منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، دأبت العديد من الجهات العربية، وبخاصة الثقافية منها، على الدخول في صلب المعادلة القائمة على جوهر العلاقة بين الموضوع والفن . منطلقة من مقولة أساسها، أن الفن المعاصر يمتاز بموضوعيته، وأن أشكاله يحورها لمصلحة هذه الموضوعية، التي غدت إنشاءً فكرياً يقوم على معالجة إغلاق الأزمات الإنسانية الكبرى، بمفاتيح الحلول البصرية التي باتت تنظر إلى العالم كقرية كونية، وأن مستقبله الغامض لا يتعلق بطرف أوجهة من جهاته، بل إنها تعم الكوكب برمته . ولأن النتائج عالمية التأثير، فإن الفن عالمي المصدر وعالمي المعالجة . من هنا دخلت قضايا البيئة والغذاء والتلوث وارتفاع درجة حرارة الأرض وغيرها، قاموس المسعى الفني حتى على المستوى الفكري العام . إن الفن أضحى معالجات معمقة لأزمات الإنسان والعالم، وأضحى الفنان هو المثقف الكلي الساعي إلى تشخيص الإشكاليات والإشارة إلى مقاربات الحلول المطلوبة . لذلك رأينا في مطلع القرن الحادي والعشرين، وفي بينالي الإسكندرية عام 1991 رسائل مشفرة تطلع من هنا وهناك . بعضها تحدث عن التلوث الفكري، وعن أمية السلطة الحاكمة، عبر رصد الفنان لتاريخ حرق الكتب وتدمير المكتبات في العالم العربي . والبعض الآخر عالج مسألة العزلة والحوار المتقطع، عبر تقابل تمثالين ينفثان اللهب كل في وجه الآخر . بينما في المغرب العربي رجع بعض الفنانين، عبد الرزاق الساحلي من تونس مثلاً، إلى المطولات وزمانها الذي كان يسيطر على الأزمنة الفردية . لكن أبرز إطلالة على أزمات العالم المعاصر، كانت عبر بينالي الشارقة التاسع ،2003 حيث كانت الإطلالة على مشاكل العالم تتساوى والإطلالة على مشاكل العالم العربي والشرق الأوسط . وكان التحدي الأكبر هو أن الحرب العالمية التي جهزتها أمريكا ضد العراق على وشك الانطلاق، وهو من التحديات السياسية والنفسية كما توضح ذلك الشيخة حور القاسمي رئيسة بينالي الشارقة . إنها هي القائلة: "إن الوضع قاسٍ ومربك، أن نواصل من جهة محاولتنا في دعم إنتاج الفن، ودعم الحراك الفني في الإمارات، في الوقت الذي أصبحنا نشعر فيه بعدم أهمية ما نحاول القيام به، أمام ما ينبغي علينا جميعاً عمله لرفع المعاناة على إخواننا وأخواتنا في غزة" . هنا تكمن خطورة ما تطرحه مثقفة خليجية مسؤولة عن تركيب بينالي يعالج المشكلات التي أضحت عوامل إحباط لأي نشاط فني مضاد . فالشارقة رغم نشاطها الإبداعي الكبير هذا قررت أن تدخل ساحة المقارعة . وأن تطلق العنان لمقارعة مطلوبة بين الثقافة البصرية والأزمات التي ألقيت بكامل ثقلها على كاهل الأمة العربية أو فلنقل الشرق الأوسط . لقد أنجزت المهمة على خير وجه، وجاءت نتائج بينالي الشارقة في حينه تفتح الأبواب أمام حركة فنية موضوعية نجحت في تسخير انفعالات الفنان العربي المعاصر، وإلى جانبه الفنان العالمي، الذي صار نداً قوياً، ومقارعاً عنيداً لكل المظاهر السلبية . فعلى صعيد ما كان يجري من استعداد للحرب على العراق، وهي الحرب التي قادها الرئيس الأمريكي جورج بوش لمجرّد معاندة العالم كله وطرح أمريكا كقوة أحادية في الكون . وإذا أردنا أن ندخل في صلب أعمال (الكونسبت) التركيبة التي أكدّت شخصية ذلك البينالي، وعززت الموقف الفكري والفني للشارقة فلنذهب صوب الفنان الهندي "ن .ش . هارشا" الذي ناقش عبر أعماله إشكالية الحضور الأممي، الذي يتميز بخاصية سيطرة القوى الكبرى على القوى الصغرى . أما الفنانة دوريس بيطار، وهي لبنانية فلسطينية ولدت في بغداد عام 959é وهي تعيش حالياً في الولاياتالمتحدةالأمريكية . فإن نتاجها التركيبي يقوم على تحويل خرائط المدن إلى متحجرات يابسة، تم تجفيفها من أي مظهر إنساني من مظاهرها . الإيراني الغاضب أمير فلاح، وهذا الفنان الذي نجح في أن يكون من حالة الكولاج مساحات شاسعة، تتحدث عن مدن ترتفع وتتمزق بفعل تخمتها الكبيرة من الوجوه التي تتقدم لكي تطل من على شرفة المسرح . إنه فنان لاذع، يحمل أحزانه دائماً، ولكن موقعه النقدي جعله واحداً من الرعيل المقارع لكل المظاهر السلبية . إن أسماء كثيرة ستبقى تطل في فضاء لا محدود، لأن هذه الأسماء هي التي تمثل كوكبة من الفنانين الذين يعالجون الموضوع حين يُقدمون فناً يقع في موقع الحجة المضادة لكل ما هو سائد . أما اهتمام بينالي الشارقة بهذه الفنون، فهو اهتمام أساسه الموقف الحقيقي من قضية (الفن والمشكلات المعاصرة) . لأن ما تسعى لكي تؤسسه هذه المسيرة الثقافية في إمارة الشارقة، هو أن العالم أضحى قرية كونية، وأن الإعصار الذي يضرب في طوكيو سيكون له صداه في الشرق الأوسط . وأن البيئة والأوبئة والتصحر وانعدام الغذاء ليست مجرّد أزمات ضيقة بل هي أزمات إنسانية عامة . ولا يمكن التصدّي لها إلا من خلال تحويلها إلى إشكالات إنسانية عامة .