الجزائريون يرفعون شعار 'هرمنا' في انتظار الجيل الثالث من المحمولالجزائر 'القدس العربي'': تحولت تكنولوجيا الجيل الثالث من الهاتف المحمول في الجزائر إلى ما يشبه 'النكتة' لكثرة الوعود التي لم يتم الوفاء بها بخصوص موعد إطلاق هذه الخدمة، التي تتوفر عليها دول كثيرة، بما في ذلك دول تصنف في خانة العالم الثالث، خاصة أن العالم الأول انتقل إلى تكنولوجيا الجيل الرابع التي توفر تدفقا أكثر للسرعة للانترنت في الهواتف المحمولة، لكن التأجيل المتكرر الذي أصبح بمثابة نكتة ثقيلة الدم في الجزائر، جعل الكثير من الجزائريين، خاصة رواد مواقع التواصل الاجتماعي يرفعون شعار 'هرمنا' في انتظار إطلاق هذه الخدمة. حكاية الجزائريين مع الاتصالات فريدة من نوعها، فقد كان الهاتف الثابت (ولا يزال في أحيان وأماكن كثيرة) امتيازا لا يحصل عليه إلا أصحاب الحظوة، فالحصول على خط هاتف ثابت كان في السنوات الماضية مسألة شبه مستحيلة، إلا بالنسبة لأصحاب الأيادي الطويلة والأكتاف العريضة، ولا تزال المسألة صعبة، بسبب التخلف في هذا القطاع، وضعف الخدمات التي تقدمها شركة واحدة لا شريك لها، تابعة للقطاع العام، وبالتالي لا مناص من الاشتراك لديها، والخضوع لكل ما تفرضه هذه الأخيرة على زبائنها. أما الهاتف المحمول فكان قصة أخرى، فالتكنولوجيا هذه دخلت متأخرة جدا إلى الجزائر، وكان ذلك في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وعن طريق شركة القطاع العام الواحدة، التي لم يكن لها شريك، ونظرا لضعف الخدمات والشبكة، فإن الحصول على خط هاتف محمول كان ضربا من المحال، وسعيد الحظ هو من يحصل على خط محمول، بل إن وزيرا سابقا للاتصالات كان يضع الخطوط في جيبه ويوزعها كما توزع صكوك الغفران. واضطر الجزائريون إلى الانتظار حتى عام 2002، عندما بدأت أول شركة أجنبية وهي اوراسكوم المصرية تسوق خطوطا للمحول خاصة بها، وذلك بعد ان حصلت على رخصة لإنشاء شبكة محمول، ودخلت بعدها شركة ثانية للسوق الجزائري، وهي الوطنية الكويتية، وهو ما فرض على شركة موبيليس التابعة للقطاع العام أن تدخل عالم المنافسة، وهو ما كسر الاحتكار وجعل المحمول ينتقل من أيدي الوزراء إلى أيدي الفقراء بعد أن انهارت أسعاره، وأصبح يباع فوق الأرصفة وعند البقال وفي كل مكان، والمثير للضحك أن وزير الاتصالات الذي أشرف على عملية فتح قطاع الاتصالات أمام شركات محمول أجنبية، قال آنذاك ان خدمة كاشف الرقم لن تكون متوفرة، لأسباب أمنية، لكن هذه الخدمة بعد ذلك تم توفيرها بشكل عادي، بدون أن يكون لذلك أي تأثير على أمن البلاد. وبسرعة انتشرت الهواتف المحمولة وأصبحت الجزائر تحتل الصدارة في دول المنطقة المغاربية من حيث عدد المشتركين في شبكات الهاتف المحمول، ولكن لما دقت ساعة الجيل الثالث تأخرت الجزائر مجددا، وبدا هذا التأخر غير مفهوم، خاصة أن التصريحات الكثيرة التي صدرت عن وزير الاتصالات خلال السنتين الماضيتين كشفت عن تخبط كبير بخصوص هذا الملف. لقد حطم الوزير موسى بن حمادي الرقم القياسي في عدد التصريحات والوعود التي لم تتحقق بخصوص الجيل الثالث للهاتف المحمول، ففي كل مرة كان يعطي فيه موعدا لإطلاق هذه الخدمة لا يلتزم بالوعد الذي قدمه، حتى أصبحت الصحافة والرأي لا يهتمان بالمواعيد التي يطلقها، لأنهم مقتنعون مسبقا أنها لن تتحقق، وكان آخر موعد أعطاه الوزير هو نهاية آذار (مارس) الماضي، ولكنه عاد منذ يومين ليقول إن الخدمة سيتم إطلاقها فور الانتهاء من عملية شراء الحكومة الجزائرية لشركة 'جازي' فرع شركة أوراسكوم المصرية، بعد أن أبدت هذه الأخيرة نيتها في البيع، واستخدام الحكومة لحق الشفعة الذي يخوله لها القانون. المشكل أن العلاقة بين المسألتين غير واضحة، ولم يتفضل 'السيد الوزير' بشرحها، لأن عملية التفاوض بخصوص شراء 'جازي' جارية منذ أكثر من سنتين، والموضوع معقد جدا، خاصة أن الشركة الأم أوراسكوم تيليكوم انصهرت في شركة فيمبلكوم الروسية، وبالتالي ورثت هذه الأخيرة الفرع 'جازي'، ومسألة تقييم أصول هذه الأخيرة وقيمتها مسألة قد تستغرق وقتا إضافيا، كما أنه بالإمكان الإعلان عن المناقصة، والانتهاء من دفتر الأعباء، وترك شركات الهاتف المحمول الثلاث تشرع في تسويق هذه الخدمة، بدون أن يؤثر ذلك على شركة 'جازي'، وعلى المفاوضات بشأن مستقبلها من طرف الحكومة الجزائرية، التي قررت شراءها سواء كانت تتوفر على الجيل الثالث أم لا؟ الشيء الذي يدركه الكثيرون ولا يقولونه إلا همسا، هو أن الحكومة تتعمد تأجيل الجيل الثالث إلى أقصى فترة ممكنة، لتخوفها من هذه التكنولوجيا، وعدم قدرتها على التحكم فيها، علما أن الجزائر أيضا من أكثر الدول تخلفا في مجال الانترنت، فسرعة التدفق في الغالب تبقى في حدود واحد أو اثنين ميجيا، بدون أن تنجح (أو ترغب) السلطات في تعميم الربط عن طريق الألياف البصرية، من أجل الحصول على تدفق عالي السرعة.