عادل عبدالرحمن (جدة) بين الأزقة الضيّقة والفوانيس البيضاء العتيقة وأمام الدكاكين المملوءة بالزوار والمرتادين تختلط رائحة العود والعطارة مع أريج الذكرى والزمن القديم، تجد جسدك في سوق العلوي التاريخي وذاكرتك تُعدّد تواريخ سرقها الماضي بلا استئذان، تجوب المكان ذات اليمين وذات الشمال مقعدًا عن التفكير سوى في إعادة بعض لمحاتٍ عن جدة القديمة، تسير في شارع قابل لتضيع في زحام البضائع والبشر، قريبًا من سوق العلوي وحين تفتح شبّاك الماضي تلتقي بزخرفة البيوت والأشجار البواسق والمؤذن الذي يمر على الأطفال ويحثّهم على اللحاق به للصلاة في المسجد، والأب الذي يجمع أسرته الكبيرة مهما بلغت الشحناء بينهم ليعود الوصل والرضى على سفرة الطعام، والمركاز الذي ينصبه كبار السن والمقام أمام المنازل لخدمة شؤون السكان والحديث في همومهم، بعدها تعود إلى الحاضر فيتناهى إلى سمعك متسوّق يحاول إرغام البائع على تخفيض قيمة القماش الأزرق الداكن، وبائع آخر يرسم ابتسامةً مصطنعة على شفتيه رافعًا قارورة عطر رخيصة الثمن ليطلب منك تجربة رائحتها ليقنعك باقتنائها، بينما في جهة أخرى نسوة رافقتهن الشيخوخة ليصبحن من القواعد من النساء يبعن الأقمشة والعباءات على الأرض لتستعيد مشهد العجائز وهنّ يقصصن الحكايا على الأحفاد والأبناء مجتمعين، لا تألو جدة جهدًا في أن تصلك بالماضي كيفما شاءت، وكأنما ترغب في أن يبقى خالدًا في الذاكرة أبد الآبدين.