حتى النملة تحزن على رفيقتها، بينما المجتمع الدولي لا يرف له جفن حين يرى القذائف تنهمر على التلامذة في سوريا، الذين يخرجون من مدارسهم من تحت الأنقاض. لا أحد يستطيع أن يعرف ما إذا كان النمل يحزن على فراق نملاته التي تموت دهساً على أرصفة العابرين بلامبالاة في الشوارع، ولكنني رأيت ذات يوم حزن نملة تقف فوق أخرى ميتة، وكانت تحرك قرون استشعارها على عينها بما يشبه مسح الدموع، ورأيت صورة لطائر يقف فوق جسد طائر آخر دهسته سيارة على الطريق، وكان يصرخ بما يليق بفجيعة الفقد، ورأيت في برنامج تلفزيوني العلماء يعتنون بشغف وحنان بتمساح فقد ذيله قبل أن يجروا له عملية زرع ذيل اصطناعي، ليتمكن من السباحة من جديد، وأعرف أن هناك مستشفيات للكائنات الأخرى كالقطط المشردة والطيور الجريحة والخيول المتقاعدة. هذه العناية الفائقة، سواء من الكائنات بعضها على بعض، أو من الإنسان عليها، يحلم بها اليوم الإنسان السوري الذي لا يجد نصف حبة دواء مما تجده هذه الكائنات. فقبل أيام اتصل بي صديق من داخل سوريا، يخبرني أن ابنه تعرّض لوعكة صحية شديدة في منتصف الليل، ولا يستطيع أن يصل بابنه إلى المستشفى، ولا يوجد طبيب يغامر بالخروج في تلك الساعة المتأخرة، بل ولا يرد على الهاتف، وطلب مني أن أستشير له طبيباً ليعرف كيف يتصرّف، أي هو العلاج عن بُعد أكثر من ألفي كيلومتر! كل أطفال العالم يخرجون عند الظهيرة من مدارسهم إلا أطفال سوريا، اليوم يخرجون من تحت الركام، إما جثثا ملائكية، وإما بلا آباء أو أمهات.. أو بلا كليهما معاً. في بداية الثورة، كان عدد الذين يموتون تحت القصف لا يقل عن مائة وخمسين شخصاً، واليوم نقص هذا العدد، ليس لأن القصف توقّف، بل لأن القذيفة تنزل اليوم على مكان ما، فلا تجد فيه أحداً، فأصحابه إما ماتوا بقصف سبقه، وإما لأنهم نازحون في المخيمات، وهناك يتعرضون لموت آخر يأتيهم على شكل إهمال ونقص في الغذاء والدواء. كل هذا والمجتمع الدولي مازال يفكر بعقلية سياسية لاإنسانية، يتحدث عن عناصر متطرفة، وعن تقسيم سوريا، وعن حرب أهلية، وعن صراعات طائفية، ويمسك الملف السوري بمنديل ورقي خشية أن تتلوث أصابعه الناعمة. *** حبة البابا قبل أيام توجهت ومعي حوالي 200 من المثقفين والأكاديميين والنشطاء بالعمل الإنساني، برسالة إلى قداسة بابا الفاتيكان فرنسيس الأول، للوقوف الى جانب اللاجئين السوريين لمنحهم المعونات، لما قرأت عن البابا الجديد وحبه للإنسانية، وبثت وكالة الأنباء الإيطالية خبر الرسالة، واحتج بعضهم على أنني أتوجّه إلى رجل دين مسيحي لمساعدة المسلمين! وقال لي أحدهم من غرفته المكيفة في البلد الذي يعيش فيه إن «الكرامة أهم من الدواء»، فأجبته بأنني سأقبل هذه المقولة العظيمة منه في حالة واحدة، أن يذهب ليعيش مع اللاجئين، ثم إذا داهمته أزمة قلبية واحتاج إلى حبة اللسان، ثم رفض حبة البابا، عند ذلك سأصدقه! عدنان فرزات Facebook:Adnan farzat