لا يخفى الانزعاج الذي أصاب حزب المؤتمر الوطني في السودان, لما أعلن رئيسه عمر البشير عزمه على عدم الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة. ويعزى هذا الانزعاج والارتباك إلى حالة الأبوية أو الفردية التي تتصف بها السياسة السودانية, والتي تجعل أجهزة المؤسسة الحزبية في حالة بيات طويل بعد أن تفوض سلطاتها للرجل الأول وتذهب في سبات حتى تتحول إلى أشكال بلا فاعلية. وقد لا يكون الفرد صاحب قدرات تميزه لكن يمكن (صناعة) الفرد بتعهده بآلة إعلامية ضخمة, وقوانين تطلق يده حتى يتضخم, وتستحيل بعدها أية محاولة لكبح جماحه إذا استبد. فلا يملك بعدها صانعوه غير الاستسلام للحالة, وتروق سيطرة الفرد للكسالى الذين يكلون الأمر كله للرئيس القائد الزعيم الملهم. حالة الفردية حالة لا تخرج أيضاً من نظام اجتماعي تصوغه قوانين تحكم مسار المجتمع, لكنها لا تكون على نمط محدد, لأن مسار البشر وحركة المجتمع الإنساني لا تحكم بقوانين كتلك التي تضبط السنن الكونية. لله تعالى سنن في الكون تزيدنا إيماناً وتسبيحا للمولى جلّ وعلا, ذلك أنها تجعلنا نضبط حياتنا وفق السنن الكونية ونحن مطمئنون إلى سير حياتنا كما نرسم, فنزرع في توقيت محدد, وننتظر ثمار النخل بعد سنوات محددة, وننتظر شروق الشمس في وقت محدد, ولا نتوقع أن يدخل ابننا الجامعة بعد عامين من مولده, ولا أن ياتي شهر رمضان بعد شهرين من عيد الأضحية, ولا أن يغلي الماء في الثلاجة. نتصرف وفق هذه القوانين والسنن فتسير حياتنا سلسة سهلة. وفي مسيرة المجتمع قوانين تحكم حركته مثل العلاقة بين مستوى التعليم ودرجة الوعي, وزيادة الإنتاج المفضية إلى الرفاه. وقد أغرت هذه القوانين المنظمة لمسار المجتمع المفكرين الماركسيين لوضع مسار للبشرية, تسير (حتماً) عليه وفق قراءات لماضيها, استقرأ منه الماركسيون المستقبل, لكن الفكرة اصطدمت بمفارقات كثيرة تؤكد استحالة وضع (ناموس) للمجتمع, وكأن البشر على مدارات كالشمس والقمر, وكانت الصخرة الكبرى التي اهتزت عندها الماركسية هي (الفرد) الذي يفسد النبوءة ويغيّر المسار بطريقة درامية تهز الفكرة المبنية على الجماعة. أشير في هذه الناحية إلى الحوار الذي أجرته صحيفة «الرأي العام» السودانية مع د.محمد يوسف أحمد المصطفى, القيادي في الحركة الشعبية, لما كانت تحت قيادة زعيمها التاريخي جون قرنق.. اتهم د.محمد يوسف في هذا الحوار قيادات الحركة الشعبية صراحة بخيانة مبادئ الحركة. هو اتهام يجعلنا نستعيد الدور الكبير للراحل جون قرنق, الذي كاد يلغي أي دور آخر لأي قيادي آخر. وقد مثل دور قرنق في الحركة الشعبية مثالاً نموذجياً لدور فردي طاغ, فهو الذي حول حركات جنوبية استقلالية كانت تنادى بالانفصال إلى حركات وحدوية, ثم ارتدت إلى قناعتها الأولى فور رحيل زعيم الحركة الشعبية, ولعل من المثير حقاً أن نتخيل أن السودان كان في الإمكان أن يبقى موحداً لو بقي قرنق حياً.. وطن مصيره بيد شخص واحد, مع كامل التقدير لفكرة المؤسسية! أما حزب المؤتمر الوطني الذي طالما تفاخر منسوبوه بعضويته التي بلغت خمسة ملايين, وأنه حزب حديث يدار وفق مؤسسية و «تراتب» تنظيمي دقيق, وما إلى ذلك من عبارات موحية بتماسك الحزب وعدم تأثره بغياب زيد أو عمرو, فقد أظهر من القلق والفزع ما لا يخفى حين أعلن الرئيس البشير عدم رغبته في الترشح. وهو مثال آخر يؤكد على الدور الخطير للفرد في مسيرة الجماعة, وعدم إمكانية وضع مسار محدد لا تربكه مفاجآت الأفراد. وسوف يحدد ترشيح البشير من عدمه مسار الحزب في المستقبل المفتوح على كل الاحتمالات بما فيها خسارة الحزب للانتخابات بعد أن أدرك (مفكرو) الحزب أن ليس من بينهم من يخلف الرئيس الذي صنعوه, وفي مثال آخر ظل كثيرون يرددون خلال الديمقراطية الثالثة أن الشريف حسين لو كان حياً لاكتسح الحزب الاتحادي الانتخابات, ولَحَكم الاتحاديون السودان منفردين, ولتغير مسار التاريخ. وقد كان الشريف ذا إمكانات هائلة وقدرات تجعله وحده مؤهلاً لتغيير مسار التاريخ. لا تستهينوا بالفرد, فقد يغيّر واحد مسار التاريخ بحضوره أو بغيابه, وهكذا كان المهدي وأزهري والشريف حسين وجون قرنق وجورباتشوف وهتلر ومارادونا.