(القاهرة) - الفارق بيننا في العمر اثنا عشر عاماً، لم أعرفه قبل أن يخطبني، ولكن عندما تقدم ليطلب يدي وسمعت نظرياً مواصفاته وأخلاقه تمنيت من كل قلبي وكنت أصلي وأدعو ربي أن يجعله من نصيبي. لم تكن بيننا أي حوارات في فترة الخطوبة القصيرة التي لم تتعد ستة أشهر، فنحن نلتزم بعادات وتقاليد صارمة جعلتني أصلاً في انقطاع تام عن الرجال وعندنا لا يسمحون للمخطوبين باللقاء تحت أي ظرف ولا الجلوس معاً حتى في وجود الأهل، ولم تكن أمنيتي بأن أتزوجه نابعة عن نقص أو رغبة في أي زوج، وإنما هو اقتناع به وبشخصيته وبما نقلوه عنه لي. المرَّة الأولى التي رأيته فيها عن قرب بشكل جيد يوم أن ذهبنا لشراء «الشبكة»، وقد كان هذا في الماضي ممنوعاً على العروس، لكن أصبح مسموحاً الآن مع التطور والمدنية، ويجوز السماح لها بأن تبدي رأيها في القطع الذهبية همساً بأن تبلغ رأيها لأمها التي تعلنه من جانبها. كانت رؤيتي له في هذا اليوم حدثاً مهماً في حياتي فقد شعرت بأحاسيس غير مسبوقة لا أستطيع وصفها أو التحدث عنها لأنها جديدة ولم أشعر بمثلها من قبل، لكن يمكن إيجازها واختصارها في كلمة واحدة هي السعادة غير أن هذه السعادة، وتلك المشاعر لم تستمر أكثر من ساعة بعدما تدخل عمي وحاول أن يملي شروطه على العريس ويختار قطعاً ذهبية وتشكيلات كبيرة وثمينة وهو يردد أن بناتنا تستحق أكثر من ذلك، بل وزاد في كلامه وهو يتحدث بنبرة حادة وبلا داعٍ أن من لا يستطيع أن يستجيب للمطالب ويقدم المهر الذي أستحقه فعليه أن ينسحب. ولم يمر الموقف بسلام وتحول بالفعل إلى تلاسن بين أفراد الأسرتين لولا تدخل العقلاء من الحضور، خاصة من أهلي وأولهم أبي بعد أن فطنوا إلى أن عمي كان يقصد محاولة فسخ الخطبة وعدم إتمامها؛ لأنه كان يريد أن أتزوج ابنه غير المتعلم، بينما أنا حاصلة على مؤهل متوسط، وقد باءت كل محاولاته بالفشل، وكان فيما مضى يحاول أن يبعد العرسان عني بأي شكل ويشيع أنني مخطوبة لابنه تسارعت دقات قلبي وأنا أواجه هذا الموقف الصعب الذي يهدم أحلامي الوليدة وأمنيتي البسيطة، لكن رغم مروره في النهاية بسلام، فقد أحدث عندي شرخاً ولم تستمر سعادتي وترك أثراً في صدري. ليلة عرسي لم تكن أحسن حالاً، فقد حدث خلاف كبير وصل إلى حد التلاسن والتشابك بالأيدي عند عقد القران، فقد وقع خلاف كبير بسبب المؤخر وقائمة المنقولات الزوجية، زوجي لا يوافق عليها وأهلي يبالغون فيها وتم الإعلان ضمناً عن انسحاب أسرة العريس وإلغاء الزيجة برمتها لولا تدخل خالي الأكبر الذي كان مخلصاً ونجحت جهوده الحثيثة في التوفيق بين المختلفين بعد جهد جهيد وتقريب وجهات النظر وأخيراً نزل الجميع على رأيه لأنه كان عقلانياً، ومن يومها صارت هذه الواقعة مثلاً يتناقله الناس عندنا ويتداولونه ويقولون كما حدث «لفلانة» في يوم عرسها، ولذلك كانت الواقعة سبباً في تغيير عادة عقد القران في نفس يوم العرس وفصلوا بينهما بفترة كافية خشية الخلاف وتكرار ما حدث معي، بل وبعدها بالغوا في الحيطة والحذر وأصبح كل طرف يضع شروطه وإمكاناته من اليوم الأول للخطبة ويتفقون على كل التفاصيل قبل قراءة الفاتحة. وبدلاً من الفرحة بكيت يوم عرسي، كما لم أبك طوال حياتي كلها وأقف أمام المرآة فأراني مثل العفريت بعد أن سالت دموعي على وجهي وشوهت الماكياج والزينة بجانب العبوس الذي كان ظاهرا تماماً ولم أستطع أن أتغلب على تلك الحالة، وأنا في الحفل الصغير الذي أقاموه ولم تنجح صديقاتي في انتزاع العبوس من على وجهي وفشلت كل محاولاتهن في رسم بسمة ولو مصطنعة على فمي والمشهد لا يحتاج إلى تعليق والجميع يعرفون التفاصيل، وقد صنع الموقف حاجزاً نفسياً أقوى من الفولاذ بيني وبين زوجي وبدأت علاقتنا الزوجية بشكل غير طبيعي، فهو يتربص بي كأنني السبب فيما حدث فلم أعش فترة شهر العسل ولم أشعر بأنني عروس ولو للحظة. ... المزيد