افتتح مساء الخميس الأخير، بالمبنى رقم 19 بكتارا، معرض الفنانين، القطري فرج دهام، والمصري محمد أبوالنجا، الموسوم ب»مدينة». جاء المعرض بحضور الفنانة هنادي الدرويش، مديرة مركز الفنون البصرية التابع لوزارة الثقافة والفنون والتراث، ولفيف من الفنانين القطريين والمقيمين، والمهتمين بالفن التشكيلي. يقول سعيد كوستا، أمين معارض الفنون البصرية والبرامج التعليمية: إن الفنان القطري فرج دهام، علامة من علامات الساحة الفنية القطرية، واصفاً إياه بالفنان المفعَم بالحيوية ولديه رأي فريد عن مدينته الدوحة. أما الدكتور أبوالنجا، بحسب سعيد كوستا، فهو فنان مصري يعمل في الدوحة أميناً فنياً، وهو رجل يتمتع بحس فني عالٍ وحنين دائم لمدينته القاهرة. وتعود فكرة «مدينة» إلى السنة الماضية، بمسميات عدة منها: «المدينة الفاضلة»، «داخل بؤرة الرؤية»، «خارج بؤرة الرؤية»، «معاً»، إلى أن تبلور المعرض في حلته التي ظهر بها أخيراً. ويركز الفنانان كل واحد على مدينته، وعلى أنماط الحياة المختلفة فيها، وبعيون العمال القاطنين في هاتين المدينتين: «الدوحة» و «القاهرة»، وذلك لجَعل المدن تعبر عن نفسها من خلال صوت أبنائها وحياتهم. وتَعامل فرج دهام مع المدينة على أنها بطاقة بريدية، بينما قدم أبوالنجاتصوراً سُحبت فيه مدينة القاهرة إلى الخارج. لا ينظر الفنانان إلى المدينة من زاوية كثافتها السكانية فحسب، بل من بؤرة الرؤية وزاوية العوامل الاجتماعية والتاريخية التي تُجسدها. يتم تنظيم المدن عادةً من خلال فرض نظامٍ يحكم العلاقات بين مكوناتها والجماعات المتعددة التي تسكنها. والمطلوب هو أن تُؤمن المدينة لسكانها الراحة والطمأنينة والحياة الكريمة، مع تطلع الناس فيها إلى آفاق حياة أفضل. تتألف المدينة من الوجود البشري الحسي، وكذلك من وجهات النظر الثقافية التي يجب تبنيها لشرح بعض الظواهر غير المتوقعة، مثل سيطرة المبادئ القديمة، وانتهاج أسلوبٍ في الحياة يعمل على تنظيم العلاقات بين البشر، وفقًا لتغير الأفكار والأهواء والسلوكيات- ولا يمكن فصل هذا عن التنوع الثقافي ضمن المدينة الواحدة. هناك اختلافات لا حصر لها بين الأفراد.يراقب فرج دهام مدينته، وبأسلوبه الفني المميز ينقل إلينا مجموعةً من الأحلام والتطلعات والهواجس وبعضَ الذكريات البسيطة التي يرسلها من الدوحة بناؤوها الذين يسهرون على تطوير مبانيها يوماً بعد يوم، مشيدين أبنيةً سرعان ما نسكنها ونملؤها بالأحلام والتطلعات والهواجس الخاصة بنا، كل هذا وهم يرسلون ذكرياتهم إلى مواطنهم الأصلية. يستخدم دهام الشكل الظاهر للبطاقة البريدية ليعبر عن المآزق البسيطة على عمقها التي يضطر كل عامل، بل كل مغترب في الدوحة أن يتعامل معها يومياً. كيف يمكننا أن نحمل مدينتين في قلوبنا وعقولنا؟ وبما أنه لا يوجد جواب نهائي لهذا السؤال، فإن أعمال المعرض تعكس ما يشعر به دهام حيال هذا المأزق وفكره حوله. في حين يستحضر الدكتور محمد أبوالنجا ثورة مدينته في 25 يناير، التي امتلأت فيها ميادين القاهرة بكل أنواع المبادرات في تحد للخوف والتسلط وبرأيه فقد خضعت مدينته لعملية شد وجهٍ كاملة، غيرت ملامحها بشكل كبير ولونتها بالحركة الدائبة التي دحضت كل التوقعات والتصنيفات ظلت المدينة خارج بؤرة الرؤية، جسداً خاضعاً للتوتر، والهموم والأحلام تثقل كاهله. يصور أبوالنجا مدينته على شكل رجلين يقفان جنباً إلى جنب تجمعهما حزم القش التي يحملانها على ظهريهما. حين تتكتل الحزم لتصبح عبئاً مشتركاً يتحول الجسدان إلى شجرة عتيدة مثقَلة بالأغصان العطشى. وجهات النظر الثنائية التي يقدمها دهام وأبوالنجا تربط المدينة بالدوافع الاجتماعية المختلفة. هنا توجد مدينتان تحملان إرثاً عربياً واحداً، وتشتركان في المعتقدات واللغة، لكنهما واقعتان تحت تأثير تغيرات مباغتة، التي هي من الأسس الجوهرية للمدينة كمفهوم. ينظر الفنانان إلى الناس من وجهة نظر المدينة، وإلى المدينة من وجهة نظر السكان، وكلاهما يسجلان الحركة الدائمة والتغير والاختلاف والتطابق. وأثنى الفنانون الذين حضروا حفل الافتتاح، على أعمال الفنانين، ووصف الفنان العراقي إسماعيل أعمال فرج دهام ب «الجريئة».