الواسطة من العقد والقلب من المكان واللب من الشيء إشارة إلى نفاسة المشار إليه نسبة إلى الكل الذي يحتويه، بينما في المدن كلما سرت ودنوت من الوسط احتواك المكان بشكله ومثاله، فيصبح معبراً عن كل ما تحوي المدينة من صفات، فالوسط دائماً حيث تنشأ المدينة وتجتمع صفاتها معاً، أسواقها ومدارسها وساحات الأفراح والأتراح ودور العبادة الكبيرة التي تجمع سكانها ودور الضيافة وحتى دور الحكم والإدارة فيها، ثم تسير المدينة ويتسع شعاع قطرها إلى خارج مركزها فيصبح الوسط مزدحماً بالذاكرة والعاطفة كأنه القلب والفؤاد، ويفد إليه الناس ويخرجون منه محملين بالحنين كأنهم الدماء من القلب وإليه . المدن القديمة ليست إلا للأقدام، فهي لم تُبن أصلاً إلا لتضم السائرين على أقدامهم في طرقاتها وإلى أفنيتها ودورها، ولتحمي ذاتها وكيانها من الفناء، وتملك معمارها الخاص ومكونات معمارها قريبة إلى المكان وأصالته، لكنها مدن لا تموت عندما يغادرها الناس والحياة، بل تعود فضاء يمثل هوية المكان ويحمل طبائع أهله، ويزخر بجماليات مزجت الحاضر بالماضي، فالتركيز على هذه المعطيات يثري رابطة الأجيال الجديدة بجذورهم، بل ويعمل على تسويق المدن بفن من القيادة والمبادرات التي تتعاطى الهوية والذاكرة، فالمدن الأوروبية القديمة لا تعمل في بيان حضورها على أنها الأفضل، بل تعمل على أساس ما كانت هي عليه في السابق كمتاحف حية، وتصنع صورة ذهنية لما هي عليه الآن وما كانت عليه سابقاً في آن واحد، برج إيفل ليس الأطول لكنه الأقدم وفرساي أو اللوفر متاحف لكنها كمبانٍ تخضع لنظرية القدم وبراغ وفيينا وغيرها، وتعمل المدن القديمة على صناعة أحداث كبرى تسير نحو ربط الحدث بالمكان والذاكرة وتستغل الروح الآسرة للمكان فتصنع التخيلات للماضي بشكل حاضر مع كل مناسبة . شروق أو هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير تتبنى رؤية تعكس روح الشارقة الثقافية في الشارقة القديمة بامتداد من المريجة أو كما نسميها "الغرب" إلى فريج السوق بامتداد الشرق، تمتلئ بالحياة كانت وما زالت، وعدا عن المتاحف والمواقع التراثية التي تحتويها المنطقة سواء أكانت في مجالات التراث والفنون والحضارة أو حتى في مناشط تعنى بالحراك الثقافي كالشعر والمسرح وبيوت الفن ومشاغل الفنانين . لكنه وهذا بيت القصيد فإن الموقع يضم هذه الأيام فعاليتين من أهم المناشط الثقافية في الشارقة وقد مضت قبلها أيام الشارقة المسرحية التى استضافت قاعات المعهد المسرحي معظم عروضها، هما بينالي الشارقة للفنون وأيام الشارقة التراثية، وهما حدثان مهمان في اطار صناعة الهوية الثقافية للمنطقة، ويسيران متزامنان في المكان ذاته، بصدى يشبه صدى تداخل ايقاع صوت الشراع الأبيض وهو يعلو في الهواء إلى أعلى، وترداد أصوات النهّام والبحارة، أنت لا تفرق بينهما أيهما يكون الايقاع وأيهما يكون الصوت، وكذلك هي الفنون والتراث والمكان، نسيج من إيقاع واحد من الذائقة البصرية والحافز الثقافي الذهني، يقدم صورة للمكان بصياغة جديدة تدل على أن النية مبيتة لصناعة الحلم والخيال والفرح بالحاضر والماضي، فأنت لا تملك بأيهما تسعد بمتعة الخيال ام بحضور الجمال . من أقدم الصور التي التقطت إلى المنطقة كانت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولعلها أقدم صورة أخذت من البحر إلى مباني المدينة القديمة، وهي تتزاحم على شاطئ الخور، لا تكاد الآن لولا بعض المباني القديمة إلا أن تقول إنه قلب مازال ينبض بحيوية وتجلٍ يقدم حضوراً جميلاً للمكان، فبوركت أيد أضافت معاني جديدة وروحاً مبدعة لقلب المكان .