ربيع عيد الانعطافةربيع عيد شاب فلسطيني لا تشوبه شائبة، كامل التربية، أُعدّ على نحو كان يشي باحترامه القانون والحق والرأي الآخر. شاب مرصود لحقوق الإنسان. شاب ديموقراطي عصري حداثي تم اختياره بعناية كما جاء في الأنباء- من بين الكثيرين من الشباب الفلسطينيين المشابهين له. ربيع عيد لم يدخل صدفة الى الصالة التي وقع اختيار المجتمع الدولي عليها من أجل أن تكون مذبحا يلقي الرئيس الأمريكي من خلاله عظته الشرق أوسطية. أبدا. الشباب الجامعي الذي حق له التمتع بهذه الموعظة كانوا من النخبة المنتخبة. كان هو فلسطينيا مقتنعا بالقيم العصرية الكونية المشتركة لكل الشعوب. على الأقل هذا ما بدا للهيئة 'الفنية' المشرفة على اختيار الجمهور الجامعي- العفوي طبعا- الذي ما كان عليه إلا أن يصفق لاوباما بكل حرية واقتناع. كل ما كان يُعرف عن ربيع عيد لم يكن يوحي أو ينبىء بالوقاحة التي ظهرت منه فجأة. فماذا حدث في رأس هذا الشاب حتى تعطل رأسه فجأة؟ ما هي العوامل الفنية التي حدت بشاب آلي أن يتعطل فجأة أمام رب حقوق الإنسان على الأرض؟ وهل هي العوامل الفنية نفسها التي أصابت سيارة الليموزين الرئاسية الامريكية التي تعطلت هي أيضا بالصدفة في هذه الزيارة المباركة؟ هل العطل ناتج عن الصنع الامريكي نفسه أم عن المصنوع؟ يجب علينا جميعنا الآن أن نجد جوابا لهذه الإشكالية المستجدة. فالصناعة الامريكية كما عبّرت عن نفسها في عطلين متتاليين اثناء زيارة الرئيس الامريكي ل'المنطقة' لا تثير الارتياح أبداً. عطل الآلة والإنسان معاً. العطلان الرمزيان يقولان ان الصناعة الامريكية لم تعد بالجودة والتنافسية المعهودتين. وأما العطل الثاني فهو لعمري أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند. فكيف يمكن لشاب فلسطيني 'حضاري' بالكامل أن يعود الى أصله البدائي؟ كيف استطاع مقاطعة رئيس المجتمع الدولي شخصياً، رئيس كل الديمقراطيات، ليمطره بوابل من الكلمات العصية على الفهم: 'هل قدمت لإحلال السلام أم لتزويد إسرائيل بالمزيد من السلاح لقتل الفلسطينيين؟ وهل رأيت جدار الفصل العنصري في طريقك؟'. ماذا ألم بهذا الشاب المتنوّر لكي يعود الى هذه اللغة الخشبية المتخلفة الجوفاء؟ من أين عاد الى لغة معاداة السامية؟ ظاهرة فعلا غريبة هذا الشاب الفلسطيني. لو أنه فعل ذلك في عهد أبيه لكنا فهمنا. كان الجو في المنطقة يومها جواً غير حضاري البتة. كانت الناس آنئذٍ وحوشاً كاسرة تريد تحرير فلسطين وبناء وطن مستقل ووحدة. لكن أن يفعلها اليوم، في عصر الديمقراطيات والإنفتاح وتفهم الآخر ومواسم إسقاط الدكتاتوريات العربية التي كانت تعيق تفتح الشباب وحرياتهم الشخصية، فمعناه الوحيد أن شيئا ما بدأ بالتحول العميق لدى جيل الشباب العربي الذي أُريد له أن يقتنع بخطاب حقوق الإنسان لكي ينسى إحتلال أرضه وما فوقها وما تحتها. أن يقاطع ربيع عيد الفلسطيني الشاب رئيس حقوق الإنسان في العالم مسألة ولا شك في غاية الأهمية. وهي تستحق بدون شك طرده من الصالة الجامعية الرصينة. لكن الأهم في القضية كان ما قاله في هذه المقاطعة. فلقد عاد الشباب العربي من خلال ربيع عيد الرمز- إلى تذكر الإشكالية الأم: الإحتلال. إنتفض الشباب من جديد على انتفاضة الربيع العربي التي أريد لها أن تنسى النهب والاحتلال الأجنبيين وأن تركز على عناوين لا تثير حاليا في بلادنا الخاضعة لاجتماع الجماعات الا الحروب الاهلية. انتفض الشباب العربي من جديد على خطاب أراد أن يقنعهم أن مشاكلهم هي هي مشاكل كل الشباب في العالم، هي هي مشاكل شباب باريس ونيويورك وغيرها. خطاب أراد أن يقول لهم أن مشاكلهم ليست نابعة من الإحتلال والتقسيم والقهر والنهب الأجنبي للثروات العربية بل في داخلهم، في عقلهم المتخلف، في الاستبداد العجيب 'الشرقي'. خطاب يقول لهم أن الصراع معيب في عصرنا. أن النضال موضة فاتت. وأن عصرنا عصر الناشطين المنفتحين على الآخر، أي آخر ولو كان محتلا. خطاب أراد أن يقول لشباب العرب أن المشكلة مع العالم الخارجي ليست في منظومة النهب لثرواته، أبداً، بل في عجزه عن 'التواصل'. المشكلة في اللغة، لا لغة الكلام بل لغة المفاهيم الإنسانية 'العامة' التي لا تجيدونها. قالوا لهم : ما عليكم إلا التكلم مثلنا حتى تحل غالبية مشاكلكم. لكن الشباب العربي الذي مشى بهذه اللغة لفترة من الزمن بدأ مثله مثل ربيع عيد يلحظ أن التغيير لم يأته بحلول لمشاكله الفعلية. مثل ربيع عيد لاحظوا أن الربيع في كل بلد عربي على حدة لم يكن بناء على الحاجة لتنظيم الداخل بعد أن أنهكته الحروب التحريرية، كما قيل، بل ربما خدعة للإتيان بطرف سياسي واحد يقبل برهن بلادنا بالجملة للناهب إياه. بدأ الشباب العربي من فلسطين الى تونس مرورا بالعراق ولبنان وصولاً الى مصر بربط الظواهر بعضها ببعض ومن جديد. عاد الشباب الى اللغة الخشبية. عادوا الى خط التماس الأساسي، الإحتلال والتبعية السياسية والإقتصادية. عادوا الى الفرز على اساس الموقف من هذه المسائل. فكل من يقف الى جانب المحتل أو الناهب الأجنبي صار عدواً للشباب العربي ولو أدعى صبحاً ومساءً دفاعه عن الدولة المدنية وعن الشعب. عاد الشباب الى اللغة الخشبية. فلقد فهموا أن الديمقراطية غير ممكنة في ظل الهيمنة الأجنبية وبدأوا يعودون الى حق الشعوب في تقرير مصيرها. على الأقل هذا ما فهمته هذا الاسبوع من الشاب الفلسطيني الرمز- ربيع عيد.