مصرع 5 أشخاص في تحطم مروحية جنوب ليبيا    وزير التعليم العالي بحكومة الزنداني يوضح اسباب عدم ادائه اليمين الدستورية في الرياض    وزير التعليم العالي بحكومة الزنداني يوضح اسباب عدم ادائه اليمين الدستورية في الرياض    السعودية والصومال توقعان اتفاقية تعاون عسكري ودفاعي    السامعي يعزّي وكيل أمانة العاصمة في وفاة والدته    رافينيا يكشف عن جاهزيته لمواجهة أتلتيكو مدريد في كأس الملك    الهلال يسقط في فخ التعادل امام شباب الاهلي دبي في دوري ابطال اسيا للنخبة    رالف شربل يقود الاميركي تايسون جاكسون لانتصار أمام محكمة البات السويسرية    الرئيس المشاط يعزّي في وفاة اللواء نجيب عبدالله كامل    العلامة مفتاح يكرّم الفريق الفائز بلقب بطولة الشهيد القائد لكرة القدم    استشهاد 4 فلسطينيين بغارة للعدو الإسرائيلي على شقة سكنية غرب غزة    المواصفات تحذر من تلوث منتجات حليب الرضع وحليب (Nestlé) .. صور    المكلا تحتضن مليونية طرد قوات الاحتلال اليمني غدا    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "الجاثوم"    العلامة مفتاح يحث على تفعيل الرقابة والاشراف على المنشآت الطبية    ألمانيا واليابان بنحو 30 وزيرا... وحكومة العليمي ب35 وزيرا لبلد يعيش الفقر والحرب    الجوهي: شعارات حضرموت المستقلة كانت خدعة لتسليم الوادي لقوات يمنية وإقصاء النخبة    الاتحاد الأوروبي: التوسع الاستيطاني يقوّض الحقوق الفلسطينية ويهدد الاستقرار    مفتاح: الحديدة في صدارة أولويات الحكومة التنموية والخدمية    مفتاح يدشّن المرحلة الخامسة من مشروع "التغيير الجذري" لمراكز الشرطة بصنعاء    المجلس الانتقالي يحذر من "تداعيات كارثية" للقمع العسكري بوادي حضرموت ويدعو لتدخل دولي لتقصي الحقائق    عاجل : سيئون تحت وطأة الإرهاب العسكري.. قائمة ب 24 مختطفاً في حملة مسعورة لقوات الاحتلال اليمني بوادي حضرموت (تفاصيل + أسماء)    السيد عبدالرحمن الجفري يبعث برقية تعزية في رحيل المناضل الوطني الشيخ علوي علي بن سنبله باراس    الهيئة العليا للأدوية تتلف 80 طناً من الأدوية المهربة    رسمياً: لابورتا يستقيل من رئاسة برشلونة    اعمال "مشبوهة" في مدينة مأرب القديمة تثير مخاوف الخبراء    عدن.. أربعة بنوك تحدد سقفاً يومياً لشراء العملة الأجنبية من المواطنين    صنعاء.. البنك المركزي يوقف التعامل مع منشأة صرافة    وزيرة تتهم قائدًا عسكريًا بمنع فريق تحقيق من زيارة السجون في لحج وتعز    المدرسة الديمقراطية تحتفل بمرور 25 عاماً على تأسيسها    هل يصبح صلاح الوجه العالمي للدوري السعودي بعد رونالدو؟    تأكيداً على تكامل أداء السلطتين التشريعية والتنفيذية.. رئيس مجلس النواب يلتقي القائم بأعمال رئيس الوزراء    إرث المسافات    مثقفون يمنيون يتضامنون مع النائب حاشد ويدينون سلبية سلطات صنعاء وعدن تجاهه ويحذرون من تدهور وضعه الصحي    تنفيذًا لتوجيهات قائد الثورة ورئيس المجلس السياسي الأعلى.. الإفراج عن 190 سجينًا بمناسبة قدوم شهر رمضان    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإعادة التعامل مع منشأة صرافة    أسرار الصيام بين الشفاء الروحي والانتعاش الجسدي    من يزعم "مليونيات الذكاء الاصطناعي" يكشف سقوطه الأخلاقي قبل الإعلامي.. ك "تفسير الشمس ضوءا صناعيا"    عاجل: محاولة اعتقال قيادي شاب تشعل سيئون.. مدرعات قوات الطوارئ اليمنية تحاصر حي السحيل بسيئون    الارصاد: طقس بارد إلى بارد نسبيا على المرتفعات    ماوراء جزيرة إبستين؟!    في شكوى ل"الاتحاد البرلماني الدولي".. الناىب حاشد يكشف عن تدهور حاد في وضعه الصحي    كاك بنك يعلن شراء العملات الأجنبية من المواطنين وفق السعر الرسمي    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    قضية الجنوب أصابت اليمنيين بمرض الرهاب    حادث سير مروع على الطريق الساحلي بين عدن والحديدة    عضو مجلس القيادة المحرّمي يلتقي وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    رئيس هيئة المحافظة على المدن التاريخية يزور مدينة شهارة    لحج.. وفاة سائقين في حادث مروري بطور الباحة    تقرير خاص : كهرباء عدن والمنحة السعودية.. تحسن مؤقت يوقظ ذاكرة المعاناة الطويلة ويضع الحكومة أمام اختبار صيف قاسٍ ..    في ذكرى رحيل القائد عشال    شعب الجنوب العربي عالمي بوسطيته واعتداله    الفخراني يحصد جائزة الاستحقاق الكبرى لعام 2026    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    تعقيدات سعودية جديدة أمام المعتمرين اليمنيين    قيود سعودية جديدة للحد من المعتمرين اليمنيين    "عمرة رمضان" وسطوة الرواية على الآية؛    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحاضن البيئي وانعكاسه على السلوك الثقافي للبشر
نشر في الجمهورية يوم 02 - 03 - 2014

في أحد الأيام قرر باحث متخصص في لعبة كرة القدم أن يقوم بدراسة لمقارنة أداء لاعب كرة القدم بلاعب كرة سلة مستخدماً في هذه الدراسة معايير كرة القدم كأساس للموازنة. وبناء على المبادئ والمعايير والمعرفة الخاصة بكرة القدم، أعطِى كل اللاعبين المهمة نفسها لإنجازها، وبناءً على أداء اللاعبين في هذه المهمة كانت النتيجة التي وصل إليها الباحث «ولم تكن بالمفاجئة» أن لاعب كرة القدم هو أدرى وأنجح في إنجاز المهمة من لاعب كرة السلة. وبناءً على هذه النتيجة أصدر الباحث حكمه بتدني المقدرة العقلية للاعب كرة السلة مقارنةً بتفوق لاعب كرة القدم العقلي.
السبب في قيام الباحث بهذا النوع من الدراسات وغيرها من الدراسات المشابهة لا يعلمه إلا من يقوم بمثل هذه الدراسات أو يمولها.
مشابه لهذه القصة المتخيلة ما قد يقوم به بعضُ المتخصصين في علم الإنسان (الأنثروبولوجي) بدراسة ثقافات أخرى مختلفة عن ثقافاتهم مستخدمين سلوكياتهم الثقافية كمعيار لدراسة السلوكيات الثقافية لمجتمعات تلك الثقافات، ومن ثم القيام بموازنة هذه السلوكيات بسلوكياتهم الثقافية الخاصة، وعليه يصدرون الأحكام العامة المجحفة في غالب الأحيان بقصد أو غير قصد أو يكون وراءها دافع سياسي أو اقتصادي أو تبشيري. وبناءً على هذه النتائج يقوم هؤلاء الباحثون بإصدار حكم، ليس فقط على تخلف سلوكيات شعوب تلك الثقافات، بل يصل الأمر إلى الحكم على قدراتهم العقلية ووصفها بالقصور موازنةً بالقدرات والنمو العقلي لشعوبهم. فتقدم أو تخلف المجتمعات عندهم سببه تفوق أو قصور العقل البشري. وقد ذهب مفكروهم في الماضي إلى القول بأن القدرات العقلية للشخص البالغ في الثقافات المتخلفة في زعمهم تتساوى مع القدرات العقلية لأطفال الثقافات المتقدمة، ومن ثم، فما دام الأطفال بحاجة لمن يرعاهم ويقوم على مصالحهم فإن هذه الشعوب هي أيضاً في حاجة لمن يرعاها ويهتم بها وخير وسيلة لرعايتها هي الاستعمار والوصاية.
وفي الماضي مهد بعض علماء الأنثروبولوجي الطريق، بل أوجدوا الذرائع لاستعمار كثير من الشعوب في إفريقيا وآسيا بحجة تخلف تلك الشعوب وحاجتها لمن يعمر بلدانهم وينميها. وفي الوقت الحالي قد تكون بعضُ هذه الدراسات ممولةً بأموال أجنبية، وقد يكون الباحث أجنبيّاً مرسلاً أو وطنيّاً مستأجراً أدرك أم لم يدرك. وفي الماضي استخدمت بريطانيا الاستعمارية نتائج الدراسات الأنثروبولوجية لإدارة مستعمراتها. لذا فليس بمستغرب أن تكون الدراساتُ الأنثروبولوجية الآن مكانَ اهتمام المستعمر الجديد لإدارة الكسب الجديد.
هذا ما كان يقوم به علماء الأنثروبولوجي في السابق من دراسة للسمات والأنماط السلوكية الثقافية للمجتمعات المتخلفة -في نظرهم- تلك الأيام، ومن ثم تأتي آلة الاستعمار بمفكريها وعسكرها وتستخدم هذه الدراسة ونتائجها في إدارة هذا المجتمع والتحكم فيه، وعادة ما يعززون بعض السلوكيات الثقافية السلبية التي تسهل للمستعمر شؤون المستعمرة. فتراهم يؤكدون ويشجعون السلوكيات الثقافية السلبية في المجتمع ويظهرونها على أنها السمة الغالبة للثقافة المحلية لهذا المجتمع لتكون ذريعة لهم للاستمرار في استحلال هذا البلد ونهب خيراته كما فعلوا في الهند. كما أن معرفة مكامن الضعف في مجتمع ما هي مصدر قوة للمستعمر لكسر إرادة الشعوب، وما ظاهرةُ اغتصاب الرجال في أبو غريب عنا ببعيد.
وللحكم على مستوى النمو العقلي والإمكانات العقلية يؤكد النزيه من الأنثروبولوجيين أنه لابد أولاً من دراسة البيئة الاجتماعية التي يعيش فيه الفرد دراسة عميقة ومتفحصة من جهة، ودراسة جميع ما توفره هذه البيئة الاجتماعية من أدوات ثقافية أو كما سماها أحد الباحثين “بالتسهيلات البيئية”. فمن البديهي أن ما توفره بيئة ما لا توفره أخرى. ولهذا فإنه من الخطأ -بل من الإجحاف المقصود أو غير المقصود- أن يتم الحكم على النمو العقلي لأناس أو لمجتمع بعينه في سياق ثقافي ما، وعلى أساس معطيات ثقافة الدارس أو الباحث الذي هو عادةً في كثير من الدراسات الأنثروبولوجية ينتمي إلى الثقافة الغربية.
ولتيسير الصورة سأضرب مثلا يسيرا كما يلي: لو قمت بإسناد مهمة ما لبعض طلبة المرحلة الثانوية في مجتمع من المجتمعات التي توفر لطلابها الوسائل التقنية المتقدمة كالحاسب الآلي منذ السنوات الأولى في مراحلهم الدراسية في المدرسة والمنزل بل في جميع التجمعات البشرية كالأسواق مثلاً، وأسندت المهمة نفسها إلى طلاب في المرحلة الثانوية في سياق اجتماعي آخر لا توفر مدارسه إلا القراءة والكتابة، وقد لا يكون هؤلاء الطلبة قد شاهدوا مباشرة جهاز حاسب آلي أو لمسوه بأيديهم، فإن النتائج معلومة مسبقاً، ولا ضرر في ذلك. ويكمن الضرر في ما تقود إليه نتائج هذه الدراسة ومن يستفيد منها لتحقيق مكاسب ما. والقارئ الجيد لمثل هذه الدراسات سيحكم على تحيزها وخللها العلمي من الوهلة الأولى؛ إذ لا يمكن بحال من الأحوال الحكم على أن الفئة الأولى هم أكثر من الفئة الأخرى في النمو العقلي. هذه النتيجة كما هو معلوم في كثير من الدراسات الأنثروبولوجية القديمة خاصة تنتهي بالقول بأن السبب وراء اختلاف أداء الفريقين يعود أساساً إلى أن سبب تفوق الفريق الأول يعود إلى نموه العقلي في مقابل عدم النضج العقلي والإدراكي للفريق الآخر. ومثل هذه الدراسات تكون النتائج فيها معروفة مسبقاً، بل قبل بدء الدراسة أحياناً. بل إنها تؤدي للوصول إلى نتائج غير دقيقة وستكون لها عواقب تتعدى أهداف الباحث النزيه، إن أحسنا الظن في نزاهته. وقد يكون الاستعمار (والأصح في رأي أن يسمى الاستدمار) من أسوأ ثمار هذه الدراسات التي أدت عملاً مهما في إيجاد المسوغ لاحتلال دول واستدمارها.
المعيار الحقيقي للحكم على أي تجمع إنساني في أي ثقافة ما لابد أن يكون من خلال ما توفره بيئة تلك الثقافة من أدوات ووسائل ثقافية. وهذه الأدوات الثقافية أينما كانت هي عنصر مهم في تكوين القدرات والمهارات العقلية للفرد وعنصر فاعل في أداء تلك السلوكيات الثقافية التي تتطلب الدراية المسبقة بتلك الأدوات. إلا أنه قد يكون من الإنصاف القول بأن وجود الأدوات الثقافية في أي بيئة ثقافية كالحاسب الآلي مثلاً هو مؤشر جيد على التقدم الفكري للثقافة التي اخترعت وأنتجت هذه الأدوات. وهنا أتحدث عن التوجه الثقافي لأي تجمع بشري بشكل عام، وليس عن قدرة الأفراد بشكل خاص. فليس من العدل ولا الأمانة العلمية أن يتم موازنة أفراد من بيئتين مختلفتين واحدة تتوفر فيها هذه الأدوات وأخرى لا. فأي دراسة لسلوك معين في بيئة ما بناءً على نفس السلوك في بيئة مختلفة قد تفتقر لما يسمى بالمصداقية البيئية (Ecological validity): فكل تجمع بشري له ارتباط وعلاقة ببيئته مختلفة عن التجمعات الأخرى في البيئات الأخرى، وعليه فإن سلوك الأفراد في التجمعات البشرية هو انعكاس لهذا الاختلاف في العلاقة. لذا فإن على الباحث في الثقافات وسلوكيات الأفراد والمجتمعات الثقافية أن يدرك أن سلوكيات الأفراد الثقافية في التعامل مع عمل ما أو حل مشكلة ما تختلف وتتنوع باختلاف المعطيات الثقافية في كل بيئة اجتماعية، فحين يقوم محاسب عادي في قرية صغيرة في دولة فقيرة بإنجاز عمله باستخدام القلم والدفتر والعد على الأصابع أحياناً، نجد أن المحاسب في دولة متقدمة تتيح له بيئته الآلة الحاسبة والبرامج الحاسوبية المتقدمة. فسلوك كل واحد منهم مختلف، والمهمة واحدة، والفرق الوحيد بينهم أن الثاني وفرت له بيئته الثقافية أدوات ثقافية متقدمة لا يمكن الحكم على الأول بالقصور العقلي بناءً على عدم الدراية بها. فهي أصلاً ليست ضمن خارطته الإدراكية بسبب عدم توفرها في بيئته، ومن ثم عدم التعامل معها مسبقاً. فحين يأتي باحث ما ويطلب من هذا المحاسب إنجاز مهمة حسابية باستخدام برنامج حاسوبي متقدم فإنه طلب مجحف معروفة نتائجه قبل بدء المحاولة، ففاقد الشيء لا يعطيه. فالإنسان كما يقول د. فاروق إسماعيل لا يورث السمات البيولوجية فقط بل السمات الثقافية أيضاً، وينعكس ذلك بنفس القدر على سلوكياته اليومية.
ولهذا قد يكون من الأدق أن ننظر إلى أي تجمع إنساني على أنه تجمع يختلف عن غيره، وأن التفاضل بينهم يكون حسب الخارطة الإدراكية لتلك التجمعات، فقد يكون تجمعٌ أفضلَ من غيره وأكثر تقدماً ونمواً إدراكياً في سلوك ثقافي معين كالتعامل مع الأدوات التقنية، في حين قد يتغلب عليه من هو أقل منه في التقدم التقني في جوانب أخرى كالإيمانيات مثلاً، وكم رأينا من يعمل كل إمكاناته العقلية في الجوانب المادية، إلا أن كل تلك الإمكانات تتعطل وتغيب تماماً أمام تمثال أو صنم يعبد من دون الله سبحانه وتعالى. فلو أن كل باحث نظر إلى ثقافة غير ثقافته بناءً على ما يظنه هو السلوك الثقافي السوي والمتوقع في كل زمان ومكان دون الأخذ في الحسبان ما توفره كل بيئة لأفراد مجتمعها فلن يكون هناك وعي عميق بالغير. لذا فإنه لمن الأولى خلق وعي عالمي بالسلوكيات الثقافية المختلفة وليس العمل على إيجاد معيار عالمي واحد يحكم إجحافاً من خلاله على سلوكيات أفراد في مجتمعات تنتمي إلى بيئات مختلفة.
ولإيجاد هذا الوعي والتصور العالمي لسلوكيات الأفراد في المجتمعات الثقافية المختلفة فإن على الأنظمة التربوية في جميع دول العالم عموما ودول العالم المتقدم مادياً خصوصاً القيام بتدريس هذا الوعي لتلاميذها ليس فقط بسلوكيات الآخرين بل حتى الوعي بسلوكياتهم هم أنفسهم، فكثير من سلوكياتنا نقوم بها دون إدراك منا لما نقوم به، ونعتقد أن هذا هو السلوك المناسب في كل زمان ومكان وعليه نحكم على سلوكيات الآخرين إما بالإيجاب أو السلب.
لابد من إدراك أن كل فرد يعيش في بيئة توفر له وتساعده على تعلم بعض السلوكيات المقبولة في تلك البيئة عموما والمقبولة والمتوقعة في كل سياق خصوصا. فكل سياق اجتماعي له نمط سلوكي ثقافي معين قد لا يكون مقبولا في سياق آخر حتى في نفس البيئة الواحدة. فما يتوفر في تجمع بشري ما قد لا يوفر في آخر لأسباب كثيرة. فالحديث عن أجهزة ال(I-Pod) مثلاً أصبح من المسلمات في مجتمع مثل المجتمع الأمريكي وخاصة بين فئة الشباب، ولكن يجب عدم توقعها في مجتمع لا يكاد الأب فيه يوفر لقمة العيش لمن يعولهم، ثم يأتي بعد ذلك من يصف أفراد مثل هذا التجمع بعدم النمو العقلي لعدم معرفتهم بمثل هذه الأجهزة.
وقد نتج عن إهمال الحاضن البيئي والاجتماعي وأثره في سلوكيات البشر أنْ رَبَطَ بعضُ الباحثين البيولوجيين الفروقَ العقلية والإدراكية بين البشر بالمورثات الجينية وحدها دون أي نظر إلى البيئة الثقافية والاجتماعية أو حتى طريقة التنشئة الأسرية والظروف المصاحبة لذلك بدءًا من دارون (Darwin) في القرن التاسع عشر مروراً بالدارونيين الجدد (Neo-Darwinists) ثم العالم السويسري بياجيه (Piaget) حتى الثمانينيات من القرن الماضي. ومع اعتراف هؤلاء العلماء بأهمية البيئة المحيطة كحاضن فقط، إلا أن ما يميز البشر بعضهم عن بعض في قناعاتهم هي الصفات الوراثية الطبيعية (الجينات) وعليها يتشابه البشر ويختلفون. ولإثبات ذلك قام فريق من الباحثين بعمل دراسات بين توائم متطابقة (identical twins) لإثبات التشابه بناء على الجينات الوراثية انطلاقاً من فرضية: بما أن التوائم المتطابقة تحمل نفس الجينات الوراثية فإنه لابد أن تتشابه قدراتهم العقلية. عليه أخضعوا عدداً من التوائم المتطابقة لاختبار الذكاء المعروف (IQ test) وفعلا وجدوا تشابهاً كبيراً جداً في أداء هؤلاء التوائم. ولإثبات أن الأساس الذي يتشابه ويختلف على أساسه البشر هو المورث الجيني، قام باحثون آخرون بعمل دراسة على توائم متطابقة تم فصلهم عن بعض منذ الولادة: فأحد التوائم تم تبنيه منذ الولادة من قبل عائلة أخرى. فأخذوا الأولاد الذين نشأوا مع أمهاتهم الأصليات وأولئك الذين نشأ وا مع أمهاتهم بالتبني ثم أجروا لهم اختبار الذكاء ووجدوا تشابهاً أيضاً كبيراً في درجات التوائم مع فصلهم عن بعض وتربيتهم من قبل عائلتين مختلفتين. وهذه النتائج أدت إلى الاعتقاد بأن الجينات الوراثية هي الأساس في التشابه والاختلاف بين البشر عل الأقل حتى بداية الستينات من القرن الماضي، إلى أن جاء علماء الاجتماع وبعض علماء الأحياء ليجدوا أن تلك الدراسات مليئة بخروق منهجية أدت إلى نتائج قد تكون متوقعة مسبقاً. والمجال لا يتسع هنا لسردها، إلا أن من أهمها كان أن آلية اختيار الأسر أو الأم التي تريد أن تتبنى طفلاً لابد أن تتشابه مع العائلة الأصلية في المستوى العلمي والاقتصادي وخلافه، وتلك الدراسات لم تذكر شيئاً عن هذا التشابه، ولم يؤخذ كمتغير في الدراسة، بل أغفل تماماً.
علماء الاجتماع هنا لا ينفون أثر الجينات الوراثية، ولكنهم يؤكدون أن البيئة المحيطة والتفاعل معها لا يقل أهمية -إن لم يكن أهم- في عملية نمو الإنسان العقلي. وعلى سبيل المثال لو فصل توأمان متطابقان منذ الولادة بقي أحدهما مع عائلته الأصلية الغنية التي على درجة عالية من العلم والثقافة والآخر أعطي لعائلة فقيرة لا تجد قوت يومها ونشأ كل من التوأمين في هاتين البيئتين المختلفتين وبعد مضي عدد من السنين أجري لهما اختبار الذكاء. هل سيكون هناك تشابه كبير؟ لا أعتقد، فما توفره بيئة الطفل الذي بقي مع أمه الطبيعية لن توفره تلك البيئة الفقيرة التي انتقل إليها الطفل الآخر، ولابد أن ينعكس ذلك في اختبار الذكاء الذي يعتمد على الذكاء الرياضي وإجادة العلاقات المنطقية وغيره، إضافة إلى التدرب عليه مسبقاً الذي قد يكون عملية مكلفة مادياً.
فعلماء الاجتماع الآن وفئة من علماء الأحياء يشككون في حقيقة التميز البشري على أساس السمات الجينية الموروثة ويؤكدون أهمية البيئة التي يعيش وينمو فيها الفرد وأنه لابد للإنسان من بيئة خصبة تنمي وتشجع قدرات الإنسان العقلية التي وهبه الله إياها يوم خلقه وأن الاختلاف في السلوكيات الثقافية للأفراد ما هو إلا مجرد انعكاس لما للتسهيلات التي وفرتها لهم بيئاتهم منذ الطفولة. وهذا أيضاً ما أثبتته الدراسات المتأخرة التي عملت على توائم متطابقة تم تبنيهم منذ الصغر من قبل أمهات لديهن أطفال. فقد وجد تشابه في درجات اختبار الذكاء بين الأمهات وأبنائهن الأصليين والمتبنين على حد سواء. مما أدى إلى استنتاج أن أي اختلاف في درجات اختبار الذكاء هو نتيجة لاختلاف الخبرة الاجتماعية التي يتلقاها الطفل منذ الصغر في بيئته الاجتماعية.
ومجمل القول أن اختبارات الذكاء والاختبارات القياسية هي في الواقع نتاج ثقافي لبيئة معينة ومن يكون خارج هذه البيئة من المتوقع أن لا يحقق درجات عالية في مثل هذه الاختبارات. وهذه الاختبارات متحيزة ثقافياً تحيزاً كبيراً، وتعكس الواقع الثقافي الغربي والمعلومات والكلمات المستخدمة في تلك الثقافات: فكلمة إنترنت مثلا قد لا تكون ضمن الخارطة الإدراكية لطفل يعيش في قرية صغيرة في دولة فقيرة ربما لا يكون رأى آلة حاسبة عادية في حياته فضلاً عن جهاز حاسب آلي.
فاختبار ال(IQ) الأمريكي هذا لا يمكن استخدامه كمقياس للذكاء لطلاب التعليم العام في بلدنا الذي لا يتدرب فيه طلابنا على اكتساب وتنمية مهارة حل المشكلات حلاً سريعاً ومهارة إيجاد العلاقات المنطقية بين الأشياء. فالقصور ليس في النمو العقلي للفرد ولكن في افتقار بيئته إلى الأدوات المناسبة التي تساعد على اكتساب هذه الخبرات التي يتلقاها الطفل الأمريكي في أول يوم في تعليمه. فحين يطلب من ابني وهو في الصف الأول كتابة بحث مصغر عن الكواكب مدعماً بالصور من الإنترنت ومطبوعاً على الحاسب في مدرسة أمريكية حكومية أجده هنا في الصف الرابع والخامس والسادس وذاكرته وعقليته تستهلك وترهق بحفظ منتجات السودان الزراعية وحدود مصر من الجهات الأربع في عملية ميكانيكية لا هدف لها بالنسبة له سوى النجاح في الاختبار. فتفوق طفل السادسة الأمريكي في قياس الذكاء لا يعكس تفوقه وتميزه الجيني كما كان يعتقد هتلر في “حكايته” ولكن يعكس حجم الخبرة الثقافية التي توفرها له بيئته موازنة بالبيئة التي لا توفر سوى القراءة والكتابة وبطريقة تقليدية.
كل إنسان منحه الله قدرة كامنة للقيام بسلوكيات يقوم بها غيره، إلا أن هذه القدرات الكامنة قد لا تخرج من نفسها وبالطريقة نفسها في كل سياق وكل زمان، والمحك هنا هو وجود الحاضن المتمثل في البيئة المحيطة بكل مكوناتها من أسرة ومدرسة ونظام تربوي وأنماط ثقافية عامة، وأهم مكونات هذا الحاضن هو الخبرة التعليمية التي توفرها المؤسسات التعليمية المختلفة وعلى رأسها التعليم العام. هذا الحاضن إما أن يكون عاملاً محفزاً أو معولَ تثبيط وهدر لقدرات الإنسان، وهنا نتكلم على القدرات البشرية التي منحها الله لأغلبية الناس ولا نتحدث عن الشاذ عن القاعدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.