GMT 16:00 2013 الجمعة 5 أبريل GMT 16:00 2013 الجمعة 5 أبريل :آخر تحديث * ناظم السعود مواضيع ذات صلة بغداد: منذ سنوات والكاتب ناظم السعود يعاني من امراض شتى لاسيما بعد ان ضربته جلطتين قلبيتين تركتا اثرهما المزعج في جسده وروحه، وبعد ان ذاق المرارات في بغداد التي ليس له فيها بيت ولا قطعة ارض ولا مال يمكنه به ان يستأجر شقة او (مشتملا)، قررت العودة الى اصوله الكربلائية، فذهب الى قرية في الاقاصي اتحتضنه مع اسرته الصغيرة وليجد الوقت ليطالع ويتابع اخبار الدنيا من خلال الانترنت الذي كان وسيلته الوحيدة في كسب رزقه من خلال الكتابة لبعض الصحف. ومع الايام.. راحت حالته الصحية تدهور، لكنه لا يستطيع ان يفعل شيئا لعدم وجود ما يكفي من المال لديه للمجيء الى بغداد والذهاب الى الاطباء، حاول قدر الامكان ان يستنجد باصدقائه الذين اطلقوا عبر الصحف وبعض القنوات الفضائية رسائل مناشدة القائمين على الدولة العراقية والصحة من اجل انقاذ قلبه من براثن العلل، وعلى قدر ما وبعد اكثر من اسبوعين جاءت الفرصة عبر مناشدة من وزارة الثقافة لوزترة الصحة بضرورة المعاينة والكشف، ولكن.. انتهى الامر الى ان يقول السعود في رسالة له وصلتنا منه ( أنا أفضّل الموت بصمت في بيتي الريفي على أن أقع ضحية للتجارب والنيات وما أكثرها اليوم!). يبقى.. ان المثقف العراقي لا يريد ان يقارن بين حال المثقف وحال السياسي، فالبون بينهما شاسع جدا، فهذا المثقف من المغضوب عليهم وذاك السياسي ممن اصطفتهم الحكومة برعاية لا حدود لها، فيطيرون به الى خارج البلد في افضل مستشفيات العالم لان وعكة اصابته او شعر بغثيان، والغريب ان هناك من يأتي ليمتدح الاهتمام بالثقافة والمثقفين في البلد وان لا يوجد فيه صندوق لاغاثة المرضى والعاجزين والكهول. اتركك مع رسالة الكاتب ناظم السعود فهي تغني عن اي كلام: تأكدت شخصيا، يوم الثلاثاء الماضي 2-4، ان المضحكات في بلدنا قد وسعت القريب والبعيد، الجد والهزل حتى طالت كل مسامات حياتنا ولم يعد هناك ما يفرق بين شؤون صغيرة وبين أعاظم الأمور ذلك ان دولاب الفلك العراقي قام بخبطات عشوائية كانت حصيلتها " عجينة " هائلة، شوهاء، كدست في جوفها كل شيء منظور: من الحكومات الى الميزانيات الى العلاقات وحتى وصلت مؤخرا الى المستشفيات الوطنية!،.. في ذلك اليوم – قبل يومين – وجدت نفسي ضائعا قي ردهات مستشفى ( ابن البيطار) ببغداد وكنت أدبّ بصعوبة حاملا في صدري جلطتين والثالثة اسمها فقر دائم وكانت قد سبقتني حملة صحفية تمهد وتناشد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد مؤشرات سلبية قد تطيح بالقلب العليل وصاحبه!. اللافت هنا انني جئت المستشفى اثر مبادرة من الزملاء في وزارة الثقافة حين وجهت كتابا رسميا لإدارة المستشفى بضرورة القيام بالفحص والعلاج وكان الكتاب مؤرخا في 17- 3 ولكن المفاجأة غير السارة ان الإدارة المسؤولة عن حفظ البريد والأوراق ادعت ان الكتاب المذكور لم يصل بعد (!!) بمعنى ان أكثر من اسبوعين لم تكن كافية لوصول الكتاب والعجيب ان الوزارة على مبعدة أمتار من المستشفى وهذا يفصح كم ان الزمن الآن في حكم الميت عند بعض الجهات ولا سيما الطبية منها!, وقد سألهم الصديق الطيب سلوان الجبوري( وقد كان مرافقا لي في هذه التغريبة) عن حل هذه المعضلة فأجابته الموظفة المسؤولة ببساطة: اجلبوا لنا كتابا آخر من الوزارة! وكأنها مسالة يسيرة ان تراجع الوزارة من جديد في عصر طوفان المجاري وجنون الازدحامات ثم ان الوزارة أكدت لنا ان كتابها وصل بالفعل لإدارة المستشفى بدليل انها استعلمت عن سبب تأخر " المريض " عن القدوم اليها لإجراء اللازم!. ولأكثر من ساعتين وأنا لا ادري ماذا افعل وأين اذهب في هذا البحر اللاابالي حتى هداني الصديق والكاتب ( جبار فشاخ ) الى احد أصدقائه العاملين في المستشفى وقد أسرع الي عارضا معونته بكل لطف فأوجزت له المشكلة فبادر مشكورا باستثمار علاقاته واصطحبني الى احد الأطباء الذي كان عجولا وفارغ الصبر حتى أنني لم استطع توضيح أزمتي الصحية وتراكماتها بسبب انها مرت بثلاث عشرة سنة منذ السقوط بالجلطة الأولى، ويظهر ان الطبيب المذكورة تكدّر حين قرأ نسختي من كتاب الوزارة والتوصية بضرورة العناية بي ( كوني احد المبدعين كما ينص الكتاب ) فما كان منه إلا ان ابعد الكتاب قائلا ان هذه أمور إدارية ليست مهمة وعبارات أخرى غاضبة ومستهينة!. وبعد جدل عقيم قام الطبيب بتزويدي بمجموعة من النصائح والقرارات ( برغم من انه لم يفحص او يراجع حالتي حسب الفحوصات السابقة )وقد وصلته من المرحوم ( أبو قراط ) وكانت أثمن نصيحة تلقفتها منه هي ضرورة العودة لكربلاء حيث سأجد ( وحدة القسطرة ) وهي احدث وحدة علاجية وتختصر الزمن والانتظار اللذين يستطيلان كثيرا في " ابن البيطار"!وقد علمت بعد المحاضرة الابيقراطية ان انتظار عملية القسطرة في هذا المستشفى التخصصي قد يطول حتى( سنة كاملة!) وطبعا فان مريض القلب الذي يدفعه سوء حظه لمراجعة المستشفى سينتقل لخانة "المرحومين" قبل ان يصل إلى موعد القسطرة!. كان من الطبيعي ان اشعر بانفعال حقيقي إزاء حوار الطرشان هذا وخصوصا أنني وجدت الطبيب يتصرف ويتلفظ وكأنه القائم بأمر المملكة الصحية ومن المحال ان يعي هواجس وألام إنسان مريض عير 100 كيلو متر ليصل الى حال بائس: لا فحوصات ولا علاج ولا حتى كلام طيب والنتيجة الوحيدة هي أنني أسرعت بعبور نهر العلاوي هارعا لأقرب عربة أعادتني الى وكر الأحزان خائبا!. لقد خرجت من حياتي المهنية الطويلة بخلاصة ذهبية أصبحت دستورا لحياتي مؤداها انه ليس بالإمكان الوصول لأي معرفة الا من خلال تجربة ميدانية على ان تكون تجربة شخصية ولا يعتد بأي معرفة تاتي من خلال السماع او القراءة او التجارب المنقولة عن البعيدين والقريبين فهذه كلها إنما تنتج ما اسميه ( وهم المعرفة ) لهذا تراني في حواراتي وكتابات احذر من اخذ او الاستسلام لأي معرفة الا بعد خلاصات لتجارب معيشة ويمكن لي الآن، بعد هذه التجربة في مستشفى ابن البيطار وتجربة مشابهة في مستشفى ابن النفيس قبل شهر، الوصول الى معرفة قوامها ان المستشفيات العامة في أوضاعها الحالية لا يمكن ان تقدم الحد الأدنى من الخدمات والمهام الصحية والإنسانية التي أقيمت من اجلها بعد ان كبلتها قيود البيروقراطية وأطاحت بها سلبيات وجرائر وتخبطات زمن بات جائرا ومعوقا ومفسدا على صعد مختلفة، والطامة الكبرى هنا تكمن حين يشعر ان الرسالة الوحيدة التي يتلقاها مريض مثلي أجبرته ظروفه المادية المزرية على مراجعة المستشفيات العامة هو الإسراع بمراجعة القطاع الطبي الأهلي ان كان في عيادات او مراكز او مشافي دولاريه. وأصارحكم أنني ربطت الحال المتخلف الذي شهدته عيانا وحالات تفشي العلل وتعدد الوفيات بشكل مخيف لكثير من الأدباء والمثقفين الذي ودعناهم تباعا: أليس من العجيب ان أسماء عزيزة على الثقافة العراقية رحلت عن هذه الحياة خلال استبيع معدودة وجميعها اشتكت تفاقم أوضاعها الصحية وتكالب أوجاعها من جراء رقودها او مراجعاتها للمستشفيات العامة: زهير احمد القيسي / فهد الاسدي / محمد علي الخفاجي / هادي الربيعي.. أربعة من كبار أدباء العراق فقدناهم في مدد متقاربة ويشتركون في مصير جامع هو أنهم جميعا ضحايا النظام البيروقراطي وغير الإنساني المهيمن على المستشفيات العراقية!. نداء أخير: أتمنى من كل الأصدقاء والزملاء ممن تفضلوا علي بكلمة او مساندة ان يعفونني من التزامات المحبة او خسارات حسن الظن فانا لن اكرر تجارب معيبة او اختيارات ثبت بطلانها وليعفني كل من يدعونني لهذا المستشفى او ذاك فقد نخرت الخيبات هذا القلب العليل فوق جلطاته.. أنا أفضّل الموت بصمت في بيتي الريفي على أن أقع ضحية للتجارب والنيات وما أكثرها اليوم!. ناظم السعود الهندية في 4 – 4 - 2013