائيل ويسفك بهم دماء الأطفال الأبرياء دون رحمة تنفيذاً لأمر فرعون وإن كان بعض هؤلاء الجنود مهتد فكثير منهم فاسقون قال تعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} القصص39 .
- وأما الفئة الثانية فهم المؤيدين للثورة والثوار وكانوا قسمين أيضاً القسم الأول الصامدون من بني إسرائيل ومن المنشقين عن النظام وكان منهم السحرة الذين ثبتوا رغم التهديد بالتصفية من قبل فرعون وكان جوابهم (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا {72} إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى {73} إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى {74} وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى {75}) طه، وكان منهم زوجة فرعون التي نالت ألوان من العذاب فكان ردها {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} التحريم11، ومنهم مؤمن آل فرعون الذي خرج عن صمته ووقف مدافعا عن ثورة موسى بالرغم من المخاطر التي يمكن أن تصيبه قال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } غافر28، وبهؤلاء الصامدون طال عمر الثورة وحققت أهدافها.. وأما القسم الآخر من هذه الفئة فهم كثير من بني إسرائيل الذين طال بهم أمد الثورة ولم ينالهم منها إلا مزيداً من الأذى الذي كان ينالهم قبل الثورة والذي توعدهم به فرعون فكثرت شكواهم واستبطئوا النصر ويئسوا من نجاح ثورتهم وعجزوا أن يصبروا على أذى ذاقوا أضعافه في ظل حكم فرعون عقودا طويلة قال تعالى:{قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }الأعراف129، وهؤلاء الذين كان لا يفتأ موسى يأمرهم بالصبر والاستعانة بالله ويذكرهم بجميل عاقبة التقوى {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }الأعراف128.
انتصار الثورة وسقوط النظام الفرعوني
بقدر ما كان خيار الثورة مصدر معاناة لبني إسرائيل كان مصدر معاناة للنظام فقد بدأ يتهاوى ويفقد الكثير من قوته قال تعالى{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} الأعراف130 ، كما فقد الكثير من أنصاره من خارج ومن داخل القصر وعلى رأسهم السحرة بل ومن داخل الأسرة الحاكمة قال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} غافر28، بل وصل الأمر إلى داخل غرفة فرعون وإلى اقرب الناس إليه قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} التحريم11،
وجاءت لحظة النهاية أو الحسم التي كان الطرفان يبحث عنها لإنهاء المعاناة التي لحقتهم والتي جعلت موسى يدعو فيقول (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ{88}) يونس، وجاءت الإجابة من اللهَ (قالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ{89}) يونس، وتسارعت الأحداث وجاءت لحظة الحسم بأمر من الله حيث أمر موسى أن يحشد قومه للخروج بهم من مصر قال تعالى: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ } الدخان23، وفي مقابل هذا الحشد السلمي حشد فرعون كل قواه العسكرية للمواجهة وكادت تقع مجزرة لولا أن تدخلت قوة الله وكانت نهاية فرعون ونظامه وجنوده (فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ {61} قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ {62} فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ {63} وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ {64} وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ {65} ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ {66} إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ{67} وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ {68}) الشعراء
- وفي لحظة الهلاك أعلن فرعون أنه على نهج من أراد قتلهم من الثوار من بني إسرائيل قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} يونس90، إلا أن فرعون لم يحظى بأي تعاطف قال تعالى: (فمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ {29}) الدخان، فوقت الاستجابة قد فات أوانه بعد أن راوغ الطاغية طويلاً ونكث عهوده لمرات عديدة وجاءه الرد على طلبه حاسماً {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} يونس91، وبهذه النهاية فشلت كل وسائل الطاغية في إجهاض الثورة وكانت النهاية أن انتقم الله للمكلومين ودمر الطغاة وأشياعهم وبنيانهم وانتصرت الثورة ونال الثوار مطالبهم وتحقق وعد الله لهم جزاء صبرهم وثمرة نضالهم قال تعالى:(فانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ{136} وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ{137}) الأعراف، وتحقق وعد موسى لقومه: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف128، وصدقت نبوءة الشابي حين قال للطغاة يحذرهم وينذرهم:
ألا أيها الظَّالمُ المستبدُ
حَبيبُ الظَّلامِ، عَدوُّ الحياهْ
سَخِرْتَ بأنّاتِ شَعْبٍ ضَعيفٍ
وكفُّكَ مخضوبةٌ من دِماهُ
وَسِرْتَ تُشَوِّه سِحْرَ الوجودِ
وتبذُرُ شوكَ الأسى في رُباهُ
رُوَيدَكَ! لا يخدعنْك الربيعُ
وصحوُ الفَضاءِ، وضوءُ الصباحْ
ففي الأفُق الرحب هولُ الظلام
وقصفُ الرُّعودِ، وعَصْفُ الرِّياحْ
حذارِ! فتحت الرّمادِ اللهيبُ
ومَن يَبْذُرِ الشَّوكَ يَجْنِ الجراحْ
***
تأملْ! هنالِكَ.. أنّى حَصَدْتَ
رؤوسَ الورى، وزهورَ الأمَلْ
ورَوَيَّت بالدَّم قَلْبَ التُّرابِ
وأشْربتَه الدَّمعَ، حتَّى ثَمِلْ
سيجرِفُكَ السيلُ، سيلُ الدماء
ويأكلُك العاصفُ المشتعِلْ
- وفي لحظة النهاية ونحن نقف أمام مشهد الغرق غرق النظام في سوء أعماله وقد ذهبت قوته وترك الدنيا وراء ظهره ينعم بها المستضعفين الذين حرموا منها زمنا طويلا وهي أمام أعينهم لا ننس في هذه اللحظة أن نقرأ قوله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ {25} وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ {26} وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ {27} كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ {28}) الدخان. فهل يعتبر الطغاة؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.