حملة تفتيش على المنتجات الزراعية في السوق المركزي للخضار والفواكه بذمار    حوار العقل مع جنون السلطة*..إهداء إلى سيد البيت الأبيض*    الكشف عن حصيلة القتلى برصاص القوات السعودية بالمكلا (الأسماء)    برشلونة يقترب من تحقيق دوري اسبانيا    خنبشة قاتلة    مثلث الإرهاب واتحاد المصالح على نهب الجنوب    هيومن رايتس تدين إطلاق النار على متظاهرين في المكلا وتطالب بتحقيق عاجل (وثيق)    حتى كبار السن لم يسلموا.. رصاص مجرمي سلطة الأمر الواقع يصيب العميد الركن باعوض المحمدي    الحوثي: ماذا يعني اعتراف امريكا بسقوط المقاتلة الشبحية؟    رئيس إصلاح المخا: الاحتشاد الجماهيري يجسد متانة العلاقات مع السعودية ودول الخليج    عقد من الإخفاء القسري.. ابنة قحطان تدعو الرئاسة والمجتمع الدولي للضغط لإطلاق سراح والدها    13 مليار دولار خسائر قطاعي الزراعة والأسماك خلال 11 عاما من العدوان    اتحاد إب يواجه أزمة مالية خانقة تُعقّد مهمته لتمثيل المحافظة في الدوري اليمني    صنعاء: إعادة افتتاح متحف تعرض لقصف إسرائيلي    دائرة المرأة بالإصلاح: تعيين جميلة رجاء سفيرة لدى واشنطن محطة مهمة تعزز حضور المرأة    خلال 3 أشهر.. الهجرة الدولية توثق نزوح 813 أسرة أغلبها استقرت في مأرب    هيئة علماء اليمن: الصراعات الإقليمية الحالية صراع نفوذ وندعم أمن الخليج    أمين العاصمة يتفقد مشاريع الصرف الصحي وترميم الشوارع في الثورة    وزارة الاقتصاد: أسعار عبوات المياه الصحية ثابتة    وفاة مواطن داخل أحد سجون مليشيا الحوثي في إب وسط ظروف غامضة    مليشيا الحوثي تشطب أكثر من أربعة آلاف وكالة تجارية لإحلال بدلاء موالين لها    تشييع جثمان العميد أحمد الهادي بصنعاء    صوت الذاكرة: المرأة المبدعة بين الأدب المبتكر والإبداع الرقمي الثقافي مقاربة تحليلية في تحوّلات الخطاب النسوي المعاصر    البرلماني حاشد يخاطب البرلمان الدولي: أتعرض لابتزاز سياسي ممنهج وحرمان متعمد من العلاج يرقى إلى تهديد مباشر للحق في الحياة    المهرة مهددة بالظلام.. مشاكل قطاع الكهرباء تعود إلى الواجهة وحكومة الزنداني تقف امام اول اختبار حقيقي    الفريق السامعي: صمود إيران وقوة ردعها قد يحملان مفاجآت استراتيجية تعيد ترتيب المشهد الدولي    الأرصاد: أمطار متفرقة على أجزاء من المرتفعات والسواحل    شكوك حول مشاركة هاري كين أمام الريال    وفاة 3 فتيات غرقا في حجة    تعذيب العليمي حتى الموت في سجون عدن    مخيم طبي لمرضى العظام للمحتاجين والمستضعفين    ثنائي برشلونة مهدد بالإيقاف أمام أتلتيكو مدريد    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    وفاة ثلاث شقيقات غرقاً أثناء محاولة إنقاذ في حجة    تتويج الفائزين بجائزة ميخالكوف الأدبية الدولية في موسكو    رشاد العليمي.. الرئيس اللعنة الذي أنهك الجنوب وأغرقه في الفشل.. سجل قبيح من الحرب والعداء والخبث    بمناسبة افتتاح مركز طب وجراحة العيون.. مستشفى "اليمن السعيد" يطلق أسبوعاً خيرياً لعلاج وجراحة العيون    انعقاد الاجتماع الأول للمجلس العلمي للهيئة العامة للآثار    شيطنة الخصم حتى يستحق القتل    في زنجبار كيف أثر ابن سميط في إنجرامس قبل وصوله لحضرموت    وزير الكهرباء ورئيس مصلحة الجمارك يبحثان تطوير التسهيلات الجمركية لقطاع الطاقة    عوامل تزيد خطر الوفاة بعد سن الخمسين    مراثي القيامة    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    فيصل سعيد فارع.. من أولئك الذين يبقون    نجاح أول عملية قسطرة طرفية في مستشفى الثورة بالحديدة    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    مرض السرطان ( 5 )    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اتحاد كرة القدم ينفي تأجيل انطلاق الدوري اليمني    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مكاسب فردية ونعيم على حساب أمة كاملة وجهل مقيم -
نشر في الجنوب ميديا يوم 23 - 06 - 2012

القاهرة: انطلق المثقفون المصريون في الجزء الأول من هذا التحقيق حول قيمة ودور الثقافة المصرية الآن وما تواجهه من تحديات ومشكلات، وما يشهده دورها داخليا وخارجيا من أخطار تأثير المد الديني، وسياقات ليست بعيدة عن بعضها في رؤيتها للأخطار التي تعتمل داخل الثقافة وخارجها، سياقات ترتبط بماض يمثله ميراث فاسد من النظام القديم أو حاضر تهدده معاول التطرف والعنف والتحريض على حرية التعبير والكتابة على اختلافها.
وهنا نواصل معهم طرح رؤيتهم حول ما يتخلل الثقافة ويواجهها الآن وتأثيره على وضعها وقيمتها ودورها، خاصة مع استمرار نفس المنظومة الفاسدة داخل مؤسساتها والتي تسعى متواطأة لموالاة النظام الإخواني وحلفائه من جماعات الإسلام السياسي.
خسارات داخلية وخارجية
يحمل رأي الروائي صبحي موسي الكثير من التحذيرات بشأن ما يحيط بالثقافة المصرية، فهو يرى أنها خسرت الثقافة المصرية الكثير من رصيدها سواء في الداخل أو الخارج، وأصبح ما يسمى بالقوة الناعمة لمصر مهدداً بالتجريف والمحو، ويقول "على سبيل المثال في الداخل مازالت رجالات النظام القديم هي التي تسيطر على المشهد، ومازال العبث بمقدرات الدولة ثقافياً ومادياً على أشده، ولنا أن نراجع ما حدث في مؤتمر الشعر الثالث الذي عقد مؤخراً، فكيف لحجازي ورجاله أن يقوموا على تنظيمه وهم بلا أساس أو سند قانوني، وكيف سمحت لجنة الشعر المنتخبة والتي تحمل صفة الشرعية لهذا الأمر أن يحدث، هم أيضاً تواطأوا على الصمت من أجل البقاء في أماكنهم، لا أحد يمكنه أن يعترض لأنه سيفقد مكانه، وكيف سمح د.سعيد توفيق لرغدة أن تدخل مكتبه، وأن تلقي بكلماتها الموتورة دون أن يكون اسمها مدرجاً في البرنامج، وكيف أهدرنا ما يزيد عن نصف مليون في مؤتمر تم استبعاد الأصوات الجادة منه، وجيء بأصدقاء وشلليات وأسماء لا معنى لها، العديد من الأسئلة التي لا نستطيع على إثرها المطالبة بإقالة الوزير ولا سعيد توفيق أو حتى لجنة الشعر، لأن التظاهر ضدهم أو حتى المطالبة بإقالتهم لا تضمن أن يأتي بأفضل منهم، فمن الجائز في ظل ثقافة التمكين الإخوانية أن يدخل الإخوان إلى المجلس ولجانه أو إلى كل هيئات وزارة الثقافة ليحيلوا قطاع كقصور الثقافة إلى وزارة أوقاف يلقون بخطبهم من على منابرهم، أو يحيلو هيئة الكتاب إلى هيئة النشر السلفي، أو يجعلوا دار الكتب بدلاً من الأرشيف القومي إلى دار ابن قتيبة".
الاضطرار للتواطؤ
ويضيف موسى "للأسف الشديد نحن مضطرون للتواطؤ بالصمت على جرائم ما كانت تحدث بهذه الفجاجة في ظل النظام القديم، لكنها الآن صارت بمخالفات إدارية وأدبية تحدث على مرأى ومسمع من الجميع، ولا أحد يرغب في المطالبة بمحاسبة أو معاقبة أو إقالة المسئولين عنها كي لا نفتح الأبواب إلى التخلف والراديكالية، وهو مؤشر خطر وخطير على الثقافة المصرية، خاصة وأن خطط التمكين تسري الآن في مفاصل الدولة المصرية من الألف حتى الياء، ولم يبقى غير هذا القطاع ليدخلوه كما دخل السلفيون إلى قطاع التربية والتعليم ، فضلاً عن الإعلام الذي أصبح أكبر أعدائه حازم صلاح أبو اسماعيل أهم المرشحين لشغل منصب مستشار الرئيس لشئون الإعلام".
وحول تأثير ذلك على رؤية الخارج، حذر موسى من أن أحد لم يعد ينظر إلى الثقافة المصرية إلى أنها ثقافة الليبرالية والتعدد، على النقيض صارت أحد الرموز الراديكالية في العالم، ولنا أن نراجع حركات التجاور والتقارب المصري الآن تتم مع من، إنها إما مع باكستان أو إيران أو في أحسن الأحوال تركيا، وليس تركيا ذات الدستور العلماني الليبرالي ولكن ذات الحزب الديني الحاكم، و"منذ أيام هاجم شخص في أستراليا المرأة أمام رئيسة الوزراء الأسترالية فقالت له ( إنك متعصب وعليك أن تذهب إلى إيران أو السعودية)، وقريباً سيكون هذا مصيرنا إذا سرنا بنفس الخطى التي نسير عليها الآن، ولعل ما حدث من مع المرأة ووثيقة الأمم المتحدة بشأنها ورد الاتحاد الأوربي على مصر في هذا الشأن هو أوضح مثال على ذلك، ولعل ما حدث من تراجع في النص على وضع أسماء المرأة على رأس القوائم الحزبية في الانتخابات القادمة هو أبرز ما يمكن الإشارة إليه، فنحن نتوقع إذا تم تمرير الانتخابات البرلمانية أن نشهد برلماناً ذكورياً بامتياز، إسلامياً بامتياز، خطابياً بامتياز، يميل إلى الكذب على من انتخبوه بامتياز، يميل إلى موافقة السيد الدكتاتور بأي شكل وطريق على نحو ما يحدث الآن في مجلس الشورى بامتياز، وقد يوافق هذا البرلمان على بيع ثوابت إنسانية وحضارية كبرى كالأهرامات والمتاحف والمعابد المصرية لدولة لا علاقة لها بالثقافة أو الفن أو التراث الإنساني بإمتياز، هذا هو المصير الذي ننتظره إن لم نجد من يدعون إلى محو هذه الآثار، أو على الأقل إلى هدمها كما حدث مع تمثال طه حسين، أو تنقيبها كما حدث مع تمثال أم كلثوم، أو حرقها كما حدث مع كنيسة صول وغيرها، فإذا أضفنا إلى ذلك ثقافة العنف التي أخذت تتنتشر في المجتمع المصري، وثقافة التشفي والتحزب الثنائي بين المسلمين والأقباط، أو بين العلمانيين والراديكاليين، فإننا نعرف أنه قد أصبح على العالم كله أن يقف بجدية تجاه ما يحدث لأن ذلك سينتشر في المنطقة ككل، وسوف يفقد الجميع أعصابه وربما تنشأ حرب عالمية ثالثة بسبب ما سيحدث من فوضى في سرة العالم".
منحدر الهبوط علي كل المستويات
يشدد الروائي ممدوح عبد الستار أن الثقافة هي الحصن المنيع للدولة المصرية منذ تاريخها العريق، وهى السبب الحقيقي في تذويب كل الثقافات الواردة عليه، سواء بفعل الاحتكاك، أو بفعل استعماره، واحتلاله، والمثقفون والكتاب والفنانون هم طليعة هذا المجتمع الذي يبدو من النظرة الأولي، أنه مجتمع غير واعي، وغير مدرك للمخاطر التي تواجهه، لكن الملفت للنظر، أن الثقافة الرسمية، ليست هي الثقافة الحقيقية لهذا الشعب العظيم، الثقافة الحقيقية هي الثقافية الشفهية، التي تنمو من معاناته الحقيقية، ومن ثم ، تجده يُلقي بالنكات وبالسخرية علي كل ما هو موجود، حتى أنه يسخر من نفسه في كثير من الأحيان.
ويحذر من أن هذه الثقافة قد أصابها العطب، مما أصاب المجتمع، وتفكك المفهوم السائد عن وطنية الكتاب والمثقفين، وتم دخولهم بوازع من ضمائرهم إلي حظيرة المنفعة، حظيرة وزارة الثقافة، والاشتغال علي إيهام العامة من خلال أدوات النظام المتمثل في الإعلام المرئي والمسموع، بل استطاع النظام تصديرهم إلي خارج البلاد، علي اعتبار أنهم النموذج الحقيقي للمثقف والكاتب المصري، وكما كان يفعل النظام من تجفيف المنبع من الكتاب والمثقفين الحقيقيين، فعل الكتاب أنفسهم هذا الدور بحب، وعشق. ومن هنا أسرد أشياء عايشتها، واشتكي منها الكثير من الكتاب والأدباء والشعراء، فقد كانت جريدة أخبار الأدب منبرا قائما علي الولاء، بمعنى أوضح: من معنا نفسح له مجالا أوسع في الجريدة، ومن ثم تجد أن الإعلام أيضا بنفس الوتيرة، الكل لا يؤمن بالتنوع، وبالاختلاف. وقد وضحت هذه الفكرة وتجلياتها في تكوين جماعات أدبية أو فنية تحت مسميات عديدة، لمواجهة هذه السلطة التي تغتصب كل شيء لنفسها. ويراهن عبد الستار على الثقافة في المنظور البعيد، و"علينا أن نعيد الأفكار، ونتساءل عن كيفية جدوى الكتابة، وماهية الفن، ودورة في حياة البشر العاديين؟ علينا ببداية صحيحة تبدأ من أنفسنا ككتاب وفنانين، يجب أن يقوم كل فرد بدوره الحقيقي، وأن ينحاز لما هو جمالي وثوري، لأن الكتابة فعل ثوري في الأساس. علينا بتغير الأفكار التي قمعتنا لفترة طويلة، وأن نتحرر من سلطتنا التي أعتقد أنها قيدت حريتنا، وإنسانيتنا، وتواصلنا مع الآخر، علينا بقبول الآخر مهما كان مختلف. الثقافة المصرية الآن في منحدر الهبوط علي كل المستويات، وكل الأنظمة، تحارب الثقافة، لأنها الصوت الحقيقي للشعب المصري العظيم.
المؤسسات تدمر
تؤكد كرمة سامي أستاذ الأدب الإنجليزي وكيل كلية الألسن للدراسات العليا والبحوث السؤال حول الثقافة ينكأ جرحا غائرا، متسائلة: كيف بالله نتكلم عن الثقافة ونحن فيما نحن فيه من ندمر لكل مؤسسات الدولة وكياناتها المادية والمعنوية؟ لا أتحدث عن أخوان وغير أخوان. بل أتحدث عن المواطن المصري الذي أراهن عليه دائما وأكرس حياتي لتعليمه وتعليم أبنائه.
وتضيف "كنت افترض بعد الثورة أن يتحقق التعاون بين الأزهر والكنيسة والتربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة لكي نعيد تأهيل الأمة لنستقبل فجر يوم جديد، أما ما يحدث الآن فهو ارتداد لما قبل الثورة، ربما كانت نكسة 1967 أخف وطأة لان الشعب لم ينهزم ولم ينكسر قائده بل بدأ البناء منذ اليوم التالي للهزيمة! السؤال الآن أين النخب الثقافية؟ أين رموزنا الوطنية والدينية؟ أين الحوار الوطني؟ أين الفنون بكافة أنواعها تخرج للشعب بكل فئاته برسالاتها التنويرية؟ أين التواصل مع الوطن العربي على كل المستويات؟ متى نكف عن ثقب السفينة التي تحملنا جميعا ونعى أننا جميعا نسير في اتجاه واحد نحو الوطن؟".
ضرب الهوية الثقافية
ويطرح الكاتب والفنان التشكيلي مجاهد العزب رؤية أخرى عميقة لأزمة الثقافة بمعناها العام مؤكدا أنها ربما تجاوز الألف عام من العصر المملوكى الأول وحتى الآن ، فالثقافة تحتاج المزيد من الحرية للتعبير عنها وحرية التعديل عليها، والإضافة لها والتعريف بها وانتشارها بين الجماعات البيئية المختلفة من ريف وحضر وتمدن.. الخ، ليس فقط بالتعليم الجاد الجيد وتنوعه وحرية الفنون والأداء والحريات السياسية في تبادل الأفكار والآراء وما يتبعه من حرية اقتصادية، فتلك كلها أمور تخص " الإليت " أو الطبقات العليا من أي مجتمع، أو بالمعنى الدقيق هي ثقافة ارستقراط، لكن أتحدث عن الثقافة بمعناها الشامل الجامع بالمعرفة العامة والتراكم الذي يؤدى في النهاية إلى تأصيل الهوية المصرية وجذورها الممتدة عبر التاريخ.
ويضيف "كل هذا كانت تمنعه وتحد منه أنظمة الحكم الاستبدادية تحت دعوى الكثير من المقولات والشعارات، والفضل فيها أيضا للاستعمار وعدم الانتماء من الحكام أنفسهم، كذلك القوى المسيطرة أو المتحكمة في التيارات المختلفة من دينية وسياسية أبعدت المد الثقافي والنمو الطبيعي لها وأدخلت العديد من التغيرات السطحية لتخلخل النموذج المصري، وبالتالي ضرب الهوية الثقافية في مقتل دون التفكير أو القدرة على الحفاظ بذاك الموروث والتعديل التاريخي عليه مما يؤدى بالضرورة إلى تراكم معرفي جاد".
ويلفت العزب إلى أن الأنظمة الحاكمة والتيارات المؤثرة سواء دينية أو بترودولارية ظلت تضغط في اتجاه تحويل المثقف والثقافة إلى توابع مقيدة بمنهاجها وتوجهها حتى خلق وسط الجماعة الثقافية ما يسمى "مثقف السلطان"
أيا كان هذا السلطان، مما ابعد وزاد من عزلة المثقف الجاد الملتزم عن التواجد الفعلي والمساهمة في التراكم المعرفي والبناء على ما وجد من ثقافة أصيلة، وبالتالي تفكك الأصل وشاع دمه بين نخب مختارة تابعة لا تدرى من انتخبها أصلا ، ومنهم من هو كاره للثقافة بكل مشتملاتها ومدركاتها، إما بالتعالي عليها أو الخوف منها وتقييدها عن النهوض والحركة ، ذلك كله كان يتم في الخفاء والعلن لصالح تيارات التخلف والرجعية.
ويرى أن المثقف المصري في الغالب وقف موقف الدفاع عن ذاته، وفضل مداهنة الأنظمة الحاكمة وتيارات التدين، عوضا عن التصدي لها بالحجة والبرهان وتفنيد سلوكها المستبد ومنع تجاوزاتها المؤثرة. لذلك، سيظل المثقف المصري رهين محبسه الذي اختاره ممنوعا من الحركة والتواجد، لطالما كانت هناك تلك الأنظمة وتيارات التخلف، وبعيدا عن القاعدة الشعبية الأشمل والأعم، متنازلا عن معتقده في سبيل نخب فضفاضة هلامية مؤثرة إعلاميا ومروجا لها، تتصارع فيما بينها لنيل المزيد من المكاسب الفردية والنعيم على حساب أمة كاملة وجهل مقيم.
والحل من وجهة نظرمجاهد العزب هو عودة الجماعات الثقافية الداعم بعضها بعضا بعيدا عن المؤسسات ومخططاتها، وبعيدا أيضا عن التيارات المختلفة وأغراضها الإيديولوجية، وعودة الإصدارات والنشرات الخاصة والصحف السيارة ومجلات الماستر والأوراق المتداولة بعيدا عن هذا الجيش الجرار المسمى بالنخب ومثقف السلطان.
مشروع ثقافي وطني
يرى الشاعر والروائي أشرف أبو اليزيد إن حضور الثقافة المصرية خارجيا لا يزال حضورا مؤثرا، "هي تتواجد بقوة عربيا، سواء في الصحافة الأدبية، أو المؤتمرات الفكرية، أو الفعاليات النوعية التشكيلية والسينمائية والمسرحية، أو حصاد الجوائز في مختلف المسابقات والمنافسات الثقافية، حتى نكاد نزعم بالقول إنها وحدها الضوء الشارد الذي يبدد ظلمة نفق المشهد المصري الأكبر في الخارج".
وعلى المستوى الداخلي فيؤكد أنه ينحني إجلالا لمن يقاومون تلك الردَّة التي تعصف بالمجتمع المصري الرائد ثقافيا، "أنحني لمن أقاموا مهرجان الأقصر السينمائي للسينما الإفريقية، وأشد على أيدي من أعادوا الروح إلى خشبة المسرح الوطني بالمهرجان القومي، وأعانق هؤلاء الذين يسيرون في طول البلاد وعرضها بمعارضهم التشكيلية، ولن أعدد لك حتى لا أستثني أحدًا، فهم جميعًا النهضة الحقيقية التي تستلهم روح هذا الشعب، لا النهضة المزيفة التي تريد أن تقضي على جذوة الإبداع فيه وشعلة الأمل به، ووهج الحرية له. وأنا بالوقت نفسِه أنظر إلى الأمر على أنه نتاج مبادرات فردية حريصة على إحياء الثقافة المصرية. إن هؤلاء الذين يقفون وراء المشهد الثقافي المصري داخليا وخارجيا هم فتية آمنوا بدورهم الذي خلقوا من أجله؛ أن يكونوا حلقة وصل بين ماض رائد، ومستقبل متجدد، لذلك يحرصون على حاضر حي".
ويحلم أبو اليزيد بمشروع ثقافي وطني ضخم، يقاوم ردة الثقافة الصفراء التي ترتدي قناع الدين، لمحو الدنيا، ويقول "إن التثقيف العام والشامل يجب أن يُخرج هذه المبادرات من مكامنها الضيقة إلى الملايين. أريد، نموذجا، أن يرى الملايين الأعمال التشكيلية المقاومة والواعية لمحمد عبلة وعبد الوهاب عبد المحسن ، أن يشاركوا الجمهور القليل المتابع للفعاليات الحية مشاهدة السينما الإفريقية مثالا ولهذا أرجو أن تتبنى قناة تليفزيونية أو أكثر نشر هذه الثقافة النوعية الجيدة للعامة. وأسأل كذلك لماذا لا تُعرض الأعمال الموسيقية الكبرى بشكل متواتر، في محطات المترو، ولماذا لا نطبع القصائد كالجرافيتي على جدران شوارعنا نلونها بالشعر والفن والحياة".
ويلفت إلى إن العيب الذي وقعت فيه أجهزة الثقافة سابقا هو تحويلها إلى أمرين؛ أولهما عمل نخبوي يسير بدوائر نفعية ضيقة ومغلقة، أو اختزالها لعمل إداري لفائدة أنصاف الموهوبين، ومن ثم ابتعدت الثقافة عن الشعب.
ويضيف "لقد أثبتت الثورة حب الجميع للفن كما رأينا في مظاهرات الغناء وجداريات الجرافيتي وعلينا أن ننقل هذه الفنون للشعب مرة أخرى، ليستمتع، قبل أن نطالبه بأن يرتقي بوعيه. لن نقاوم الظلام بشموع مطفأة. أنيروا الشموع في أيدي الشعب وعقله، فتتحول إلى ضوء باهر، وشمس ساطعة، تبدد الظلام للأبد".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.