يؤسفني القول إن الثقافة والمثقفين في لبنان والوطن العربي دخلا معاً في الزمان والمكان، ثقوباً سوداء يصعب الخلاص منها ما لم تتخل المجتمعات العربية عن طبيعتها الاستهلاكية، والمتهالكة بطريقة لا مثيل لها لنيل رضا الزعامات السياسية والدينية والأحزاب ورجال المال والأعمال . أرى أننا دخلنا جميعاً مثقفون وإعلاميون وأُدباء ومفكرون، مع استثناءات قليلة، مجتمعات مزيفة ومتزلفة لأسباب كثيرة أهمها، كما أرى وأُحلّل، أننا أصبحنا مواطنين بلا وطن، همّنا الأول كسب المال بأي طريقة كانت، ولو على حساب حرياتنا وكراماتنا . بتنا نبيع أوطاناً وقيماً ومواقف بثلاثين من الفضة، عاد المثقفون على اختلاف مواقعهم الأدبية والفكرية إلى عصور المديح والهجاء، وحين كان لكل قصيدة ثمنها الغالي والرخيص . آسف لهذه الاتهامات التي ما كنت لأوردها على لساني لولا المأساة الثقافية الكبيرة التي تتبدى اليوم بأحلى تجلياتها وأبشع صورها، في مظهر "استعباد" المثقفين و"عبادة" هؤلاء للمظهر الخارجي والأضواء والشهرة والأنانية وحب الذات، وتلك صفات تشترط تنازلات يصعب على المثقفين "المهزومين" أصلاً، تماماً كما حال الشعوب العربية في الظروف الراهنة، مواجهتها والتصدي لها، أو أقله "التحييد" عنها حفاظاً على مواقفهم ومبادئهم وتطلعاتهم إلى أوطان حرة تكفل لهم الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية بعيداً عن إغراءات السلطة والمال . في خضّم هذا الواقع العربي الأليم وما يشي به من مستقبل أكثر ظلماً وظلاماً، وعلى كل المستويات الوطنية والاجتماعية والثقافية والمعيشية، يبدو لي من الصعب جداً، حتى لا أقول استحالة، أن نلتقي نجيب محفوظ آخر، مثالاً لا حصراً، في الشارع المصري، وما حكته رواياته وشخصياته الواقعية عن حارات القاهرة وناسها ونيلها، ولن نصادف بالتأكيد أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومحمد حسين هيكل، ولا عبدالوهاب وأم كلثوم . . كذلك الحال لن نلتقي في سوريا بأدونيس آخر، أو فاروق مردم بيه جديد، ولا محمد الماغوط، ونزار قباني، وكوليت خوري، ودريد لحام، الواقع نفسه في العراق والأردن وفلسطين . أما في لبنان فنحن بأمس الشوق إلى مفكرين وشعراء وكتّاب ومثقفين أمثال شارل مالك، شارل حلو، نجيب الريحاني، سعيد عقل، وغسان تويني . أتطلع حولي اليوم وأتساءل من يكون هذا المثقف أو السياسي أو المفكر أو الشاعر، ذكراً أم أُنثى، الذي يغريني لقراءته أو التمثل بمواقفه؟ . . ليس لمن أصادفهم ومن تعرفت إليهم خلال العشرين سنة الماضية، ما يجعلني أطمئن إلى مستقبل لبنان والبلدان العربية ثقافياً وحضارياً وعلمياً . أتطلع إلى رجال أحرار بما تفرضه الحرية من شروط، وبما تتطلبه من تضحيات "الآن" لمصلحة المجموعة، فلا أجد واحداً قادراً على تغيير أو تحوّل في النمط الاستهلاكي المنحط، أو أتطلع إلى آفاق تمكّن المواطن العربي الشاب على الإبداع . أتخايل أن الدولار، كسبه وصرفه، أغرقنا حتى بتنا عاجزين تماماً من الإنتاج . وهنا أسأل: هل كان أديبنا الكبير أمين معلوف أن يخترق لمحليته وإقليميته إلى العالمية لو ارتبط بسياسة ما أو تزلّف لزعيم سياسي أو ديني، أو لحزب أو لرجل أعمال؟ أطرح السؤال لأؤكد أن المثقف الحقيقي ضد المذهبية والانتماء والألقاب الرنانة، انتماؤه الإنساني والوطني والاجتماعي يوّفر له المناخ الأساسي للإبداع والإنتاج . ولأن أوضاع بلادي وأمتي على هذه الحال من تقديس المال والزعامات والقيادات والطوائف والمذاهب انتقيت بكامل حريتي وإرادتي العزلة التامة . أعيش مع كتبي وثقافتي وإنسانيتي ومقالتي، مع إدراكي الكبير أن أذكياء العرب لا يلاقون نافذة نجاح إلا بالتزلّف والاستزلام . عنيت ب"الأذكياء"، مثقفاً يعيش حريته الكاملة . بتواضع وبضمير مرتاح . المثقف بروحه ومن يعرف آداب الحياة وآداب الوطن . يجب التفريق هنا بين المثقف النظيف اليد والمبدع الذي يجعل من هموم ناسه حروفه وفكره لا أن يجعل من وطنه وأمته مجالاً للسخرية حيناً ولتبييض الأموال أحياناً أخرى . هل أنا متشائمة؟ نعم على المستوى الثقافي العام، إنما على المستوى الشخصي، أراني مرتاحة في وسطي الصغير . أكتب روايات ومقالات بحرية مكتملة، الأمر الذي يبعدني عن الإحباط ويمدني بالنشاط والديناميكية، فلا أدخل النفق الأسود الذي يكاد أن يكون القاسم المشترك لكل العرب، مثقفين وسياسيين ومفكرين وعامة الناس .