أخيرا، قرابة الساعة الرابعة صباحا (زوالي، أي العاشرة صباحا قبل الظهر ) يصل الصبي إلى تلك البرحة التي يسودها السكون، وتبعث على الخشوع، وتدعو إلى الصلاة والتعبد والروحانية. كان يستمتع بضوء النهار الباكر ينساب نقيا صافيا، كشلال ناعم من الضوء المترقرق، كأنه يتلو ويسبح بأصوات الملائكة. وكانت البيوت القديمة الأصيلة التي تطل على تلك البرحة الناعسة وتحيط بها في ارتفاع واحد تقريبا، وواجهاتها الخارجية متشابهة إلى حد كبير حتى في أشكال الشيش والرواشين الخشبية الجميلة التي كانت تزين واجهات المنازل البيضاء.وكان الصبي يتخيل أن جميع من يسكن في المنازل المحيطة بتلك البرحة هم من الملائكة، أو من الناس الطيبين، لذلك كان يشعر بالطمأنينة داخل تلك البرحة التي يسودها الهدوء والسكون.وبمجرد أن يعبر الصبي البرحة متجها إلى ركنها الشمالي الشرقي، يجد هناك باب البيت الذي يقصده. يدخل الصبي إلى دهليز المنزل الهادئ النظيف، ويصعد عدة درجات إلى الطابق الأول، ويطرق الباب : تك .. تك .. تك، فيأتيه صوت جهوري من الداخل : مين ؟ أنا يا ستي فاطمة .. جايب لك الثلج.وتفتح له الباب السيدة العجوز الطيبة، وتدعوه للدخول والراحة قليلا من تعب المشوار وحرارة النار.منزل الست فاطمة دائما نظيف ومرتب، دائما يسوده الهدوء، وقد كان الصبي يشم رائحة النظافة بمجرد أن يدخل هذا المنزل، نعم.. حتى للنظافة رائحة عند ذلك الصبي. ويجلس الصبي على كنبة مرتفعة بينما تقدم له السيدة العجوز بعضا من الحلوى أو الفاكهة، يتناولها وهو يتأمل بإعجاب ضوء النهار الخلاب الذي ينساب مثل شلال صغير من الماء من خلال فتحة في سقف المنزل، ليضيء قلب المنزل بإضاءة روحانية صامتة تتسرب بخفة ونعومة إلى بقية المنزل، فتضفي على المكان ذلك الامتزاج الرائع بين الألوان والظل والضوء الخافت، وكأنها لوحة فنية رائعة رسمتها يد أفضل رسامي عصر الباروك.بعد أن يرتاح قليلا ويأخذ جائزته البسيطة، يحمل الصبي الثلاجة الفارغة ويستودع سته فاطمة، التي تحمله السلام إلى والدته، ويبدأ رحلة العودة سالكا نفس الطرقات والأزقة التي جاء منها.لم يكن يدري هذا الصبي أن ذلك المشوار سيصبح جزءا من تكوينه الشخصي، وسيشارك كثيرا في تكوين إحساسه الفني بالبيئة المحيطة به ونظرته إليها، لم يكن يدري الصبي أن ذلك الشعور قد وضعه وجها لوجه أمام إحساسات جديدة عليه لم يكن يعلم منها أي شيء ولكن كان لابد عليه أن يواجهها، فهي جزء من وجودنا، وهي حقيقة لا يمكن إنكارها.ولازال الصبي يذكر، عندما دخلت عليه أمه ذات يوم وهو يجلس وحيدا في روشان منزلهم، وأبلغته بأن سته فاطمة قد «ماتت» بالأمس. واستغرب الصبي، هل يعني ذلك أنه لن يراها بعد ذلك ؟ ولن يحمل إليها الثلج ؟ ولن يسلك ذلك المشوار بعد ذلك أبدا؟. وهل.. وهل ؟ ، واستغرب أيضا هل يمكن أن يموت إنسان وقد رأيته بالأمس فقط ؟ ربما لم يكن يعرف الصبي تماما ما هو معنى الموت، ولم يفهم بعد لماذا يموت الإنسان !. ولكن الشيء المؤكد أن الصبي قد أحس لأول مرة في حياته بإحساس غريب لم يعهده من قبل، إحساس لم يستطع تفسيره لحظتها أو فهم دلالته، لقد أحس الصبي لأول مرة في حياته بأحساس « الحزن ».وكما أن هناك المرة الأولى لكل شيء في حياتنا، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يشعر فيها الصبي بالحزن، ولكنه كان حزنا دافئا، صغيرا لم يكن يعرف الصبي سببه، ولم تتبعه دمعة أو اثنتان، بل تساؤل بسيط بريء، وربما ساذج لبعض أمور الحياة.وأسرع الصبي إلى المطبخ أو الخزانة، وأخرج وعاء الثلاجة الصغيرة، وفتحه، ووضع وجهه داخل الوعاء بحثا عن ذلك العالم الشفاف.. بحثا عن عالمه الذي لا حدود لصفائه، بحثا عن الشيء الذي لا يوجد، تماما.. كما لايزال يبحث اليوم عن الشيء الذي لم يعد يوجد.